مقالات

(النص المسرحي المراوغ “منتصف الليل يغادر الاولاد طفولتهم” لشوقي كريم حسن) / علي حسين الخباز

عندما يحمل النص المسرحي أقصى ما تذخره النفس البشرية الملغومة بمعانيها، وبانفعالاتها، بالوجع الإنساني يصبح النص معجزة إبداعية قادرة على بناء الأثر الروحي عبر مشاكسة المعنى، وإظهار القيم الفاعلة بأسلوب متقن، يجسد المعنى الأخلاقي والفكري

ونص مسرحية “منتصف الليل يغادر الأولاد طفولتهم” للكاتب شوقي كريم حسن، منذ العتبة النصية الأولى يمارس غوايته على الفكر بوعي الإيحاء، ثم يرسم لنا البؤر الاستهلالية (سينوغرافيا) المشهد بإيحاء يخلق عند المتلقي مقاربات دلالية تتوالد بتجليات البعد التأويلي، صورة كبيرة مؤطرة بإطار ذهبي لرجل يتأبط كتابا، ومضاعفات دلاليه تحفز خاطر المشهد مثل جمجمة بشرية/ أطراف / كاس مملوءة إلى منتصفها بماء أصفر/ علامات بؤرية تدفع المخيلة إلى مرموزات تكوينية مضمرة بأشياء لها مقدرات ذهنية وطاقة شعورية غرائبية، هل الأصفر هو دلالة على الذبول أم الهدوء وبرود الأعصاب؟

بالمقابل هناك مشهد تقابلي صورة الرجل تقابلها صورة امرأة تلبس الأسود دلالة الحزن وتحمل بين يديها كلبا أبيض، الكلب دلاله الوفاء والأبيض دلالة الطهر والنقاء.

طاقة خفية في المشهد وصوت قارئ القران يأتي من داخل الحجرة مرتلا سورة يوسف (والقوه بغيابة الجب) دفقات تأويل تقوي علائق التوقع، تابوت مغطى بباقات من زهور القرنفل، وزهور القرنفل حسب الأسطورة الكاثوليكية هي دموع مريم العذراء على ابنها عيسى حين حمل الصليب كانت دموعها تتحول إلى قرنفل أبيض، وترمز أيضا في الثقافة الفرنسية لسوء الحظ وعندنا هي زهرة جنائزية، كنوع من أنواع التعزية، والقرنفل الأبيض يدل على الوفاء ومن الأزهار الصالحة للأكل.

رغم مشهد الموت (المأتم / المعزين / تلاوة قرآنية) يكشف النص عن جوهر العمق الحياتي، عبر مفهومي الوصف والحوار (تنتقل صاحبة المأتم بخجل وارتباك أثناء دخول المعزين) معزٍ ينظر إلى ساعته بسأم واضح، ويمنح (الوصف ـــ السرد) سمة الإيحاء، يلتقط لنا بعض الدلائل المهمة، يشعر المتلقي بتوجسات تأويلية وعلاقات قلقة، و تصورات ذهنية تكشف عن ضعة العلاقات في أفق الدلالات التقابلية (النص والتأويل والحوار المراوغ) الذي يمنح النص فهما يختلف عن معناه، المعزي الأول كان رحمه الله من أخلص أصدقائي بل هو أخ عزيز، خسارة لا تعوض ولكن لا مرد للموت، صاحبة المأتم تهمس في أذن المعزي 2:

ـ بل قاسمته فراشه الليلي أيضا شكرا لك سيدي.

وعلى مقربة من الهمس يأتي حوارا آخر يكشف عن دلالة مرتبطة بنفس المفهوم في الطرق المقابل المعزية 1:

ـ (كان مثل حصان دائم الركض في ساحة السباق) رصد العلاقات التي أنتجتها الخيانة.

وكأنه يريد أن يوجه لنا كلمة (الخيانة لا تحصد إلا خيانة) ويكشف شعور الذات، الأثر الذي تركته هشاشه المأتم:

ـ هل الخيانة وليده الظرف الاجتماعي أم هو نتاج الذات سؤال الوعي، وعمل الملكات (العقل/ القلب/ الذاكرة/ المشاعر/ العلاقة الذابلة)

يرفض النص السكون فيباغتنا بشخصية الصغير ماجد الذي شكل هوية خاصة حركت البعد التأويلي. هل هو الملاذ الثاني للراحل.. هل ماجد ظل الميت؟

هل هو ذاته التي حضرت المأتم؟ أم………….؟

ماجد:

ـ كنا صديقين رغم فارق العمر الذي بيننا أجلس عند قدمه وأستمع إلى حكاياته

السيدة:

ـ (مع الصغير): ـ انت تتكلم مثله تماما.

الصغير:

ـ (يضحك) إنها الحياة، هو قال لي هذا، كنت أخطو محتذيا ظله / لماذا بخلت عليه بكلمة واحدة؟ كلمة كانت تزيل عنه كل تعبه.

معظم الحوارات تميل إلى التلميح وإيحاء تراكيب جملية، توظف لغرض زيادة الطاقة التعبيرية الفاعلة في النص، تؤكد غربة رجل التابوت، وإذا بصوته يأتي من الخارج ممزوجا بتمتمات الصغير:

ـ انظري إلى وجهك في المرآة يا سلوى، لم يكلل الحزن عينيك، استثمار الطاقة التعبيرية لتغذية الفكرة، والرؤيا، والمشاعر الحرة،

السيدة:

ـ من علمك هذا؟

الصغير:

من يكون غيره؟ السيدة تسأل هل كان ثمة لقاء بين الصغير ورجل التابوت، ومن هو فيهما ماجد؟

الصغير:

ـ كنا مثل الشخص وظله

السيدة:

ـ ما كنت أعرف هذا

الصغير:

ما كنت تعرفين شيئا يا سلوى

السيدة:

ـ إذا أنت هو نجح النص في تصوير عالم وجداني مغاير، غرائبي زاوج بين شخصيتين، الطفل ورجل التابوت حد الذهول.

الصغير:

ـ بل هو أنا …أنا كنت قبله يا سلوى

السيدة:

ـ (متعجبة) قبله “”كيف؟

منظومة فكرية تحمل المتلقي مسؤولية البحث عن المعنى، وراوغ بالأسماء والأحداث والمواقف، كل شخصية تنشطر إلى عدة شخصيات، كل فعل إلى أكثر من فعل، كل واحد يستعرض مظلوميته وغربته وأناه، تدفق في الإيحاء ليزيد من جمالية المسعى التأويلي.

السيدة:

ـ استلمت من أبيها ورقة وصلت من الزوج بيد الأب، سر هذه الرسالة، إنها أنهت كل شيء،

ينمو النص، يتطور الحوار عبر توظيف إمكانية التخمين، الورقة التي أنهت كل شيء هل كانت ورقة الطلاق؟ ورقة بيع ما يملك ليفلسها من الممتلكات.

السيدة:

ـ ما كنت أحسه إلى جانبي أبدا، حتى أنفاسه ما كنت أحس بدفئها.

يعمل النص على توظيف الرموز والانفتاح النصي (التابوت / قارئ القران / مواءمة بعض الآيات مع أحداث النص)

ما أن تدخل المرأة الثانية صاحبة الصندوق، يعلو صوت المقرئ (وأن كان قميصه قد من دبر) محمولات المشهد كثيرة، يتقدم أربعة من الحضور لرفع التابوت من مكانه يهتز ويرتفع أنينا مكتوما يسود الصمت ليعلو صوت المقرئ (صدقت وهو من الكاذبين)

يحاول المعزي الأول الخروج من المأتم لكن أحدهم يمنعه

صوت قارئ القران في القاعة (وضع السقاية في رحل أخيه) يراهن النص بكل شيء من أجل تقوية مغزاه، يملي على ذهن المتلقي الأفكار والتوجهات والمؤثرات السلوكية ويجسد الواقع بتأثيرات شعورية كشفت فجاه عن اللا متوقع، ينهض صاحب التابوت، ينسحب البعض واجمين.

رجل التابوت:

ـ (زرعت وهما فحصدت سرابا / لماذا لا نعتذر حين لا نجد مكانا يأوينا إلى أنفسنا تلك هي لعبة الأسماء)

نجد أن الانفصال عن الحياة والعودة إليها.

رجل التابوت:

ـ (عدت كي أنضج الحجر، تلك هي حياتنا)

لكل شيء معادلة الرمزي التابوت الفارغ /صوت الطفل ماجد/ السيدة صاحبه الصندوق/ لعبه الأسماء.

زرع النص في المتلقي تخمينات تشعره بوجود أشياء غير حقيقية لغة التجارة عند المعزي الأول كانت المعبر إلى السرقة، تحمل فجوات الذاكرة معنى الخيانة يورط صديقه بالانتماء السياسي المضاد للسلطة ثم يخبر عنه ليهلك، من أجل أن يحظى بزوجته، وتعيد حيوية النص إلى آفاق اللا متوقع ليعود الراحل إلى التابوت ويجعل النص المسرحي حقلا خصبا للمراوغة، جعل العالم كله يظهر في تابوت وليتحول التابوت إلى عالم، وأنا أؤكد أنه نص مراوغ بامتياز.

Related Articles

Back to top button