مهدي السماوي .. ثنائية التأليف والإخراج في المسرح/ ياسر عبد الصاحب البرّاك

عرف الفنان الراحل مهدي السماوي (1942 – 1987) بأنه متعدد المواهب في الأدب والفن، فهو من أولئك الروّاد الذين حاولوا أن يرفدوا الحركة المسرحية في الناصرية بالكثير من العطاءات التي تنسجم مع طبيعة المرحلة التي كانوا يعيشونها إذ ( تميز من الستينيات بالنشاط المتعدد الجوانب، ففي مجال الأدب كتب العديد من القصص والنصوص المسرحية ذات الفصل الواحد)، ومن أهم تلك النصوص مسرحية (حصان محترق الأطراف) عام 1969، و(المظاهرة) عام 1973، و(جاءوا في العام الخامس عشر) عام 1974، و(سرّي جداً ) عام 1976، و(الصهيل) عام 1981، وبعد تأسيس (فرقة ذي قار للتمثيل) التي رأسها الفنان عدنان عبد الصاحب انتخب السماوي عضواً في هيئتها الإدارية إلى جانب الفنان دهلة قمر، حيث قّدم السماوي لهذه الفرقة مسرحية (شجرة العائلة) تأليفاً وإخراجاً ، حيث يصف عبد الحميد الصائح المسرحية بعد قراءتها بشكل سريع وموجز بأنها كانت ( تجربة متواضعة وجادة لفرقة تأسست حديثاً ) ثم قدّم السماوي بعد ذلك مسرحية (نبعة)، ثم قدّم بعد ذلك تأليفاً وإخراجاً كل من مسرحية (الخيمة) لصالح فرقة شبعاد الفنية التابعة للاتحاد العام لنساء العراق – فرع ذي قار، ومسرحية (الطامورة) ومسرحية (ليلة حب عراقية)، وغيرها من المسرحيات التي تفاوتت مستوياتها بين الأعمال الشعبية المعنية بالحرب والأعمال التجريبية ذات الصياغة الجمالية الجديدة، وتقوم الممارسة الدراماتورجية لدى السماوي على الجمع بين التأليف المباشر والإخراج، إذ أن أغلب الأعمال التي أخرجها منذ عقد الستينيات من القرن الماضي حتى وفاته هي من تأليفه المباشر، وهذا يعني أن موهبته التأليفية كانت أحد الرهانات الأساسية في ممارسته الدراماتورجية، فقد كان السماوي يهتم بصياغة المدوّنة النصيّة على أساس الحركة وقطع الديكور وملامح الشخصيّات مسبقاً، لذا فانه لا يخرج عن نطاق الخطوط والتركيبات المثبتة على الورق في ممارسته الدراماتورجية، ولهذا نجد أن الجانب الأيديولوجي واضح في تلك الممارسة، بل أن تلك الأيديولوجية تقوده – أحياناً – إلى المباشرة فنراه يقول : “أنا أؤمن بالمباشرة ذات البُعد الفني والإبداعي، المنتمية إلى الواقعية الإشتراكية)، ويبدو أن الاتجاه الفكري للسماوي قد سيطر على أعماله منذ بداية ممارسته الدراماتورجية في صناعة نصوصه ومن ثمّة عروضه فقد كتب مسرحية (وقوفاً وطني) التي يقول عنها : “هذه المسرحية إحدى الأعمال التي تعود إلى الماضي لتعيد تركيبه بصورة جيدة، إنها زاخرة بالصراعات لتكشف عن قدرة أمتنا في الصمود والتحدي وتجاوز العثرات” إن السماوي لا يكف أن يكون مخرجا دراماتورجا من خلال إصراره المتكرر على إخراج مسرحياته بنفسه حيث يعتمد ( الإسلوب الواقعي البسيط في الإخراج، وكان هذا عائداً إلى تركيزه (الأيديولوجي) – كما قلنا – على حساب الجانب الفني والجمالي في العمل بسبب ميوله السياسية من جانب ومحاكاته لتجارب المسرح السياسي من جانب آخر، وقد طغت الدعائية في بعض أعماله كـ ( السلاّبة ) و ( وضّاح اليمن ) مثلاً )، كذلك فقد تميز السماوي (بتوظيف الطقس الشعبي داخل العرض حيث يُدخل الموروث العراقي بزواج القديم بالحديث، فقد حظيت أغلب أعماله المؤلفة بإهتمام من قبل كتّاب ومخرجين عراقيين وعرب، فقد قال عنه الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني بأن السماوي يستحق الإهتمام من خلال أعماله)، ورغم أن كنفاني لم يُشاهد عروض السماوي، إلا أنه بالتأكيد قد أطلع على نصوصه المنشورة، وبالتالي فإن رأيه مبني على أساس النص وليس على أساس الممارسة الدراماتورجية مجتمعة تأليفاً وإخراجا، وقد كان السماوي (مولعاً بتطبيق تعاليم ستانسلافسكي، في التأكيد على الشخصيّة المسرحية وتحليلها ويهتم بتمارين المنضدة وتطبيقاتها حتى ترك الممثل على رسله في القراءة والحركة قبل الصعود على الخشبة، يرسم المخطط الجغرافي للمكان، للفضاء المسرحي والتمحور عنده، قلّما يستمع ملاحظة من ممثل لأن كل شيء مرسوم في رأسه، مثابر، وحيوي، وينظر إلى الأبعد، خرج من عباءته عدد كبير من رواد المسرح حيث ترتبط الثقافة المسرحية مع التطبيق)، وواضح أن السماوي يؤكد على تحليل الشخصيّات وتوزيعها للممثلين الذين إنتقاهم مسبقاً ، أي أن الممارسة الدراماتورجية على صعيد إنتاج الشخصية المسرحية في العرض تتم من قبله وليس من قبل الممثل الذي يكون مجرّد منفذ لرؤية السماوي في تحليل الشخصيّة وإعادة بنائها من جديد، ويتم ذلك بعد القراءة الأولية على المائدة، وبما أن طريقة ستانسلافسكي التي كان السماوي يتمثلها في تجاربه المسرحية تحث على التقمّص والتوحّد والإندماج بين الممثل وشخصيته، فانه لابد من منح شيء من الحرية للممثل في إنتاج شخصيته، وهذا ما لم يكن السماوي يفعله ربما لمعرفته بإمكانيات ممثليه الذين ينتمي أغلبهم إلى الهواية أكثر من الإحتراف رغم تجربتهم الطويلة في المسرح، لقد كان السماوي على مستوى التأليف ( يُفصّل الشخصيات على مقاس ممثليه، ولذلك سمي بـ (الخيّاط)، كذلك فأنه يقوم بتصميم (السكربت = الخطة الإخراجية على الورق) ويعطيها للممثل، كما أنه يفرض على الممثل الأشياء التي لا ينبغي الخروج منها)، وربما تخفي هذه الطريقة ضعفا في ما متوفر للسماوي من ممثلين ‘ إذ أن صياغة الدور بما يتناسب مع شخصية الممثل سيؤدي بالنتيجة إلى تكوين عدد من الممثلين النمطيين الذين لا يجيدون كل الأدوار بل يختص كل واحد منهم بأدوار معينة وهذا – دون شك – تعطيل للقراءة الدراماتورجية التي ينبغي أن يتبناها الممثل في قراءة دوره مع كل تجربة مسرحية جديدة، وهي طريقة تجمّد المشهد المسرحي وتجعله خاضعاً لرؤية واحدة دون أن يكون هناك ثمّة تناسل إنتاجي في المخيلة، وبالتالي يخضع العرض إلى صورة فوتوغرافية واحدة، قد لا تفسر الدور ومن ثم الحدث تفسيراً يتسم بالديناميكية لان قدرات الإنسان الفرد مهما اتسعت فإنها تبقى محدودة، ولان الإبداع لا يقف في نقطة ما بل هو متحرّك دوماً يبحث عن الجديد، وذلك لا يتحقق إلا بالعمل الجماعي وروح المشاركة كما نرى عند أغلب المخرجين الكبار، وخلاصة القول أن السماوي كان مؤلفاً مسرحياً حتى في عملية الإخراج أي أن عمله يقوم على ممارسة دراماتورجية تذوب فيها الحدود الفاصلة بين التأليف (الأدبي) والإخراج (الفني)، وعلى الرغم من أنه يعمل دائما على أساس ما هو مدوّن إذ أن كل شيء مرسوم عنده في الخطة الأرضية، إلا أنه يفسح المجال – أحياناً – للمخيلة لأن تقول كلمتها في التمرين، أما العناصر السينوغرافية الأخرى المكوّنة لممارسته الدراماتورجية في صناعة عرضه الواقعي فإنها تقوم على الاهتمام الجدي بتلك العناصر كالديكور والإضاءة والموسيقى على الرغم من ضعف التقنيات المسرحية في القاعات التي قدّم فيها عروضه المسرحية، وبصورة عامة فان قراءة أي عرض من عروض السماوي المسرحية ستكشف لنا طبيعة ممارسته الدراماتورجية في صناعة العرض عبر التأليف المباشر والإخراج وهي آلية أولى من الآليات الدراماتورجية التي يعتمدها المخرج في المسرح العراقي في إنتاج وصناعة عروضه المسرحية.
* ياسر عبد الصاحب البرّاك ( مخرج وناقد مسرحي )



