تأملات في نص مسرحية “نحن جوهر العاصفة” للكاتب شوقي كريم حسن../ تسطير : علي حسين الخباز

بين الفلسفة والمسرح صلة وثيقة، يرى بعض النقاد لا وجود لمسرح دون مرجعية فلسفية.
قرأت لمن ذهب إلى أن المسرح وسع قاعدة الاستيعاب الجماهيري للفلسفة، نص مسرحية / نحن جوهر العاصفة / كتاب (كان في …دوي الفراغ …”) للكاتب / شوقي كريم حسن.
سيكون الولوج الأول لي عبر شخصيات النص وواقعية الأحداث عن طريق شخصيتين فقط، طرح أفكاره ورؤاه والاهتم بالعلاقات التي تربط الشخصيتين مع بعضهما ومع العلاقات الإنسانية العامة، شكل من أنماط سلوكية ورغبات، وأفكار مؤثرة اجتماعيا، وحين يكون بناء النص معتمدا على شخصيتين رئيسيتين، سيكون التركيز الفلسفي أعمق، يخلق سعة عالية في التأثير الشعوري، وحين يستند على معطيات الواقع المعاش سيمنح متلقيه رؤى وتصورات لها فاعلية ترتقي لخطاب فكر يتجاوز السردية التقليدية.
***
والولوج الثاني…. سيكون من باب الأطر الزمانية التي استثمرها المؤلف شوقي كريم حسن وفق متبنيات الماضي وما يرتبط بالذاكرة وحضورها وفق عملية الاسترجاع والاستباق واستطاع أن يبني عليها دلالاته الفكرية والفلسفية، جملة الشعرية والشعورية فيكون الماضي هو بؤرة الاستنتاج الحيوي، ووضع الكاتب شخصية غائبة هي الابنة ساهرة التي تمثل الحاضر الزمني واشارات وايحاءات تمهد لأحداث ستأتي، تلميح العنوان يكشف عمق الواقع عن العاصفة وجوهرها الذي هو نحن.
الزوجة: ـ (أتذكر أستاذ الفلسفة في كليتنا كان يقول أن الطبيعة قوامها الأفكار لا المفردات /كذب/ لأن للإنسان فكرة واحدة، فكرة قائمة على العقل لأننا لا نستطيع أن نفرق بين ما هو فكرة وما هو مفردة)
استدعاء الماضي له مسارات حلمية عبارة عن تأملات تعيش في الذاكرة تمنحنا العمق الفكري للشخصيات (حين تختلط الأيام في الذاكرة تصير خطانا خطا سلحفاة تدب فوق نحاس) وتمنيات تصور المواقف والأحاسيس والبنى التي تمثل القاعدة الدلالية لتكوين تلك الشخصيات.
(كم تمنيت أيام صباي أن أضع راسي وأغفو في حضن نجمة / النجوم غواني الشعراء / والقمر عازف) أنفتح المؤلف على بنية نصية تقوم على التداخل بين السرد والحوار، وبين المتكلم ورمز الغائب، بين الماضي والمستقبل.
الزوجة: ـ (ساهرة تقول أني يجب أن أبتعد عن البيت قليلا / ساهرة ثمرة لكنها لم تنضج بعد / هل تستطيع أنت وراسل وكانط وديوستفسكي وهؤلاء الموتى من إزالة حزن قيعان أعماقنا الدموع أبدًا / والكلمات هباء / الدموع براري)
***
الولوج الثالث…. البنى الفلسفية… لا يشتغل هذا النص على آليات السرد المعلوماتي، ينفتح على تأملات فلسفية سعيا لفهم العالم، الشخصيتان الرئيسيتان زوجة وزوج مثقفان عاشا مرحلة العشق الروحي أثناء الجامعة، ولهما اهتمامات فلسفية لكنهما اختلفا في نظرتهما للفلسفة الزوج, انحرف بها إلى العزلة والزوجة زجتها بالرؤى المعرفية إلى الحياة، لفهم المعاناة الإنسانية، لإثارة الحقيقة عن غبار الكتب عن وجه الحقيقة ، الخلاف الذي ينشب بين الرجل وزوجته يثير الاهتمام ويكون جاذبا, مؤثر هو عشق الصمت وهي تحمل ثرثرة الهم، هل الزوجة ابتكار مخيلة المؤلف؟
لا أعتقد إنها أقرب إليه من نفسه، نص مضغوط ومكثف بلغة شعرية لامست جوهر الفلسفة عبر حوار مكثف.
الزوجة: ـ (تقرأ الشعر وتلوك لعاب الفلسفة والأدب وجدل التكوين الإنساني / تنام أنت تصافح سيبونزا وجون لوك وتتمنى لو أن السيد جاليلو ما صار نذيرا، ألم تقل أن الصفات ابتكار جهازنا الإدراكي / كاذب حقيقي أنت / الححت عليك لتصلح ساعة الحائط)
محاورات تنطوي على مدلولات جمالية تزخر بالرؤى الفلسفية، لا تتعامل مع الماضي الرثائي بل تتأمل فيه كبعد ينهض بالتصريح إلى الدلالة، تريد الزوجة أن تحول فلسفة سنوات الدرس ليعمل على إصلاح الساعة الجدارية لا تريد للزمن أن يتوقف في بيتها، تقول الزوجة في حوار لها:
ـ (ماذا لو نلعب لعبة المعاكسات، لو اكتشفت شهرزاد خيانة شهريار وهي الملكة، ماذا يحدث؟)
نجد ان عكس الصورة الذهنية أسلوب يستفز دهشة المتلقي، (يختلط الحوار بصوت آخر يكرر الأسئلة ذاتها) اختلاط الصوت لا يرتبط بزمان مادام الاختلاط بفعل مضارع ممتد زمانيا، يستدرج المتلقي الى خبايا الفكرة
1ـ يختلط
2ـ صوت آخر
3ـ تكرار الاسئلة
لا بد من استنطاق النص إلى روعته
:الزوجة
ـ (أكانت تأمر جلادها بقطع رؤوس الرجال خونة؟)
تقع على المتلقي مهمة القراءة، إعادة التفسير، مثلما من حق المخرج أن يهشم النص ليصنع الصورة في العرض البصري، من حق المتلقي أن يحفر بالعمق لاكتشاف الدلالة.،
:الزوجة
ـ (لا لا قلوب النساء لا تتحمل مرأى الدم والرؤوس المرفوعة على الرماح) عملية مباغتة من مؤلف ذكي أراد ان يستفز متلقيه (الرؤوس المرفوعة على الرماح) لها دلالات تاريخية أبعد من مداها، والصوت الآخر هو الآخر يشكل رؤية بكر على المتلقي إيجاد القرين الروحي لهذا الصوت الذي كان ضمن آفاق
اللعبة، وتكرار الاسئلة ذاتها، الفكرة متحررة من قيود الزمن، مفتوحة على المضامين الإنسانية.
الزوجة:
ـ (مرة قرأت أن أفدح الكوارث التي يشقى بها المشتغلون بالفلسفة إنها في العصر الواحد لا تستقر لنفسها على معنى واحد، وهكذا أنت لا تستقر على نفسك)
حمل النص الكثير من الرؤى الفلسفية التي تلخص رؤى الإنسان حيث غصة الواقع (أظن أن الأفكار تتجمد مثلما يتجمد الماء، وإذا تجمدت غاب عن الروح الفرح) أما أنا فأشهد أنه نص مبدع لحد الدهشة.



