ليف دودين: المنهج والإبداع/ د. فاضل الجاف

يتمتع المخرج الروسي ليف دودين “ Lev Dodin” بمكانة خاصة في المسرح الروسي المعاصر، فهو منذ التسعينات من القرن العشرين من ألمع مخرجي روسيا وأكثرهم شهرة في الخارج. قاد دودين مسرح مالي تياتر “Maly Teatr” في سانت بطرسبرغ من مسرح محلي مغمور قائم على طاقات شابة من تلامذته في قسم الإخراج والتمثيل بأكاديمية الفنون المسرحية إلى اتجاه خاص في المسرح الروسي وتجربة عالمية تحتل مكانة مرموقة بين المسارح الطليعية في أوروبا. قال بيتر بروك “Peter Brook” عن مسرح مالي تياتر إنه أقوى فرقة مسرحية متماسكة في أوروبا.
ولد ليف دودين في سيبيريا عام 1944، وكان مولعًا بالمسرح منذ طفولته، حيث شارك في أنشطة المسرح المدرسي. تتلمذ دودين على يد المخرج الكبير جورجي توغستونوغوف “Georgy Tovstonogov” في معهد لينيغراد للمسرح والموسيقى والسينما، المعروف حاليًا بأكاديمية الفنون المسرحية بسانت بطرسبرغ . بعد إكمال دراسته في قسم التمثيل والإخراج، بدأ مسيرته الاحترافية مخرجًا حرًا في العديد من مسارح الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك مسرح موسكو الفني ومسرح مالي تياتر.
أخرج دودين عددًا من العروض المهمة في مسرح الشباب بمدينة لينينغراد في السبعينيات، قبل أن ينتقل إلى مسرح مالي تمامًا في عام 1982 ليحتل فيه مركز المخرج الأول، ويحوّله إلى مسرح خاص به. تمثلت خطة دودين منذ البداية في تدريب تلامذته في أكاديمية الفنون المسرحية وتأهيلهم على أسس تربوية وتقاليد مسرحية مدروسة بعناية وبصرامة بالغة، ليشكّلوا فيما بعد نواة مسرحه الخاص. لم يكتفِ دودين بتقديم عروضه داخل روسيا فقط، بل بدأ بالانفتاح على العالم رغم القيود المفروضة على السفر إلى الخارج في المرحلة السوفيتية. مع انهيار النظام الشيوعي، كشف دودين عن برنامج منتظم للجولات المسرحية إلى مسارح العالم، وأطلق على مسرحه تسمية “المسرح الأوروبي – مالي تياتر”.
يستفيد دودين من خبرة أساتذة ومدربي المسرح في أكاديمية الفنون المسرحية في تدريب ممثليه من الطلبة، والمعروف عن ممثلي دودين أنهم يجيدون العزف على الآلات الموسيقية ويتمتعون بخبرة موسيقية عالية وبمهارات جسدية متقدمة. استفاد دودين في مجال الصوت والأداء من خبرة أفضل أساتذة الصوت والإلقاء وعلى رأسهم البروفيسور فاليري غلندييف Valery Glendeev، أستاذ مادة الصوت والإلقاء في الأكاديمية، والذي يعمل مساعدًا لدودين في مسرح مالي تياتر.
يستمد منهج دودين في المقام الأول مقوماته من منهج ستانيسلافسكي في الواقعية النفسية، مع الاستفادة من معطيات المسرح الحديث في الأداء الجسدي والتجسيد البصري.
ولعل مسرحية “الأشقاء والشقيقات” للكاتب الروسي فيودر أبراموفيتش Fyodor Abramov أقدم أعمال مسرح مالي تياتر، فقد جرى عرضها الافتتاحي في التاسع من شهر آذار عام 1985. توالت عروضها في بريطانيا، النمسا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، سويسرا، السويد، اليابان، الولايات المتحدة، جمهورية التشيك، بولونيا، إسرائيل وبلجيكا، وما زال عرضها مستمرًا إلى يومنا هذا، ليدخل العقد الثالث مؤخرًا. نالت المسرحية في بريطانيا عام 1991 جائزة أفضل عرض مسرحي أجنبي لنفس العام.
يرى النقاد في عرض “الأشقاء والشقيقات” حصيلة فنية بارعة للتمازج العضوي بين النهج التربوي والنهج الحرفي، وهي خصوصية تطغى على معظم أعمال الفرقة. يحظى مسرح مالي تياتر بحضور فعلي في معظم المهرجانات المسرحية الرفيعة مثل مهرجان أفنيون ومهرجان إدنبرة، ناهيك عن مشاركته الفاعلة في مهرجان موسكو المسرحي المعروف بجائزة “القناع الذهبي” التي حصدتها الفرقة عدة مرات.
لا يزال الإقبال على عروض ليف دودين شديدًا، خصوصًا من قبل صناع المسرح ورواده في معظم مسارح أوروبا. على سبيل المثال، حضر بيتر بروك بنفسه إلى مسرح مالي تياتر في منتصف التسعينات، وكان كاتب هذه السطور حاضرًا في اجتماع بروك مع أعضاء فرقة دودين. قال بروك بتواضع وبساطة معبّرًا عن إعجابه: “لقد جئت إلى روسيا لأشاهد عرض مسرحية ‘الأشقاء والشقيقات’ من إخراج ليف دودين، حيث سبق لي أن شاهدت هذا العرض في بريطانيا، وقد جئت اليوم إلى روسيا وأنا أشعر برغبة شديدة في مشاهدته ثانية، بل بودي أن أشاهد جميع عروض دودين، حقًا إنه مخرج كبير”.

شياطين دوستويفسكي في رحلة طويلة
يقول الشاعر الروسي توتيتشيف إن روسيا “وليدة الطبيعة وليست نتاجًا عقلانيًا”. يبدو أن دوستويفسكي كان مأخوذًا بهذه المقولة قبل الشروع في كتابة روايته الشهيرة «الشياطين» عام 1869. فالدافع الكامن وراء سلوك معظم أبطال الرواية هو الجنون والشر، وحتى الحب كأسمى قيمة إنسانية يتحول إلى مصدر لكراهية مقيتة. ركز دودين على هذا السلوك الإنساني في تفسير شخصيات “شياطين” دوستويفسكي.
بحلول عصر البيريسترويكا في الاتحاد السوفيتي برزت رغبة في إخراج رواية “الشياطين” لدى أشهر المخرجين الروس، وكان آخرهم ليف دودين في عام 1991. وعلى الرغم من مرور زمن طويل على العرض الأول، ما زال الإقبال شديدًا. تتفق آراء النقاد على كون عرض دودين أكثر العروض نضجًا خلال العقود الأخيرة.
الكاتب الفرنسي ألبير كامو أعد هذه الرواية للمسرح لولعه بشخصية ستافروجين ولتشابه أجواء الرواية مع أجواء مسرحية «العادلون» التي تتخذ من أفراد منظمة فوضوية أبطالًا لها.
تقع أحداث الرواية في مدينة روسية صغيرة، وأبطالها معظمهم من الطبقة الأرستقراطية. هدف دوستويفسكي من كتابة «الشياطين» هو تدوين التسلسل الزمني للجريمة المرتكبة. كانت أواخر الثمانينيات مرحلة خصبة لانبعاث الأفكار العدمية. يرى المؤلف في أبطال روايته، وهم أفراد منظمة فوضوية، كل ما هو سيئ وشرير. فهم شياطين عدميون. مقتل شاتوف، أحد أبطال الرواية، تجسيد دقيق لتطرف هؤلاء، وسفك دمه في نظرهم السبيل الوحيد للاتحاد ولمّ الشمل. تلجأ المنظمة إلى جعل نيكولاي ستافروجين رمزًا معبودًا، لأن التنظيم السياسي سرعان ما يتداعى لولا خضوع أفراده لهذا الرمز المختلق.
كتب أحد النقاد عن إخراج المسرحية أن المخرجين الذين تعرضوا لإخراجها كانوا يخشون الاقتراب مما هو جوهري في طرح دوستويفسكي العميق. كانت حبكة الأحداث السياسية تستهويهم أكثر من جوهرها الفلسفي، وهذا ينطبق بشكل خاص على عروض زمن البيريسترويكا.
أما عرض ليف دودين، الذي يستغرق عشر ساعات، فيُعتبر أكثر العروض نضجًا وأمانة، وربما الأقرب إلى روح الرواية. تقدم المسرحية بأجزائها الثلاثة يومي السبت والأحد في ثلاثة عروض خلال اليوم: العرض الأول في الثانية عشرة، الثاني في الرابعة بعد الظهر، والثالث في السابعة مساءً.
يعتقد دودين أن معايشة الجمهور لأبطال المسرحية طوال عشر ساعات يخلق جوًا من الألفة والحميمية بين المسرح والمتفرجين، مما يساعدهم على فهم أبطال الرواية والتعرف عليهم عن كثب.
يعتمد دودين في أسلوب إخراجه على توظيف العناصر البصرية والجسدية والنفسية، وتأتي المعالجة السينوغرافية للمصمم ألكسندر كتشيركين (Alexander Ktechirkin)، أستاذ مادة السينوغرافيا في أكاديمية الفنون المسرحية، كعنصر أساسي في خلق الوحدة الأسلوبية للعرض. صمم كتشيركين عالمًا متأزمًا يبعث على القلق والترقب في معظم مشاهد المسرحية، وفي الوقت نفسه عالمًا ديناميكيًا متحوّلًا باستمرار، يوحي بماكينة عارية مكوّنة من المصاطب والسطوح المتحركة. هذا العالم يتطابق مع تحليل ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin) للبعد المكاني في روايات دوستويفسكي، حيث لا يوحي المكان بالاستقرار أو الطمأنينة، ونادرًا ما يوصف أفضية تبعث على الراحة، بل غالبًا ما تكون الأماكن متوترة كالبابين، السلم، القبو أو الدهليز.
أخيرًا، يلفت النظر في إخراج دودين أمران: الأول، تشابه شخصية كيريلوف مع شخصية الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي، من حيث الطبيعة والمصير المشترك «الانتحار»، وهو ما أشار إليه الشاعر بوريس باسترناك بعد قراءته «الشياطين». الثاني، استخدام دودين سلمًا طويلًا يتجه إلى السماء، تصعده فتاة صغيرة في نهاية كل عرض، وهو رمز مأخوذ من الشاعر ألكسندر بلوك الذي قال: “الطفلة المرحة هي الروح”
يشكل تقديم مسرحيات أنطوان تشيخوف مشروعًا فنيًا بارزًا في برنامج فرقة مالي تياتر خلال العقدين الأخيرين من مسيرتها، حيث شمل معظم أعماله على امتداد فترة زمنية طويلة، بدءًا من «الخال فانيا» و«بستان الكرز» عام 1994، ووصولًا إلى «مسرحية بلا عنوان» التي تتألف من مجموعة من المسرحيات وتُعتبر أحدث إنتاجات الفرقة. اعتمد دودين في عروض مسرحيات تشيخوف فضاءً مسرحيًا مستوحى من شكل حوض السباحة، حيث يطفو الممثلون في الماء، وكان هذا الأسلوب جديدًا حينها في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول لاحقًا إلى نمط متكرر بين العديد من المخرجين.
ولعل أهم عروض ليف دودين شهرة في المهرجانات المسرحية دوليًا بعد مسرحية الأشقاء والشقيقات، هو عرض مسرحية رهاب الأماكن المغلقة (Claustrophobia)، التي قُدمت في عدد كبير من مسارح أوروبا. أعد دودين هذا العرض مع ممثلين شبان من طلبة المسرح في أكاديمية سانت بطرسبرغ، وهو قائم بشكل رئيس على الأداء الجسدي — الرقص — والإيقاعي — الموسيقي — مما يعكس التزامه بمنهج شامل يدمج بين الصوت والجسد والموسيقى في تجربة مسرحية متكاملة. يتسلق الممثلون فيها مواقع أقدام بارزة على الجدران، يقفون عليها للصعود تدريجيًا إلى الأعلى حسب مشاهد المسرحية، في حركات معبرة تنسجم مع السينوغرافيا المتميزة التي تألفت من ركائز متحركة على الجدران، مما يخلق فضاءً مسرحيًا ديناميكيًا يواكب حركة الأداء ويعزز التعبير الدرامي.


