ثنائية القتل والخوف في “خوف سائل” / محمد محسن السيد

تـوطئــة :
الخوف هو مصدر الآمنا . (غاندي)
والخوف اقتل مما كنت ارقبه
انا الغريق فما خوفي من البلل (المتنبي )
وقاتل الجسم مذموم بفعلته
وقاتل الروح لا تدري به البشر (جبران ابن خليل جبران).
قدمت الفرقة الوطنية للتمثيل في موسمها المسرحي الحالي عرضا مسرحيا حمل عنوان (خوف سائل) من تاليف: حيدر جمعة واخراج صميم حسب الله وذلك يوم 2/9/2023 والايام التالية وبعد مشاهدة العرض تجمعت لدي مجموعة من الملاحظات ارتايتان اسطرها على الورق تعميماً للفائدة وهي كالاتي :
° فيما يخص عتبة العنوان :
لما كان العنوان يمثل ثريا النص – بحسب دريدا– فقد جاء يحمل معنى مغايرا في دلالاته ويشير الى ان هذا الخوف قد تمدد وتشعب ليصبح كائنا ضخما جدا يبث اهاته ولوعاته في كل زوايا الحياة المتعددة بدءا من البيت وانتهاءاً بالشارع الامر الذي يعسر حصره في كم رقمي وعددي بسيط ومحدد – وهنا لنا ان نتساءل لماذا خوف سائل ؟ وجوابها ما ذكرناه في اعلاه . وكذلك – والحديث لا زال عن الخوف – فقد انطوى امره على بعد ذي صبغة عالمية قابلة للتطبيق – اعني انتقاله من الحدث باطاره الضيق (البيت) الى الانتقال بالحدث متمددا لكون فسيح مترامي الاطراف يختلف كما ونوعا قياسا عن طاره المحلي (البيت) وهذه التفاته واعية لا تحتاج الى كثير نظر وعمق تفكير .
وعلى مستوى النص فقد تمثل حضور الثنائيات بمواقفها الواضحة: الخوف الموت والبصيرة / العمى متمثلة في الشاب الاعمى واخيه، وكذلك ما يخص الزوج / الزوجة وما احدثه دخول القاتل المجهول بينهم ومن ثم تداعياته الموجعة على جو البيت والعائلة، وما يثيره هذا الدخول من اسئلة في غاية الاهمية.
اما فيما يخص التمثيل فثد كان فريق العمل. قد ابدى مرونة جيدة تقترب من اجواء العرض وقد هيأ المكان بمعماريته المناسبة في توصيل رسالة العرض وذلك بكثرة غرفه وابوابه واستغلالها فيما يشبع ويعمق فعالية الاداء المسرحي، وهو اختيار موفق يحسب المخرج العمل وفريقه الفني. اما بخصوص فريق العمل فقد جاءت – كما قلنا – يشكل وحدة ادائية فنية يكمل بعضها البعض الاخر بانسيابية مدروسة ورصينة– فقد عمل الكثير منهم على مايحب عليه في تجسيد مهامة الادائية واجتهد بمقدار نستطيع ان نقول انه قدّم وجبة فنية جيدة ومقبولة لجمهوره المثابر والمتفاني. خاصة ان لكل واحدة من شخصيات العرض موده الخاص وكاركتره (شكله) الشخصي المميز عن غيره بدءا بالزواج الذي كان صاحب الحضور الاقوى من بين كل الشخصيات الاخرى ولا ننسى الزوجة التي تاتي بعد الزواج في الحضور الطاغي في الحدث والمشاركة الفاعلة فيه. اضافة الى ذلك لا يفوتنا ان نذكر هنا ان فريق العمل كان بمثابة فريق فني متناسق يكمل ويعضد بعضه ببعض في اداء مشترك.
ومتناسق من ناحية الاداء المسرحي. وهنا اشد على جميع الشخصيات وادائهم وانصهارهم في تجسيد الشخصيات الملقاة على عاتقهم بالمقدار المطلوب فنيا وادائيا وخاصة الممثل (بهاء خيون) وهو يحلق بدور الاعمى بمستويات جمالية جذابة باهاته المتكررة والمتواصلة التي كان لها وقعها المؤثر والملفت للانتباه على الملتقي والعرض على حد سواء.
اما فيما يخص الاخراج فقد نجح كما قلنا – المخرج في توظيف المكان بشكل ناجح ومدروس لخدمة العرض، فقد استفاد كثيرا من معمارية المكان. التي اعطت العرض زخما ودفقا جاء متناسقا جدا مع توظيف بيئة مكان العرض واستثماره لما يصب في خدمة العرض والارتقاء به من خلال تفعيله واشتغاله واستثماره لكل مفردات المكان بشكل جيد ومدروس لكي يخلخل المكان ويستثمر طاقته القصوى لصالح العرض ويتبعد ان تكون بعض مفاصل المكان جامدة وساكنة وغير مفعلة الامر الذي يرهل وينعكس على عمل منظومة الاخراج ويضعفها. وقد احسن المخرج باستخدامه تقنية السكرين ليين لنا احدى اهم سلبيات التقانة في عصرنا الحالي مشيرا وبقوة الى احد اوجه استخدامها السلبي في التلفيق والتهتك باعراض الاخرين من دون وجه حق، كما يؤكد هذا المشهد ويشير بقوة الى ذلك القاتل المجهول – المعلوم -باعتباره هو من يقف وراء كل ذلك وهو صاحب اليد الطولى في صناعتها وتاثيراتها السلبية على الحياة برمتها واستخدامها بالشكل غير الواعي لها، ولا ننسى ان الخيال -كما يقولون- هو الطرف القصي من الحقيقة ولا ننسى براعة المخرج في رسم المشهد الاخير والختامي بدقة فنية عالية جاءت متناغمة جدا مع تصاعدية الحدث والمتمثلة في القرع والضرب المدوي على الابواب، ليعمق بوعي كبير دلالة المعنى له ليجعل منه فضاءا مفتوحا للتاويل بان هذه هي ليست النهاية وانما قد تكون البداية وان هناك عشرات القتلة المجهولين القادمين في رحم الاحداث المفعمة بالاحداث الكبرى والتي تشكل احدى اهم سلبيات الواقع الراهن المتخم بجبال من السلبيات والمشاكل.
اخيرا نقول :
شكرا للطاقم الشبابي في (خوف سائل و هو يعلمنا ان طريق الابداع هو طريق الالتزام والمثابرة والصبر، وان عجلة الابداع لن تتوقف ابدا ما دام هناك طاقات شبابية فنية جديرة بحمل مشعل الابداع بفهم وعلمية مدروسة معبرة بلسان الحال لا المقال، ومستحضرة بوعي دقيق كلمات الكاتب المسرحي العالمي (هنريك إبسن) : (الشباب هم الخلاص).
- محمد محسن السيد مدير المركز العراقي للمونودراما



