إنها ليلة القتلة.. فانتبهوا جيداً؟! / علاء الجابر

“الصالون ليس بصالون.. الصالون حجرة نوم.. الحجرة ليست بحجرة.. الحجرة حمام.. الحمام ليس بحمام.. الحمام بُستان”
بهذه المقولة التي تكررت طوال العرض بصورتها الساخرة ظاهرياً، المشحونة بالمرارة والمكتنزة بالحزن باطنياً، تُغزل الكلمات،وتـُنسج الحكاية، مدللة على أن ” الكلام شيء، والحياة شيء آخر”
هذا ما تعبر عنه مسرحية ” ليلة القتلة” التي ألفها الكاتب الكوبي خوزيه ترييانا، وتم افتتاح أول عروضها على مسرح الطليعة بالأمس بتوقيع المخرج (صبحي يوسف).
في مضمونها المباشر والباطن دعوة لكسر السلطة البطريركية، أو سلطة الأب، لا بمعناها الضيق، بل بمعناها الواسع، هي لعبة استمرار صراع الأجيال، اللعبة التي نعيشها كل يوم، وتمتد من التمرد على سلطة الأهل، المدرسة، العمل، ومن ثم المجتمع بأسره وبكل سلطاته.
وحين يستمر هذا التمرد يمكن أن يفلت الزمام، فيتحول الضحايا إلى مذنبين، أو تصبح الشخصية المهزومة المظلومة، كشخصية مصاص دماء (دراكولية) عدوانية ظالمة.

على نهج الخادمتان!
المسرحية كما في جوهرها الأصلي لعبة يتناوب عليها الأبناء الثلاث – بجانب شخصيتين أضافهما المخرج – من أجل تفريغ شحنة الغضب التي تعتمل في قلوبهم وتحويلها من طاقة سلبية مكبوتة، إلى سيل ناقم يجتاح كل ما هو أمامه وصولا إلى القتل، حتى لو كان هذا القتل وهمياً، المهم قدرته على التنفيس عن دواخل تلك الشخصيات، وهذه اللعبة مصدرها الأول رغبة الأبناء في التمرد على السلطة، ولكن بوسائل متخيلة ومحدودة.
ألا يذكرنا هذا العرض (نصاً) بشخصياته الثلاث (لاحظ التشابه مع عدد شخصيات ليلة القتلة في نصها الأصلي)، بمسرحية جان جينيه الخالدة (الخادمتان) وكيف وصلت حالة الكراهية للتسلط والقهر الذي تمارسه السيدة على الخادمتين، ليتولد عنه حالة من الرفض والتمرد والانقلاب على السيدة، ومن ثم على بعضهما البعض، وصولا للقتل!
وفي (ليلة القتلة) لا يوجد أي استثناء أو تخصيص للمفردة، فالقتيل قاتل والقاتل قتيل، أو كما قال الشاعر الكويتي علي السبتي في نص له:(كلهم سفلة، القتيل.. ومن قتله !)
كيف أدار المخرج اللعبة؟
بذكاء يحسب له وبسينوغرافيا تشي بفهم الدال والمدلول بشكل عميق ينبش في العظم، ولا يقف على سطح الجلد، حوّل المخرج صبحي يوسف، بمساعدة فريق عمله، المخرج المنفذ وليد الزرقاني،مهندسة الديكور والأزياء سماح نبيل، ومصمم الإضاءة إبراهيم الفرن، صالة الجلوس – كما يفترض، وبطريقة السهل الممتنع- إلى حلبة مصارعة، أو ملاكمة.
حلبة يبدأ فيها الصراع بين الأخوة كلعبة من أجل التنفيس، لا أكثر، لكنه ومع مرور مخزون الذكريات المؤلمة التي جسدها الأولاد يتعاظم ويتفاقم حد التمرد، ومن ثم التمرد على التمرد،ليصل إلى القتل المعنوي، لكل ما هو ساحق ومهين لإرادة الفرد البسيط.
صبحي يوسف حول أرضية خشبة مسرح الطليعة حالكة السواد إلى منطقة تحمل أكثر من معنى، مرة هي حلبة مصارعة للاقتتال بين اللاعبين (أفراد الأسرة)، ومرة أخرى هي رقعة شطرنج للسيطرة (بين المتنافسين على السلطة)، حيث كان يحرك في تلك الرقعة ممثليه كأحجار شطرنج باستخدام الكرسي، رمز السلطة الأبوية الذي يديره أحيانا ليصبح مصدراً للقوة، ويقذفه أحيانا أو يقلبه كيفما يشاء رمزاً للتمرد على تلك السلطة التي نزعت من هؤلاء الأبناء شخصياتهم، وحولتهم إلى مسخ بلا هوية.
ولعل القصدية الرائعة والذكية – المدثرة بطبقة السخرية المرة – التي استخدمها المخرج ببراعة ودهاء والمتمثلة بتحويل شخصيات العُرس (الفرح) من الذكورة إلى الأنوثة وبالعكس، دليل على قدرة المخرج الكبيرة لولوج عوالم النص بشكل دقيق، وعدم الاكتفاء بتنفيذه بصورته المباشرة.
وُفق المخرج أيضاً في تقديم العرض بمنطق الحلبة المفتوحة، مما سهل عليه كثيراً تقديم رؤيته بشكل متماسك وممتع كسر الحالة الواقعية النمطية التي كان ينتهجها النص، وأوصله إلى حالة التغريب لتشويه هذا العالم الواقعي الذي تعيشه الشخصيات بمعادلة (هم / نحن).

لماذا البيجاما؟
ساعد المخرج صبحي يوسف على إتمام عمله بصورة متقنة، فريق عمل تفهم تفكير المخرج بشكل كبير واستطاع أن يجعل الرؤية متسقة مع بعضها البعض، فلعب الديكور أو السينوغرافيا بشكلها العام، لعبته بإدارة العرض باقتدار دون تضارب في منهجية الإخراج.
نجد ذلك واضحاً في الأزياء (الحالة لا الشكل) والديكور الذي نفذته ببراعة المهندسة (سماح نبيل) وركزت فيه على الإكسسوار كوتيفة تتسق وسرعة العرض، وتكرار حالات التمثيل المتبدلة، وبفهم واع لمغزى الأزياء وانعكاسها على الحالة من خلال استخدام (البيجاما) المقصود استمرارها بذكاء طوال العرض، لتبيان حالة السبات ومن ثم الاستسلام التي كانت تخيّم على الأبناء وتعمل على إخضاعهم وسحقهم، وصولاً إلى سلطة الشرطة ومن ثم المحكمة والمجتمع الذي كان يتشكل سريعاً أمامنا للدخول إلى الحالة ببراعة من خلال موتيفات بسيطة لا تبتعد عن قطعة ملابس أو باروكة شعر، أو قبعة أو حبل.. الخ.
الفرن لا يستعرض!
إضاءة الفنان إبراهيم الفرن ساهمت وبشكل كبير في تجسيد الحالات النفسية، وخلقت فضاء مسرحياً موازياً ومكملاً لرؤية المخرج دون فذلكة أو استعراض عضلات، رغم قدرة الفرن على هذا الاستعراض وتمكنه منه، لكنه الفهم الواعي للسينوغرافي المحترف الذي يعرف أين ومتى وكيف يضع بصمته المتسقة تماماً مع معطيات العرض، دون تشتيت.

ممثلو السهل الممتنع
مجسدو حالة العمل ( إميل شوقي ، نشوى اسماعيل ، مروج ، ياسر مجاهد ، لمياء جعفر، شيماء يسري ) أجمل ما فيهم ذلك العبور السليم والتفهم الواضح لرؤية المخرج دون الانغماس الأدائي الذي يقع به الكثير من الممثلين – حتى بعض المحترفين منهم – ممن يستهويه إبراز قدراته الأدائية فيخرج عن مغزى وروح العرض، وهذا ما لم يقع فيه ممثلو عرض ( ليلة القتلة ) جميعا، حيث قدم كل واحد منهم دوره – وكما أراد المخرج بالطبع – بنظام السهل الممتنع، بخروج سلس من حالة إلى أخرى دون تصنع أو تكلف، سواء في حالة التقمص، أو التمثيل داخل التمثيل، أو الحالة الكاركتيرية السوداء التي غلفت شكل وجوهر العرض.
وحقيقة في مثل هذا العرض لا تستطيع أن تسلط الضوء على ممثل بعينه– وهذا بحد ذاته نجاح لا نقيصة- حيث تتنقل عين المتلقي بين جميع الممثلين الذين يتناوبون تبادل الحالات والأداء وإبراز العواطف الإنسانية دون التماهي أو الاندماج معها أو بها، بل التجاور معها بشكل منضبط واحترافي بدءاً من الكبير الفنان (إميل شوقي) الذي لعب الدور بسهولة رغم تقلب الحالات وتنوعها سناً ومزاجاً، مروراً بـ (لمياء جعفر) التي ساعدتها خفة حركتها على التنقلات السريعة، و(نشوى اسماعيل) التي أدت بثبات احترافي، و(شيماء يسري) التي حاولت لعب جميع الأدوار بتلقائية، وصولاً لأصغرهم الفنانة (مروج) التي هضمت دورها بيسر، وأجادت استقبال الحالات وجسدتها بتلقائية، وكذلك فعل (ياسر مجاهد) الذي لم يقع في النمطية أو انعكاس الأداء على الذات الشخصية بل عبر عنها مستخدماً مبدأ المجاورة والتوازي.
من جانب آخر، لم أتقبل – شخصياً– مبدأ الدخول إلى الحالة العمرية شكلا وصوتا عند تقديم شخصيات الأجداد من قبل مروج وياسر، التي اقتربت من حالة التجسيد والتقمص، وخاصة في نبرة أصوات كبار السن، لأنها كسرت الرؤية التي قصدها المخرج، والتي أراد بها الابتعاد عن حالة التجسيد المباشر فجاءت أصوات العجائز لتكسر هذه الحالة، ولو بقي الصوت كما هو وقدمت الحالة كما سن ممثليها الحقيقي لكان الأمر متوافقا مع الرؤية العامة للعرض ومنسجماً معها.
أغاني ناجحة .. ولكن !
على الرغم من أن الأغاني التي كتبها باقتدار على مستوى المعنى والمفردة الشاعر الإسكندراني المبدع (عوض بدوي) عبرت حقيقة عن لب الموضوع، ولحنها باحترافية وانسيابية عالية الملحن (محمد حمدي رؤوف)، فكانت رائعة كلمة ولحناً، ولا أبالغ حين أقول أن تلك الأغاني المكتوبة للعرض، بالإمكان استغلالها وبنجاح كبير فيما لو قدمت بصورة منفصلة خارج نطاق العرض حتى وإن كُتبت خصيصا له، لأنها تمثل حالات الإنسان في أي زمان ومكان بكلمات رائعة وعميقة، وبألحان سلسلة سهلة التراكيب والحفظ.
إلا أنها – من وجهة نظري– أخرجتني من الحالة الدرامية التي أراد العرض إيصالي لها– وإن كان ذلك قصدياً -لا لعيب في الكلمات واللحن ولكن لأنها – وكما هي طبيعة الأغاني – أعادت العمل إلى الأجواء الواقعية الذي أراد المخرج قصداً الابتعاد عنها وخاصة في أغنية الختام، كما أنها بوضعها هذا أكدت المؤكد وفسرت المفسر، أضف إلى ذلك أن الممثلين كانوا عند تجسيدها تمثيلا وغناء مجبرين على تحريك شفاههم (Lipsing) لاستكمال الشكل التقليدي، وأعتقد أن الممثلين لو ابتعدوا عن الغناء الشكلي – وإن كانوا هم الأصوات الفعلية – وتركوا الكلمات تنساب لوحدها، دون شفاه تتحرك معها، وأنشغلوا بتقديم الحالة الدرامية لا الغنائية لوصلت إلى المتلقي بصورة أعمق.

مستوى إخراجي عميق
بقي أن نقول أننا نعلم يقينا أن المخرج صبحي يوسف استطاع وببراعة وبشكل احترافي عالي الكعب أن يقدم عرضاً، يشتغل به على النص بشكل كبير، ويطيح باقتدار وبذكاء بحالته الواقعية المباشرة ويرفعه إلى مستوى أعمق في رؤيته الإخراجية، لذا كنت أفضل أن يبتعد عن استخدام مفردة إعداد على النص ويكتفي بالإخراج، فسلطة ومسمى الإخراج تشمل بالتأكيد دون التصريح سلطة الاشتغال على النص وتقديمه بصورة قد تكون مغايرة له، وهي سلطة تقع ضمن عمل الإخراج ولا تحتاج إلى ايضاحها بمفردة (الإعداد) التي نعلم أن صبحي قام بها يقينا، وهي مفردة لاتضيف للعمل الإبداعي الكبير الذي قدمه المخرج باقتدار فخاطب عقولنا وضمائرنا قبل أن يخاطب عواطفنا، ومتّع أعيننا وأعماقنا بوجبة فنية دسمة وممتعة تستحق المشاهدة والتصفيق والانبهار.
نهج عادل حسان
مسرحية ليلة القتلة،التي قدمها مسرح الطليعة بالأمس بحضور رئيس البيت الفني للمسرح الأستاذ إسماعيل مختار، ومجموعة من أبرز العاملين بالمسرح في مصر الحبيبة، تأتي استمراراً للنهج الذي سلكه المخرج والإداري الناجح مدير مسرح الطليعة الفنان عادل حسان الذي لا يكتفي أن يختار ويقدم أعمالا مسرحية فحسب، بل ينشد تقديم ما يؤكد على الجودة والتفرد بما يلائم طبيعة هذا المسرح ومزاج مرتاديه ، كما في هذا العرض الممتع.
مسرحية ليلة القتلة التي أخرجها صبحي يوسف ، مسرحية اجتماعية سياسية لا تعتمد رفع الشعارات بمباشرة وفجاجة، وإنما ترسل رسالة ناعمة مشفرة، تحذر السلطة الأبوية من لحظات التمرد، فانتبهوا أيها الآباء!
الصور بعدسة : هدير السيد .



