من الهامش إلى الأسطورة: حين تعبر تالة المتوسط بجسدٍ راقص/ وليد قصوري

نحو تعاون كوريغرافي–مسرحي بين تونس واليونان
ليس التعاون الفني بين تالة واليونان مجرّد مشروع إبداعي عابر، بل هو فعل ثقافي عميق يعيد طرح سؤال من يملك الحق في إنتاج الجمال والمعنى؟ وكيف يمكن للجسد أن يصبح وثيقة تاريخية، وجسرًا حضاريًا، ولغة تتجاوز الجغرافيا والسياسة. في هذا الأفق، يلتقي مساران فنيان مختلفان في الجذور، متقاطعان في الرؤية: مسار المخرجة اليونانية أكسينيا تسيوما، ومسار الكوريغرافي والمسرحي وليد قصوري.
وُلدت أكسينيا تسيوما في أثينا، وعاشت في إيطاليا خلال دراستها، حيث تشكّل وعيها الفني في تماس مباشر مع تعدد المدارس الأوروبية. درست الباليه الكلاسيكي وفق منهج الأكاديمية الملكية للرقص – إنجلترا، وتخرّجت من مدرسة الدراما اليونانية سنة 2004. هذا التكوين المزدوج بين الصرامة الأكاديمية والحسّ المسرحي جعل من تجربتها مساحة توازن بين التقنية والبحث الجمالي. تعاونت مع العديد من المسارح والقنوات التلفزيونية، وأخرجت ما يقارب عشرين عملًا مسرحيًا، إلى جانب اشتغالها مدرّسة دراما لمدة عشر سنوات، في علاقة عضوية بين الإبداع والتكوين.
مسرحيتها الأولى «فستان الزفاف على الأرض»، التي عُرضت ضمن المهرجان اليوناني الدولي Analogio، مثّلت لحظة مفصلية في مسيرتها، حيث قدّمت رؤية مسرحية تلامس هشاشة الطقوس الإنسانية وسقوط الرموز في مواجهة الواقع. اليوم، وهي تكتب مسرحيتين جديدتين «القرنفل الصيني» و**«أثينا سيول 1-1»**، وتستعد لتحويل عملها الأول إلى فيلم قصير تؤدي فيه أحد الأدوار وتغني أغنيته الأصلية، تواصل أكسينيا الاشتغال على وحدة الجسد والصوت والصورة بوصفها خطابًا مسرحيًا متكاملًا.
في الجهة الأخرى من هذا اللقاء المتوسطي، يبرز اسم وليد قصوري بوصفه واحدًا من أبرز الأسماء الكوريغرافية التي صنعت حضورها بين تونس وفرنسا. قصوري ليس مجرد مصمم رقص، بل فنان يرى في الكوريغرافيا فعل تفكير ومساءلة. يتميز بأسلوب مبتكر يمزج بين الرقصات التقليدية والأنماط المعاصرة، مع اعتماد واعٍ على تقنيات الرقص الحديثة والتكنولوجيا، ليس بوصفها زينة شكلية، بل كأدوات لإعادة تشكيل العلاقة بين الجسد والفضاء والزمن.
عمل وليد قصوري مع عدد من الفرق والشركات الراقصة المرموقة في تونس وفرنسا، وشارك بأعماله في مهرجانات دولية للرقص والفنون المسرحية، حيث حظيت تجاربه بتقدير واسع، وتُوّج بعضها بجوائز وتكريمات داخل الوطن العربي وخارجه. ما يميّز تصميماته الكوريغرافية هو قدرتها على الجمع بين الباليه، والكونتمبوراري، والهيب هوب في لغة حركية واحدة، تستخدم الديناميكية والدقة والإيقاع بوصفها وسائل لسرد القصص ونقل الحالات الشعورية المعقّدة.

لكن ما يمنح هذا التعاون المرتقب عمقه الحقيقي، هو المكان: تالة. كنقطة عبور تاريخي وملتقى حضارات. فبين الجسد الإغريقي المشبع بالأسطورة، والجسد التونسي المشبع بالتجربة اليومية والذاكرة الاجتماعية، يتشكّل مشروع فني يقوم على التلاقح الثقافي لا على الاستنساخ. تالة لا تستقبل اليونان كضيفٍ ثقيل الظل، بل تحاورها من موقع الندّية، بوصفها فضاءً يحمل هو الآخر طبقاته التاريخية وطاقته الرمزية.
في هذا المشروع الكوريغرافي–المسرحي، كاكوفوني نص وإخراج وليد قصوري تصبح الحركة لغة مشتركة، ويغدو الجسد أرشيفًا حيًا، ويُعاد تعريف المتوسط لا كحدّ فاصل، بل كمساحة لقاء. إنه تعاون لا يبحث عن التطابق، بل عن الاختلاف الخلّاق، حيث تتقاطع الرؤى لتنتج عملًا فنيًا ، متوسطيّ الروح، إنسانيّ السؤال.
هكذا، لا يكون هذا التعاون مجرد عرض مسرحي أو تجربة راقصة، بل بيانًا ثقافيًا يؤكد أن الفن، حين يُنجز بصدق، قادر على تحويل الجسد إلى لغة مقاومة، وتالة إلى نقطة ضوء على خارطة الإبداع المتوسطي.



