عودة فيلم “ريح السد” بعد أربعين سنة/ البروفيسور الأسعد الجموسي
قراءة في راهنية الأثر وتجدر التناول في سينما النوري بوزيد
بفضل الجهود المشتركة لوزارة الثقافة، والمنتج حبيب عطية، وجهود محمد شلوف والمساهمة التقنية القيّمة لسينماتيك بروكسل وبولندا، استطاع فيلم ريح السد “رجل الرماد” أن يستعيد جلداً جديداً لخروج وطني ودولي جديد، بعد أربعين سنة من إنجازه. إنه حدث ثقافي حقيقي يستحق اهتمام عشّاق السينما والمشاهدين. إن إنجاز فيلم رجل الرماد بالفرنسية (ريح السّدّ بالعربية) يشكّل نقطة انطلاق جديدة للسينما التونسية في مسارات الواقعية الاجتماعية.
ما يلفت في هذا الفيلم ليس فقط شجاعة إنجازه عام 1986، متحدّياً الغطاء الحديدي الذي يرزح على موضوع اغتصاب الأطفال من المحرّمات، بل دقته، وصحته، وقوة الحكاية وصراعاتها الحميمة والخارجية. المغتصِب في مواجهة ضحاياه، والأب المُخصيّ في مواجهة ابنه، والمدينة المرصّعة بأسوارها وخطوط الفرار إلى الداخل والخارج، تحت الجسور وعلى الميناء. معظم الأفلام “الشجاعة” تختبئ خلف إيماءات كبيرة. هذا الفيلم يبقى ملتصقاً بالمحسوس: وجوه، صمت، ذكريات تأتي شذرات. لا “يدين” هنا؛ بل يُظهِر. والإظهار دائماً أقوى، لأنه على المتفرّج أن يُتمّ العمل وأن يبني شبكات المعاني.
حين تعودُ إحدى الأعمال بعد أربعين سنة وتبدو أوضح مما كانت عليه عند صدورها، فليس لأنها تغيّرت. بل نحن. نحن نرى أفضل. تعمل الموضوعات المحرّمة كحقول ألغام: ما دام لا أحد يطؤها، يمكن الادّعاء بأنها غير موجودة. بوزيد وطئها. لهذا الفعل أثران. يفجّر شيئاً مخفياً، ويصنع خريطة المجتمع الذي يمتلك خريطة للخطر يصبح مختلفاً سلفاً؛ لم يعد لديه عذر الجهل. يصف الفيلم أيضاً آلية يفضّل كثيرون خلطها بالصدفة: كيف تنتقل العنف، وكيف تصنع العارُ الصمتَ، وكيف يحمي الصمتُ المفترسين أكثر من أي قانون. ثمة هنا درس عام. أسوأ الأنظمة لا تبدو استعراضية من الخارج. إنها مؤلّفة من تنازلات صغيرة. لا نقول شيئاً كي لا نُحدث أمواجاً. ننتظر. ننتظر طويلاً إلى حد أن الانتظار نفسه يصبح أخلاقاً.
لماذا تأتي الاستعادة في وقتها؟ لأن المجتمعات تقوم على السرديات، ولأن السرديات التي لم نرد رؤيتها تنتهي بالانتقام. نعتقد أنها تختفي؛ لكنها في الواقع تترسّب. استعادة فيلم كهذا ليست مجرد تنظيف لشريط. إنها وضع مرآة أمام جيل كان يظن نفسه أكثر تقدّماً من سابقه. هل نحن حقاً أكثر شجاعة، أم فقط أكثر ثرثرة؟ ثمة فرق بين الحديث عن موضوع وبين النظر إليه. الفيلم يرغمك على النظر. سمة أخرى تجعلُه راهناً هي طريقته في إظهار الذاكرة. الذاكرة لا تطيع. تعود وفق قوانينها الخاصة، أحياناً في أسوأ لحظة. كثير من الأعمال التي تتناول الاعتداءات تفعل ذلك كملف. بوزيد يقدّمه كتجربة. وهذا يغيّر كل شيء. حين يُعطَاك ملف، أنتَ تحكم. حين تُغمَر في تجربة، أنتَ تشعر. لا نصير أكثر بصيرة بالحُكم أشدّ. نصير أكثر بصيرة بالشعور على نحو دقيق، لأن الدقة تقطع الطريق على الحكايات المريحة. سيقول بعضهم إن الزمن تغيّر، والكلمات تغيّرت، والمنصّات تتحدث عنه طوال الوقت. لكنه فخ. كمية الخطاب ليست مؤشراً جيداً. ما يهم هو سُمك النظرة.
فيلم مثل رجل الرماد يمتلك كثافة لا يمتلكها السيل. لا يمكنك “تمريره” تمريراً سريعاً. عليك أن تسكن مدّته. والمدّة هي الأداة الأبسط والأكثر استخفافاً بها لفهم ما يؤلم. كثيراً ما نتخيل أن الشجاعة الفنية تعني “الذهاب بعيداً جداً”. هذا الفيلم يفعل العكس: يذهب بقدر ما يلزم. يعرف متى يتوقف، متى يترك اللقطة تتنفس، متى يصمت عن كلمة. التحفّظ ليس ضعفاً؛ إنه ما يجعل العمل يصاحبك بعد ذلك. الصور التي تبقى ليست تلك التي تصرخ أكثر، بل تلك التي تواصل الإشعاع حين نغادر القاعة.
أربعون عاماً زمن طويل لمسيرة، لكنه قصير لمجتمع. لا تموت المحرّمات بمرور السنين؛ إنها تغيّر زيّها. التقدّم الحقيقي ليس امتلاك محرّمات جديدة أكثر موضة. إنه تقليص المسافة بين ما نعرفه وما نستطيع تحمّل رؤيته. رجل الرماد يقلّص هذه المسافة. لا يعد بشيء آخر. وهذا كثير بحد ذاته. ثمة سبب آخر يجعل هذا الخروج الوطني والدولي مهماً. الأعمال تولد في بلد، لكنها تعيش ailleurs. أما الصدمات، فليس لها جواز سفر. تصدير عمل كهذا هو وضعه على محك سياقات أخرى. ما يجعل رجل الرماد متيناً إلى هذا الحد هو سرده الذي لا يَفرِض. يحكي بوزيد كما نتنفس: عبر لقطات تتعاقب بمنطق داخلي، يكاد يكون عضوياً. لا نشعر بالدرزات. الإخراج لا يسعى لأن يلمع وحده؛ يترك السرد يتقدّم ببديهيات صغيرة. هكذا نكسب ثقة المتفرج: بعدم دفعه حين يمكن إرشاده. تأتي قوة الصورة من سبيكة نادرة: جمال وضرورة. يوسف بن يوسف، ساحر الضوء، لا يؤلف لوحات لمجرد أن تكون جميلة. إنه ينحت ما ينبغي أن نشعر به. الضوء ليس ديكوراً، إنه حُجّة. ومضة أكثر برودة تُزيح الذاكرة، ظلّ يُكثّف المسكوت عنه، وضدّ الضوء يجعل فجأة وجهاً غير مقروء، كحال الوعي حين يتردد. حين تفكر الصورة، لا يعود الفيلم محتاجاً إلى الشرح. قلّما نتحدث عن الإيقاع لأنه يكون غير مرئي حين يكون صحيحاً. وهنا هو كذلك. تدوم المشاهد تماماً الزمن اللازم لتتشكّل العاطفة دون استعجال. يبدو ذلك بسيطاً، لكنه الأصعب: أن تعرف متى تقطع، متى تمسك، متى تصمت. دقة المونتاج التي قادتها بإتقان ميكا بن ميلاد تُمسك شتات الذكريات المكسورة دون تلميعها. نخرج بانطباع وحدة لم تُنال بالتبسيط، بل بالإنصات. أما الممثلون، فهم لا “يلعبون” شخصياتهم؛ إنهم يستقرّون فيها. كأنهم سكنوها قبل التصوير. هذه الحضور الطازج والصادق يغيّر كل شيء. يجنب إغراء الاستعراض. نظرة دقيقة أثمن من عشر خطب. نشعر بأنهم فهموا أين ينتهي الأثر وأين تبدأ حقيقة الفعل: تردد في اليد، صوت يخفت بنصف نغمة، صمت يُترَك ليحيا. هذا القدر من الزهد هو ما يغذّي الانفعال، لأنه يحترم ذكاء المتفرّج. هناك قاعدة بسيطة: كلما ترك لك عمل مساحة أكبر، دخلت أكثر. هنا، تُمنَح المساحة عبر التحفّظ. الصورة تقترح، الأداء يؤكّد، والسرد يَصِل. لا يُؤخَذ المتفرّج رهينة؛ بل يُجعَل شريكاً. من هنا يأتي التقبّل. لا نخرج مقتنعين بحُجج، بل منسجمين بفضل دقة متراكمة. قد نظن أن الإتقان هو تكديس للّقى. يُظهر هذا الفيلم العكس: الإتقان هو أن لا يُحتفَظ إلا بما يخدم. بن يوسف يضيء ليكشف، لا ليخفي. الممثلون يزيلون أكثر مما يضيفون. بوزيد يؤطّر ليصغي، لا ليوجّه. هذه الاقتصاديات تُنتج كثافة نادرة. في النهاية، لا نشعر بأننا أُبهِرنا، بل بأننا فُهِمنا. وهذا أعظم ترف في السينما. إن رجل الرماد متمركز في التاريخ لأنه أيضاً ملازم لجغرافيا. ليست مدينة صفاقس العتيقة ديكوراً؛ إنها ذاكرة من حجر، ومن شوارع وأزقة. نشأ بوزيد فيها، ويبدو ذلك جلياً. لا يخدم المكان “الإيهام بالواقع”، بل يسرد على شذرات وكتل، ويؤدي دور الجوقة: يعرف ما لا يستطيع الشخوص قوله بعد. يُغلق باب ثقيل بعنف، في لَقْطة مُقرَّبة، يدخل المزلاج في ثقب القفل. الاستعارة قوية كلكمة. عْزايِز النجار ليس صورةً مجردةً للشر. له اسم، ومهنة، وورشة يأتي الناس ليتعلموا فيها. هذا ما يُخيف: الشر لا يأتي متنكّراً. إنه يتقدم كفرصة. يدخل المتدرّبون ليصيروا “أحداً”، وهناك يضيعون. حين يريك فيلمٌ أن باب الدخول إلى الدراما هو باب “عادي”، تبدأ برؤية أبوابك أنت بشكل مختلف. إن التذكير بنجّار حقيقي، كان منبوذاً في الحي ومَثار سخرية التلاميذ في الستينيات، يمنح الفيلمَ هيكله الوثائقي. نشعر بالشائعة العامة، بهتافات الصبية أمام قبو، بقسوة الكلمات الساذجة التي تُصيب لأنها لم تتعلّم الدوران حول المعنى. لدينا انطباع بأننا نسمع ما كان يردده تلاميذ الحي الشرقي من مدينتي العتيقة بصفاقس، في الستينيات، وهم يركضون خلف المغتصِب ويصرخون: «عْزايِز يا تفّار يا شلاغم الشيطان». هذا النوع من التفاصيل ليس زخرفياً. سيمنع الفيلم من الشيخوخة، لأنه يدبّسه في زمن محدد، وبالتالي في الحقيقة. الشيء نفسه ينطبق على بيت الدعارة الخاص بمدام سجرة، الحاضر باسمه الحقيقي ويؤدي دوره بنفسه. يصير السينما حينها شاهداً. لا “نعيد بناء”، بل نسجّل. لا يحتاج الصدقيّة إلى القسر. يكتفي بأن يكون دقيقاً. كلما كانت إحدى الأعمال أدقّ، قلّت حاجتها إلى الضجيج. وهذا ما يجعلها قوية. كثيراً ما يُتحدث عن الواقعية الجديدة كأُسلوب. هنا، هي موقف أخلاقي. تصوير الأمكنة الحقيقية، إدخال الأعلام الخاصة، قبول خشونة العالم، هي طريقة لقول المتفرّج: لا أقدّم لك استعارة، بل أودعك دليلاً. والدليل لا يسعى إلى الإقناع؛ إنه يُلزِم. تصنيف رجل الرماد ضمن كبار الواقعيين الجدد في السينما العربية ليس مجاملة إضافية. إنه وصفٌ لكيفية عمله. إن أردت أن تفهم لماذا يصمد، فانظر كيف يلتصق بالواقع: حرفي، ورشة، متدرّبون، بيت دعارة، حيّ يعرف ويسكت، ثم يتكلم متأخراً. كل شيء هنا. لا يُشرف الفيلم على المدينة من علٍ؛ بل يعبرها. نخرج بهذا الانطباع النادر أن السرد كان يمكن أن يجري على نحوٍ آخر، لكن ليس في مكانٍ آخر. وغالباً ما يكون هذا علامة على أننا أمام كلاسيكي: حكاية محلية لا معنى لها إذا أُزيحت متراً واحداً، ومع ذلك تخاطب الجميع. لأن المحلي ليس نقيض الكوني. إنه أكثر صوره صدقا.




