ارتجافات الذاكرة وأصداء الصمت..قراءة درامية في مسرحية (صمت) لسليمان البسام/ د عماد هادي الخفاجي

الصمت ليس محض غياب للكلام، بل هو امتلاء متكاثف بحقائق تتجاوز طاقة البوح لينسج عوالم من الدلالات العميقة.
في مسرحية (صمت) للمخرج سليمان البسام، يتجلى الصمت ككيان درامي قائم بذاته، يعيد صياغة اللغة والموقف المسرحي، ويستدعي الذاكرة الجمعية لتواجه نفسها أمام مرآة الانفجار المدمر الذي غير وجه بيروت في لحظة تاريخية مفصلية، فالنص الذي يتخذ من انفجار مرفأ بيروت خلفية تراجيدية، يعزف على أوتار الوجع الإنساني في لغة تجمع بين الشاعرية والاحتجاج، لا يتوقف عند حدود السرد الواقعي، بل يرتقي إلى تأمل فلسفي يلامس المأساة باعتبارها فعلا كونياً يتكرر في حتمية الزمن، الكلمة في (صمت) تبدو وكأنها تتآكل تحت ثقل الذاكرة المثقلة بالخسارات، فتتحول إلى أنين غنائي ينبثق من الأعماق، حيث تؤدي (حلا عمران) دوراً يتجاوز حدود التمثيل إلى حيث يصبح الجسد ذاته وسيطاً روحياً للآلام المكبوتة، وعند العود الى الأداء التمثيلي الذي قدمته (حلا عمران) نجدها تجاوزت حدود الأداء المسرحي التقليدي، إذ لا تقف شخصيتها عند حدود التقمص أو التمثيل الدرامي الصرف، بل تصبح ذاتاً متشظية تعيش الحضور الشعري الميتافيزيقي على الخشبة، ففي كل مشهد، يتداخل جسدها مع النصوص الملقاة والغناء الذي يعبق بحس الاحتجاج والألم، (حلا عمران) خلقت جسراً حياً بين الكلمة والصوت والحركة، فكانت تنتقل من السكون الصامت إلى الانفجار التعبيري الحاد، وكأنها مرآة تعكس ارتجافات المدينة المتعبة.
اما الإخراج الذي اعتمده (سليمان البسام) قد عكس فلسفة عميقة تستلهم مفاهيم المسرح المعاصر دون أن تغرق في التجريب العبثي، إنه إخراج يحتفي بالبساطة المتقنة التي تخفي وراءها عمقاً تعبيرياً ساحقاً، فمن خلال توجيهه النص المسرحي والمقاطع الغنائية المتتالية كأنها موجات متتالية تضرب المتلقي بمشاعر متناقضة من الحنين والغضب والأسى، فالحركات المسرحية كانت مدروسة بعناية لتخلق إيقاعاً بصرياً ينبض بالمشاعر المكبوتة، بينما تظل الشخصيات كالأطياف، حاضرة وغائبة في آنٍ واحد.
اما السينوغرافيا قد جاءت كعمل بصري وفكري متكامل، حيث كان للضوء واللون والأماكن حضور رمزي قوي يعكس مأساة بيروت وجروحها التي تأبى الانغلاق، فالإضاءة، بتدرجاتها الأحادية المتأرجحة بين العتمة والوهج، تعيد خلق مشهدية ميتافيزيقية تتماهى مع مفهوم الانتظار الأبدي لانفجار جديد يلوح في الأفق إنها إضاءة تكتب بالضوء ما يعجز النص عن صياغته، وتحفر في أعماق الذاكرة الجماعية مسارات تستدعي الكارثة دون الإفصاح عنها بصراحة.
أما الديكور، فكان بسيطاً حد التجريد، لكنه محمل بدلالات بصرية عميقة، فالشرفة التي تقف عليها الشخصية المركزية بدت وكأنها منصة للمراقبة والاحتجاج في آنٍ واحد، بينما الألوان الرمادية التي تهيمن على المشهد تستدعي الأطلال التي خلفها الانفجار، وتحيل إلى فراغ وجودي يتسع مع تصاعد الأحداث.
اما الموسيقى التي يؤديها علي حوت وعبيد قبيسي تجاوزت الوظيفة التقليدية للإيقاع المسرحي، إذ أصبحت فعلاً سردياً قائماً بذاته، اذ حاورت النص المكتوب والجسد المؤدي في حوار تجاوز الحسي إلى التأملي، فكانت كل نغمة هي ارتعاش لجرح مفتوح، وكل إيقاع موسيقي هو نداء داخلي لمواجهة الذكرى المهشمة، وكأن الموسيقى تعيد رسم ما تبقى من ملامح المدينة المدمرة.

وفي النهاية يمكن القول بأن مسرحية (صمت) هي تجربة وجودية تجعل من المتفرج شريكاً في الحكاية، يواجه ذاته أمام المرآة المتصدعة للعالم المعاصر، إنها دعوة إلى التفكير في صمتنا الجمعي، في صمتنا المتواطئ مع الكوارث التي تهددنا بصمت أشد دوياً من كل انفجار.



