أن تكون ناقدًا…ذلك أمرٌ عسير/ محمد الروبي

يسألني كثيرٌ من الشباب عن وصفةٍ جاهزة ليكونوا بها نقادًا عظامًا.
وفي كل مرة أبتسم؛ لأن النقد، في جوهره، لا يعرف الوصفات، ولا يُصنع على نارٍ سريعة.
النقد الحقيقي لا يبدأ من القلم، بل من الدهشة.
من تلك اللحظة الأولى التي تقف فيها أمام عمل فني لا لتُصدر حكمًا، بل لتفهم.
أن تدخل العمل بلا أحكام مسبقة، كمن يدخل مكانًا معتمًا، يتحسس الجدران، ويصغي للهمس، ويشك في ما يراه.
ثم تأتي القراءة…
لا باعتبارها تكديسًا للمعرفة، بل بوصفها توسيعًا للحس.
قراءة التاريخ والفلسفة والأدب والسينما،
وقراءة البشر في هشاشتهم، وتناقضاتهم، وأسئلتهم المؤجلة.
فالناقد الذي لا يعرف الإنسان، لن يعرف الفن.
لكن كل ذلك يظل ناقصًا إن لم يُتوَّج بما هو أصعب وأعمق: الصدق.
تلك الكلمة المراوغة التي أراها صدقًا مع الذات قبل أن تكون مع الآخر.
أن يكتب الناقد ما يحسّه ويفهمه حقًا،
لا ما يظن أن الآخرين يريدون سماعه،
ولا ما يضمن له القبول السريع أو التصفيق المؤقت.
الصدق أن تصغي إلى نبضك أنت، لا إلى ضجيج القاعة.
أن تثق في ارتباكك الأول، وفي أسئلتك غير المكتملة، وأن تعترف بما لم تفهمه قبل أن تستعرض ما فهمته.
فكثير من الزيف في النقد لا يأتي من سوء نية، بل من خوف.. خوف من الاختلاف، من العزلة، من أن يبدو الصوت نشازًا وسط جوقة الآراء الجاهزة.
النقد، بهذا المعنى، موقف أخلاقي قبل أن يكون تمرينًا معرفيًا، وفعل شجاعة بقدر ما هو فعل فهم.
ثم تأتي اللغة…
لا بوصفها مجرد كلمات تصف بها ما رأيت أو قرأت، بل باعتبارها فعلًا إبداعيًا يخصك وحدك.
لغتك ليست وسيطًا محايدًا. لغتك هي أنت.
فاحرص أن تكون جميلة بلا ادعاء، سلسة بلا استعراض، أخاذة من غير تعالٍ، قريبة من القارئ دون تدنٍّ أو ابتذال.
اجتهد أن تنساب عبارتك كما تنساب الفكرة، وأن تُمسك بالمعنى دون أن تخنقه بالمصطلح،
فاللغة في النقد ليست شرحًا للعمل فقط،
بل إعادة خلق له بروحك أنت.
اللغة – مرة أخرى، وليست أخيرة – هي أنت. فاحرص… أن تكون جميلًا.
وأخيرًا، أقول لهم:
لا تتعجلوا العظمة.
العظمة في النقد لا تُعلن عن نفسها، بل تتراكم في الصمت.
وحين تظهر، يكتشف القارئ أن ما كُتب
لم يكن تعليقًا عابرًا على عمل فني، بل شهادة صدق، وحبًّا عميقًا للفن والحياة.
هذا ما اعتقد… والله أعلم.
عن:مسرحنا/ العدد: 958 بتاريخ: 05 يناير 2026



