هاشتاج #notl “لست أنا”.. تشظي وتداعي الإنسانية خلف شاشات الحاسوب والتقنيات الرقمية والكهف الأفلاطوني!/ د. أحمد مجدي

عن العرض الفائز بجائزة أفضل عرض بمهرجان المسرح التجريبي
في عالم ضبابي مظلم ومُربك قد تحول فيه الإنسان إلى مجرد بيانات وهاشتاجات Hashtags على صفحات شبكة الإنترنت العملاقة، يقبع ذلك الإنسان خلف شاشة حاسوبه، يفقد وجوده المادي والجسدي والروحي لحساب وجوده الرقمي والامتدادي عبر العوالم الافتراضية، وكأنه أصبح أسيرًا لحجرات الدردشة والصفحات الإلكترونية، ولا يجد فكاكًا منها، وتعلو صرخاته ليستغيث من سطوة وسيطرة العوالم التقنية على حياته، ولكنك لن تتمكن من سماع هذه الصرخات أبدًا بعد أن حل محلها أيقونات العوالم الافتراضية، والرموز التعبيرية (emoji) التي تتطاير في أرجاء المسرح على شاشات تحيط الممثلة الوحيدة في الظلام الدامس، لتعبر عن الانعطافة الرقمية التي نشهدها بعد أن تحول الحوار والكلمات وحتى الهمسات إلى رموز تعبيرية تقنية خالية من المشاعر الإنسانية، لا ترسخ أمام الجمهور سوى تحول الإنسان إلى كيان رقمي خلف شاشات الحاسوب.
تأخذنا المخرجة كاسندرا توبوجيانو في العرض المسرحي الروماني هاشتاج لست أنا #NotI في رحلة عبر العوالم الافتراضية والتقنيات الرقمية، لتؤرخ لحالة التداعي الإنساني بعد أن حلت العوالم الرقمية محل الحقيقة والواقع، وأصبحت تلك العوالم تنخر في الجدار الإنساني حتى تصدع وأصبح مجوفًا من الروح والسمات البشرية المميزة له عن أي كائن آخر، إثر الإفراط في استخدام المنصات الافتراضية والولوج إلى العوالم الرقمية.

تستخدم المخرجة تقنيات المسرح الرقمي ببراعة وذكاء شديد حتى تؤكد على الأفكار السابق طرحها، حيث يرى الجمهور عند الدخول إلى العرض ممثلة وحيدة على المسرح تقف في ظلام دامس، وكأنها حبيسة عالمها الافتراضي، حيث لا يوجد اي مصادر للإضاءة القوية أو المُركزة، وذلك بغرض أن تغلف الفضاء المسرحي بحالة من حالات الانغلاق المكاني والزماني، وترسيب شعور الانفصال عن العالم الخارجي داخل الجمهور، وما يزيد حالة الانفصال عن العالم والترقب والقلق، وجود كاميرا خلف الممثلة ترصد على شاشة في مؤخرة المسرح تحركات الممثلة من الخلف، وكأنها كاميرا مراقبة تجسد فكرة الشاشات الحديثة والوسائط الرقمية المتعددة، والهواتف الذكية، والكاميرات، والمقاطع القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي، وغيرها من مظاهر الانعطافة الرقمية التي نشهدها وننخرط فيها، وتشعرنا طوال الوقت أننا نظهر على الشاشات المختلفة في بث مباشر، وأننا مُراقبين من خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بعد أن أصبحت معظم تفاصيل حياتنا على مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من قواعد بياناتها ومستودعاتها الرقمية.
يعمق ذلك الشعور وجود شاشة على أرضية المسرح تتفاعل في بعض الأوقات مع حركة الممثلة، حيث تقوم الممثلة بعمل إشارات بأصابعها وكأنها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي من هاتفها الخاص، وتلمس الشاشة الحساسة للمس (تاتش سكرين) لتنتقل صعودًا ونزولًا Scroll بين الصفحات، وتظهر على إثر ذلك آلاف الرموز التعبيرية مثل علامة Like و Love، لكي يشعر الجمهور كأن هذه الرموز أصبحت تتغلل في نسيج الحياة والهواء لدرجة التطاير والتناثر في أرجاء الحجرة المظلمة والمسرح الخالي من أي معالم ، سوى بعض الميكروفونات المثبتة على قوائم من الحديد أمام الممثلة، وذلك لتأكيد فكرة أن الحياة الشخصية منتهكة في عصر العوالم الرقمية، وقد أصبح الإنسان في حالة عرض مستمر وبث مباشر أمام جمهور منصات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، في إشارة هامة لفكرة المؤثرين وانتشار الموضوعات الرائجة التريندية Trend.

تؤكد المخرجة تلك المعاني ببعض المشاهد الغريبة التي تبعث في النفوس حالة من حالات القلق الوجودي والانزعاج الإنساني من الاستخدامات الخاطئة للسوشيال ميديا والتقنيات، حيث ترتدي الممثلة في بعض الأحيان قناع مشوه لرجل طاعن في السن، بملامح باردة وجامدة وتقف أمام الميكروفونات في محاولة منها لعمل استعراض أمام شاشات المنصات الرقمية حتى يراها الجمهور بشكل مغاير عن هويتها ومظهرها الحقيقي، في انتقاد صارخ وواضح لفكرة تبديل الهويات وتزييفها في عصر العوالم الرقمية، حيث ظهرت بعض التقنيات لتبديل الوجوه وتزييف الحقائق مثل Deep Fake أو التزييف العميق، وفيه يستطيع الشخص عبر برمجيات الذكاء الاصطناعي عمل فيديوهات مزيفة لنفسه أو أشخاص آخرين عبر تقنيات تبديل الوجه والتلاعب التقني، غير أن العرض يسلط الضوء هنا إلى الأمراض النفسية التي أصابت البعض من فرط التماهي مع التقنيات الرقمية، للدرجة التي فقدوا فيها الحدود الفاصلة بين الواقع /الوهم، الحقية/الخيال، وأصبح الإنسان فيها في حالة عرض وتجسيد لهويات مصطنعة ومخلقة بهدف حصد المزيد من التفاعل والمكاسب.
مشهد آخر من المشاهد المهمة عندما يسمع الجمهور رنين الهاتف، فتقوم الممثلة بوضع رأسها داخل حقيبة وتتحدث في الداخل مع نفسها، ليؤكد المشهد على فقدان التواصل بين الأشخاص وانعزالهم عن بعضهم، وخوفهم الشديد من المقابلات الحقيقية، حيث أصبح كل شخص حبيس هاتفه وعالمه الخاص، وقد فقد الاتصال مع الآخرين، ويحاول محاكاة فعل التواصل فقط، ليتمكن من درء شعور الوحدة عن ذاته، يظهر في نفس الوقت على الشاشة تيارات من المياة الجارفة، تغوص الممثلة فيها، قبل أن تغمرها المياة، في إشارة صريحة للضياع والتيه الإنساني في بحر شبكة التواصل الاجتماعي.

في النهاية نستطيع القول أن العرض يقدم صورة حديثة من نظرية الكهف الأفلاطوني، حيث شاعت قصة رمزية قديمة عند أفلاطون أن مجموعة من السجناء المكبلين بالأغلال داخل كهف مغلق ومحكم، لا يستطيعون رؤية أي جانب من جوانب الكهف سوى حائط واحد فقط، تنعكس عليه بعض الخيالات المتحركة بفعل مرور بعض الأشخاص أمام كتلة نار خلف السجناء، ولأنهم لم يكتب لهم الخروج أبدًا إلى الواقع الحقيقي خارج حدود الكهف، بات اعتقادهم الأول والأخير أن الخيالات الظلية الي يرونها هي تجسيد وتمثيل للعالم بأكمله، وهو ما يحدث مع بطلة عرض هاشتاج #Notl التي وجدت ضالتها وعالمها الخاص في غرفتها المغلقة وأمام شاشات مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الأرجح لن تخرج من كهفها الأفلاطوني أبدًا.. في رؤية تشاؤمية مباشرة للجانب المظلم لحياة السوشيال ميديا والمواقع الإلكترونية.
** د.أحمد مجدي/ عضو هيئة تدريس بقسم الدراما والنقد المسرحي بكلية الآداب جامعة عين شمس- جمهورية مصر العربية



