مقالات

“الهاربات: جماليّات الجسد المُستنزَف ومأزق الوجود في مسرح وفاء الطبوبي”/ وليد القصوري

دراسة نقديّة حول عرض “الهاربات” وفاء الطبوبي

 

1. مقدّمة: مسرح يعيد توزيع الضوء على الوجوه المنسيّة

تضعنا وفاء الطبوبي أمام عمل لا يندرج في سياق المسرح الاجتماعي التقليدي، ولا في خانة مسرح الاحتجاج المباشر، بل في منطقة ثالثة تُبنى فيها الدراما من تفاصيل الهشاشة البشرية، ومن الأجساد التي لم يعد المجتمع يعترف بها إلا باعتبارها قوة عمل منهكة. إنّ “الهاربات” ليست عرضا عن الفقر أو الانتظار أو الحرمان، بل هي مختبر وجوديّ تكشف من خلاله الطبوبي عن البنية الخفيّة للعالم السفلي الذي تعيش فيه الطبقات المقهورة.

هنا لا يُصنع السؤال في مستوى الخطاب، بل في مستوى الجسد: كيف يقاوم الجسد حين يفشل الخطاب؟ وكيف يتحوّل المشي في الفراغ إلى محاولة لاستعادة الشرط الإنساني؟

2. جماليّات المحو: الفضاء الذي ينسحب كي تظهر المأساة

الفضاء المسرحي في “الهاربات” يكاد يكون معدوما: لا محطة، لا طريق، لا معالم طبيعية، لا شخوص عابرة.

هذا الفراغ ليس نقصا في الديكور، بل هو حذف مقصود يعبّر عن طبيعة الحياة التي تعيشها الشخصيات: حياة بلا ملامح، بلا خرائط، وبلا مركز.

فالذين يعيشون في الهامش لا يملكون مكانا، وما تفعله الطبوبي هو تحويل هذا الحرمان المكاني إلى جمالية:

* مكان بلا شكل

* ليرافقه إنسان بلا حماية

* يعبر طريقا بلا ضمانات

المكان المحذوف يصبح الميتافيزيقا الجديدة للهامش: لا وجود إلا للجسد، للعرق، وللخطوات.

3. الجسد كأرشيف اجتماعيّ ومعرفيّ

تستعيد الطبوبي من خلال أداء الممثلين وظيفة المسرح الأولى: جعل الجسد وثيقة حيّة.

كل جسد يحمل معه:

* طبقته الاجتماعية،

* تاريخه العائلي،

* نوع العنف الذي تعرّض له،

* والحدّ الأدنى من الحلم الذي يصرّ على النجاة.

3.1 الخادمة العجوز

جسد متهالك، مُقوّس، يجرّ ذاكرة الخدم في المجتمع التونسي:

* الفقر الموروث

* الخدمة الوراثية

* الإقصاء الرمزي

* هشاشة الشيخوخة بلا سند

هي ليست شخصية، بل تاريخ اجتماعي يمشي على الخشبة.

3.2 عاملة المعمل

* جسد يختلط فيه التعب بالتمرد الدفين.

* الخوف من المطر ليس تفصيلة درامية، بل ندبة نفسية صنعتها وفاة أختها في بالوعة.

هنا يجتمع الواقعي بالرمزي:

المطر ـ رمز الخصب ـ يتحوّل إلى ذكرى موت، إلى تهديد مباشر.

3.3 جامعة القوارير

* الفقر في أنقى صوره الجسدية.

* جرّ الحقيبة هو جرّ الواقع نفسه.

* الحلم برؤية البحر ليس رغبة سياحية، بل رغبة في لمس الأفق.

* البحر هو آخر ما تبقّى من المطلق لمن لا يملك شيئا.

4 الطريق: من الحركة الجسدية إلى اختبار الوجود

لا تُستخدم تيمة الطريق هنا باعتبارها انتقالا من مكان لآخر، بل باعتبارها اختبارا لحقّ الإنسان في الحياة.

الحافلة التي لا تأتي ليست مشكلة تقنية أو اجتماعية، بل إعلان عن انهيار قيمة الوعد.

الطريق يصبح:

امتحانا للجسد

* امتحانا لقدرة الهامش على الصمود

* امتحانا لاستمرار الإنسان في عالم يرفضه

إنّ السير في الفراغ هو فعل المقاومة الوحيد الذي تملكه الشخصيات

5 الضوء: الفلسفة الخفية في إخراج وفاء الطبوبي

الضوء ليس إضاءة تقنية.

إنّه سلطة.

يظهر الشخصيات ويخفيها في توقيت لا يتحكمون فيه.

أحيانا يحاصرهم في مستطيل ضيق يشبه قفصا؛ وأحيانا يقذفهم في اتساع مُرعب.

السؤال الذي يطرحه الضوء:

من يتحكم في ظهور هؤلاء؟ ومن يقرر متى يستحقون أن يُرى وجوههم؟

الضوء في “الهاربات” هو الإخراج السياسي للوجود.

6 الهروب: ليس فرارا… بل احتجاج بلا لافتة

الهروب في هذا العرض لا علاقة له بالخوف من مواجهة الحياة.

الهروب هو محاولة للبحث عن حيّز صغير لا يُسحق فيه الجسد.

لذلك، فكل خطوة، كل التفاتة، كل شهقة، كل عرق يظهر على جبين الممثلين، تتحوّل إلى شكل من أشكال الاحتجاج الصامت.

الهرب هنا ليس انتفاء الإرادة، بل هو إرادة بقاء

7 الممثلون: أجساد تفتح الطريق وعيون توثّق الألم

الممثلون الستّة يحملون العرض على أكتافهم حرفيّا.

الأداء ليس تمثيلا، بل هو جهد عضلي ونفسي يقترب من الطقس.

من فاطمة بن سعيدان إلى لبنى نعمان ومنيرة الزكراوي…

لا أحد يقدّم شخصية فحسب، بل يقدّم سؤالا.

السؤال الأهم الذي يخرج به المتلقي:

لماذا يحتاج هذا القدر من الصدق الجسدي لكي نفهم بؤس العالم؟

8 خاتمة: “الهاربات” كخطاب على هشاشة الإنسان ومقاومته

“الهاربات” ليس عرضا عن نساء يهربن، ولا عن أجساد تتعب، ولا عن انتظار عبثيّ.

إنّه عرض عن إنسان يُنحت خارج الضوء، ويشق طريقه كي يثبت أنه موجود.

عن عالم لا يرى إلا ما يريد رؤيته.

وعن مسرح يعرف أن مقاومة الظلم تبدأ من كشفه،

وأن كشفه يبدأ من الإصغاء إلى الجسد حين يتكلم.

وفاء الطبوبي لا تروي قصصا؛

إنها تقيم محاكمة جمالية لنظام اجتماعي كامل…

وتمنح الهامش فرصة ليعبر من عتمة الحياة إلى نهار المسرح، ولو لمدّة ساعة.

Related Articles

Back to top button