المعاجم والموسوعات المسرحية : نحو وعي اصطلاحي وتوثيق معرفي/ د. آمنة الربيع

هل يشكو الفضاء العربي الثقافي من غياب المعاجم المسرحية المتخصصة؟
إنّ ضبط المفاهيم والمصطلحات يُعد شرطًا بنيويًا لتكوين أي حقل معرفي، فالمسرح بوصفه فنًّا تقاطعيًّا ومجالًا لإنتاج الخطاب الجمالي، يستلزم تأسيس حقل اصطلاحي يُنظم لغته، ويوحّد آليات تلقيه وتحليله. ومن هنا تبرز أهميّة المعاجم والموسوعات المسرحية كأدوات ضمن مرجعية تسهم في بناء الوعي الاصطلاحي، وتثبيت الذاكرة التوثيقية لهذا الفن، سواء من جهة المفاهيم، أو من جهة التجربة المسرحية ذاتها. سأتناول هنا نماذج من المعاجم والموسوعات المسرحية العربية، بوصفها تجليات معرفية غالبا ما أنجزت بجهود فردية، وتندرج ضمن مشروع أوسع لتقنين لغة المسرح وتوثيق تحولاته الجمالية والمفاهيمية. وإذا كانت هذه الجهود تتم في الغالب بمعزل عن دعم مؤسسي منظم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الدور الذي تنهض به هذه المعاجم في بناء الوعي الاصطلاحي وتثبيت الذاكرة التوثيقية في المسرحين العربي والخليجي؟
المعجم المسرحي المختصّ هو كتاب مرجعيٌّ يتضمن رصيدًا مصطلحيًا خاصا بفن المسرح، ويعكس استخدامات المتخصصين في هذا المجال، دون أن يتجاوزه إلى موضوعات أخرى. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المعاجم المسرحية هي معاجم فنية متخصصة، ذات طبيعة خاصة، لا تشمل ألفاظ اللغة عامّة، بل تركز على مصطلحات الفنون والعلوم المسرحية، وتتميز بالدقة العالية والالتزام بمعايير مضبوطة.
إن حركة إنتاج وتسويق المعاجم المسرحية والموسوعات تزدهر ضمن مجموعة من الشروط الأساسية أهمها: التطور اللغوي والحضاري، حركة الترجمة، التطور التقني، تأثير الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى المهرجانات المسرحية وما يصاحبها من تفاعل ثقافي ونقدي، إضافة إلى تزايد التداخل بين التخصصات. وفي ظل كثافة هذه التفاعلات في المهرجانات، وما يقام على جانبها من الندوات الفكرية أو جلسات التعقيب أو كنموذج الإستديو التحليلي للهيئة العربية للمسرح ونشاطه يتساءل الباحث الذي يعد معجما مسرحيا: كيف يمكن للتفاعل النقدي المسرحي أن يستفيد من المعاجم؟ والسؤال لا يخص الباحثين وحدهم، بل يمتد إلى الممثلين والمخرجين: إلى أي مدى يحرصون على تثقيف أنفسهم اصطلاحا؟ كيف يمكن للمسرحي أن يتقن فنه، دون أن يتقن لغته؟ وكيف للمتلقي أن يناقش عرضًا مسرحيًا، أو يفهمه دون أن يعي دلالات المصطلحات التقنيّة والإشاراتِ الاصطلاحية المستخدمة فيه؟
الناظر إلى أهمية المعاجم المسرحية لا يقتصر على فئة المختصين، بل يتجاوز ذلك إلى بناء وعي مسرحي عام. فالمعجم في هذا السياق ليس مجرد قاموس للتعريفات، بل هو مرآة ثقافية ومعرفية تُعين على الفَهم، وتُنظم التفكير، وتُرسّخ المصطلح بوصفه أداة للفهم والممارسة والنقد.
يذهب الناقد أحمد بلخيري في كتابه (المصطلح المسرحي عند العرب) إلى التمييز بين ثلاثة مظاهر معجمية لفن المسرح هي: “المعجم الخاص بالمؤلفين والمخرجين المسرحيين. والثاني هو المعجم الخاص بالإخراج المسرحي، وتقنيات الخشبة المسرحية. أما المظهر الثالث، فيخص المصطلحات الدرامية النصية-ص 61”. ويجمع الباحث حاج هنّي محمد في ورقته المعنونة (معاجم المصطلحات المسرحية ودورها في إثراء المقاربات النقدية للخطاب المسرحي، مجلة الذاكرة، العدد 3، 2014م) تسعة عناوين تناولت معاجم المسرح وفق التسلسل التاريخي هي كالتالي:
- مصطلحات في المسرح (عربي-إنجليزي) لمحمود تيمور، 1965م.
- معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية لإبراهيم حمادة، في طبعتين الأولى صدرت عام 1971م، والثالثة عام 1994م.
- قاموس المسرح: مختارات من قاموس المسرح العالمي، لإدوارد كون وجون عاسنسر، 1982م.
- معجم المصطلحات المسرحية (إنجليزي-عربي)، لسمير عبدالرحمن الحلبي، 1993م.
- المعجم المسرحي (عربي-إنجليزي-فرنسي)، لماري إلياس وحنان قصّاب، في طبعتين الأولى 1997م، والثانية 2006م.
- معجم المصطلحات المسرحية، أحمد بلخيري، في ثلاث طبعات الأولى عام 1997م، والثانية عام 2006م، أما الثالثة صدرت عام 2024م.
- أعلام المسرح والمصطلحات المسرحية، لوليد البكري، عام2003م.
- أعلام ومصطلحات المسرح الأوروبي، لكمال الدين عيد، 2006م.
- معجم مصطلحات المسرح والدراما (إنجليزي- عربي)، لمحمود محمد كحيلة، عام 2008م.
وعلاوة على ذلك، يمكن إضافة جهد المنظمة العربية للترجمة ومركز دراسات الوحدة العربية، في إصدار الطبعة الأولى من (معجم المسرح)، لباتريس بافي، ترجمة ميشال ف. خطّار، مراجعة نبيل أبي مراد، 2015م، وجهد هيئة البحرين للثقافة والآثار لإصدارها الطبعة الأولى لـ(قاموس العروض الأدائية والمسرح المعاصر)، لباتريس نفسه، ترجمة الدكتور أسامة غنم، مراجعة الدكتور نبيل الأسود، 2021م.
- المعجم المسرحي كأداة تثقيفية
المعاجم ليست حكرًا على الباحثين أو المختصين، بل هي أدوات تثقيفية عامة تضيء المناطق المعرفية الغامضة في هذا الحقل. وفي عالم المسرح، حيث يُستخدم كم هائل من المصطلحات ذات الجذور الإغريقية أو الغربية أو التقنية الحديثة، يتطلّب وجود مرجع كمصدر أولي للتبسيط والشرح. يُجمِل حاج هنّي محمد الأهداف التي تسعى المعاجم المسرحية المتخصصة إلى تحقيقها فيما يلي:
- نشر مصطلحات المسرح وضمان تداول مفاهيمه في أوسع نطاق لدى جمهور المتلقين.
- إبراز جهود أعلام المسرح في تنمية هذا الفن وترقية علومه.
- مساعدة القارئ المتخصص على امتلاك الرصيد الوظيفي للمصطلحات المتداولة في مجال المسرح.
- تذليل الصعوبات التي يواجهها طلبة تخصص المسرح، ولا سيما المقبلين منهم على كتابة رسائل التخرج.
ومن المؤكد أن السعي إلى تحقيق هذه الأهداف يُسهم في دعم مختلف عناصر الحقل المسرحي: الممثل والمخرج والفنيِّ والناقد والمتفرج والقارئ عبر تمكينهم من فهم المصطلحات في سياقها الدقيق، سواء على مستوى النص، أو على مستوى العرض. وفي هذا السياق، فالمعاجم المسرحية حدد حاج هنّي محمد وظائف المعاجم المسرحية في ست وظائف: “المعرفية، والتواصلية، والتصنيفية، والإحالية، والتمييزية، والحضارية”؛ فالمتلقي، حينما يسمع في جلسة التعقيب لعرض مسرحي مصطلح كالسينوغرافيا أو الدراماتورج، فإنه يحتاج إلى مرجع دقيق يساعده على إدراك مدلولات هذه المفاهيم، وهنا يأتي دور المعجم بوصفه أداة توّسع قاعدة الثقافة المسرحية للجمهور، فيتحول المتلقي من مُشاهد سَلبي إلى قارئ واعٍ، ومِن متلقٍ غَامض الانفعال إلى آخر مُدرك لِما يَرى ويَسمع. يُدرك العاملون في الإنتاج المسرحي أن المعاجم المسرحية تُتيح أيضًا إمكانيات المقارنة بين المفاهيم المتقاربة أو المترادفة أو المتعارضة، ما يُثري الذائقة النقدية، ويفتح الباب أمام الفهم العميق للفن المسرحي في أبعاده الجمالية والفكرية.
- المعجم كأداة اختصاصية للممارس المسرحي
المسرح فن جماعي، يتطلب تعاون مجموعة من الفاعلين: كاتب النص، والمخرج، والممثل، والمصمم، والتقني، وغيرهم. ولنجاح هذا التكوين الجماعي، لا بد من لغة اصطلاحية مشتركة تُضبط المصطلحات فيها بدقة. إذ لا يُعقل أن يفهم كل طرف مصطلحات مثل: “البيوميكانيكا”، “الميزانسين”، أو “كسر الجدار الرابع” بفهم مختلف عن الآخر. وهنا تتجلى أهمية المعجم المسرحي المختص بوصفه أداة تنظيمية تُسهم في رفع كفاءة العمل، وتقلل من سوء الفهم، خاصة في البيئات متعددة اللهجات أو المتنوعة أكاديميا.
أما بالنسبة للكاتب المسرحي، فإن امتلاك مفاتيح اللغة الاصطلاحية يُعد جزءًا من أدواته الإبداعية. كما يحتاج المترجم بدوره لمعجم دقيق يُعينه على نقل المصطلحات بروحها ومعناها دون تفريط. وكذلك الأمر بالنسبة للمخرج الذي لا يكتفي بالفهم النظري، بل يُعيد ترجمة المصطلحات إلى صورة مشهدية محسوسة.
- تجارب معجمية بارزة
رغم قلة المعاجم المسرحية المتخصصة في العالم العربي، إلا أن هناك بعض المحاولات الجادة والمتميزة التي تستحق الإشادة، من أبرزها (معجم المصطلحات المسرحية) للدكتور أحمد بلخيري في طبعته الثالثة الصادرة عن منشورات دار الأمان، المغرب، 2024م) والذي تضمن ما يقارب 335 مصطلحا. ما يُميز المعجم شموليته، ووضوح لغته، ومراعاته للتحولات الحديثة في الخطاب المسرحي، وانفتاحه على البحث المعرفي منطلقا فيه “أن المعجم المسرحي، والمعجم عموما، مشروع مفتوح على الدوام، وليس مشروعا نهائيا-ص 5”. ويعدّ هذا العمل امتدادا لجهد سابق لبلخيري بعنوان (المصطلح المسرحي عند العرب، ط 1، البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، 1999م) والذي قدم فيه دراسة معمقة للمصطلح المسرحي في الثقافة العربية قديما وحديثا، مستندا إلى “ضرورة فحص وقراءة شروحات وتلخيصات الفلاسفة العرب لكتاب فن الشعر لأرسطو قراءة متأنية-ص 19-“. يمثّل هذا العمل من وجهة نظري من الجهود الرائدة في هذا الاتجاه. وتجدر الإشارة إلى أن الكتابين يستندان إلى مصادر تأسيسية ومراجع ونصوص درامية عربية، وذكر أبرز من استخدم المصطلح وتحولاته في المدارس المختلفة، ليحقق المؤلف أهدافه المعرفية المتوخاة.
أما في الخليج، برزت جهود توثيقية تستحق التنويه، سعت إلى رصد التطور التاريخي للمسرح، من خلال جهود لا تُّعد معاجم بالمعنى التقليدي، لكنها جهود جادة أراد مؤلفوها تزويد المكتبتين العربية والخليجية بمراجع توثيقية في المسرح الخليجي. فإذا كان أصحابها لم يلتفتوا إلى تناول المصطلح المسرحي، ولا طرق استخدامه وتأويله في البحوث والدراسات والعروض، فإنهم ركزوا على التوثيق لتاريخ المسرح في مواسم مهرجانات المسرح الخليجي، وأتت جهودهم لتصب في باب الريادة، لتذكرنا بجهود الناقد الدكتور عمرو دوارة الذي أعد (موسوعة المسرح المصري المصورة منذ عام 1870م).
من بين التجارب البارزة، أشير إلى إسهام الباحثين العمانيين الدكتور محمد بن سيف الحبسي، والدكتور سعيد بن محمد السيابي، الذَّين أعدا (معجم المسرح العماني: نصوص وعروض، ط 1، 2006م)، والباحث الناقد من الكويت علاء الجابر الذي أعد موسوعة بعنوان (الموسوعة العالمية لأعلام المسرح، صدر الجزء الأول منها المخصص لحرف الألف في عام 2017م، والكتاب يتكون من حوالي 900 صفحة شمل تغطية العاملين في المسرح من دول العالم المختلفة؛ تأليفا وإخراجا وتمثيلا وسينوغرافيا ونقد وترجمة. ومن التجارب الرائدة أيضا، جهود الفنان المسرحي الإماراتي علي خميس محمد، الذي أعد (إمارات المهرجان المسرحي للفرق الأهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية 1988- 2003م: دراسة توثيقية أرشيفية، 2006م)، وصدر له بالتعاون مع الدكتور عبدالفتاح صبري، (معجم المسرحيات الإماراتية).
رغم هذه الجهود الفردية المميزة، فإن واقع الحال يشير إلى ندرة المعاجم المسرحية العربية المتخصصة لاسيما في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المسرح، سواء على مستوى الأداء أو المفاهيم. وغالبا ما تعود هذه المعاجم إلى فترات زمنية سابقة لم تُحدّث، ولا تراعي تطورات “ما بعد الدراما” أو مستجدات العروض الأدائية. كما أن الجهود المؤسسية في هذا المجال شبه معدومة، كذلك ضعف الرّقمنة وعدم توافر المعاجم إلكترونيا، يجعل الوصول إليها صعبًا، لا سيما للباحثين والمهتمين في العالم الرقمي. هذا الغياب ينعكس سلبًا على جودة التعليم المسرحي، وعلى دقة الترجمة ووعي الجمهور.
باتت الحاجة اليوم ماسة إلى مشروع عربي مؤسسي لتطوير المعاجم المسرحية، يقوم على التحديث المستمر والانفتاح على المقاربات النقدية الجدية وتناول الإصدارات المسرحية وفق التحليل الدراماتورجي، مستثمرا الرّقمنة وأدوات الذكاء الاصطناعي لتسهيل الوصول إليها.



