“نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي”محور مداخلات اليوم الثاني والأخير من الندوة الفكرية لمهرجان المسرح العربي ال 16/ بشرى عمور

واصلت فعاليات الندوة الفكرية حول موضوع: «نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي» ضمن فعاليات الدورة 16 لمهرجان المسرح العربي (دورة القاهرة 10 ـ 16 يناير 2026)، يوم الاثنين 12 يناير 2026، لليوم الثاني و الأخير بقاعة المؤتمرات (بإقامة المهرجان ).
و عكف المشاركون اليوم، في ست جلسات إضافة إلى الجلسة الختامية على تتمة تقديم البحوث الفائزة
الجلسة الرابعة
إدارة الجلسة: أ.د. محمد سمير الخطيب (مصر)
المتحدثتان:
أ.د. عبدالرضا جاسم (العراق) حول موضوع:”تفكيك الالتباس وتوحيد الدلالة نحو معجم نقدي عربي موحد للمصطلح المسرحي المعاصر
يشكّل المصطلح النقدي المسرحي حجر الزاوية في بناء معرفة علمية رصينة بالنص المسرحي والعرض، إذ يضبط مفاهيم التحليل ويمنح الباحث والممارس أداة دقيقة للتواصل وتبادل الرؤى. غير أنّ النقد المسرحي العربي عانى، منذ بداياته، من تشتّت في توظيف المصطلحات، وتباينٍ في ترجماتها بين البيئات الأكاديمية والممارسة الإبداعية، ما أفضى إلى التباسٍ دلالي أضعف إمكانات الحوار المعرفي وأعاق تأسيس مشروع نقدي عربي متكامل.
تنبع أهمية البحث من ضرورة بناء معجم نقدي عربي موحّد للمصطلح المسرحي المعاصر، قادر على توحيد الدلالة وتعزيز التواصل العلمي بين الباحثين والممارسين في المسرح العربي، مع الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية واللغوية. فغياب هذا التوحيد أسفر عن حالة من الفوضى المفاهيمية، وأضعف من قدرة النقد العربي على مجاراة التجارب العالمية وتطوير أدواته المنهجية.
تُطرح في هذا البحث إشكالية رئيسية تتمثل في كيفية تفكيك الالتباس الدلالي في المصطلح المسرحي العربي، ووضع تصور عملي لبناء معجم نقدي موحد، يعتمد على أسس لغوية ومنهجية مقارنة دقيقة، ويقدم أدوات إجرائية قابلة للتطبيق في الوسط الأكاديمي والمهني.
يهدف البحث إلى تقديم إضافة نوعية في إطار تأسيس مشروع نقدي مسرحي عربي علمي رصين، من خلال دراسة جذور أزمة المصطلح، تحليل تجارب عالمية، تقييم نماذج من المصطلحات المسرحية، والاقتراح بمنهجية بناء معجم نقدي عربي موحد.
جذور الأزمة المصطلحية في النقد المسرحي العربي
يُعدّ المصطلح النقدي المسرحي أداة أساسية في فهم النصوص والعروض المسرحية، وهو البنية التي تُبنى عليها التحليلات والرؤى النقدية. غير أن النقد المسرحي العربي، منذ أواخر القرن التاسع عشر، شهد حالة من التشتت والتعدد في المصطلحات المستخدمة، مما أدى إلى ما يمكن تسميته بأزمة المصطلح.
1. الاعتماد المفرط على الترجمة دون تعريب موحد
2. التعدد الجغرافي والثقافي
تعدد المراكز الثقافية واللغوية في الوطن العربي، من مصر ولبنان إلى العراق والمغرب وسوريا، أضاف طبقة أخرى من التعقيد. فكل بيئة تأثرت بمدارس نقدية ومراجع مختلفة، ما أفضى إلى ظهور مصطلحات بمرادفات متعددة، أدت إلى إضعاف قدرة النقاد على توحيد دلالات المصطلحات، وخلق فجوة معرفية داخل الحقل النقدي المسرحي العربي (خليل، 2005).
3. الصعوبات البنيوية في اللغة العربية
4. تأثر النقد المسرحي العربي بالمدارس النقدية الغربية الحديثة
المقاربات العالمية لتوحيد المصطلح النقدي المسرحي
معتز بن حميد (ليبيا) بموضوع :”النَّقدُ المَسْرَحيُّ العَربيُّ: إشْكَالِيةُ الخُصوصِيةِ وَأَزمةُ المُصطَلحِ وَرهَاناتُ التَّأسيسِ”
لَطالَما يُشبَّهُ المَسرَحُ في الثَّقافاتِ الحَيَّةِ بالمِرآةِ الَّتي تَعكِسُ الذَّاتَ الجَمعِيَّةَ وتُفصِحُ عن مَخزونِها الرَّمزِيِّ، بَينَما يَقومُ النَّقدُ بِدَورِ العَقلِ الَّذي يُفَسِّرُ تِلكَ الصُّورَةَ ويُعيدُ إِنتاجَها في خِطابٍ عِلمِيٍّ ومَعرِفِيٍّ. وَلَئِن كانَ المَسرَحُ العَربِيُّ قدِ استَطاعَ – مُنذُ بَواكِيرِ النَّهضَةِ – أَن يَشُقَّ طَريقَهُ في مُواجَهَةِ تَحَدِّياتٍ ثَقافِيَّةٍ واجتِماعِيَّةٍ مُتَشابِكَةٍ، فَإِنَّ النَّقدَ المَسرَحِيَّ ظَلَّ حَبِيسَ إِشكالِيّاتٍ بَنيَوِيَّةٍ حالَت دونَ اكتِمالِ مَشروعِهِ العِلمِيِّ. فَقَد تَأَرجَحَ هذا النَّقدُ بَينَ الانبِهارِ بالنَّماذِجِ الغَربِيَّةِ الَّتي وُلِدَت في سِياقاتٍ مُختَلِفَةٍ، وبَينَ مُحاوَلاتٍ مَحلِّيَّةٍ جُزئِيَّةٍ لَم تُفضِ إِلى تَأسِيسِ إِطارٍ نَظَرِيٍّ مُوحَّدٍ. وَهَكَذا، نَشَأَ خِطابٌ نَقدِيٌّ مُتَذَبذِبٌ، يُعانِي مِن ضُعفِ الخُصوصِيَّةِ، واضطِرابِ المُصطَلَحِ، وخَلَلِ العَلاقَةِ بَينَ التَّنظِيرِ والتَّطبِيقِ.
لَقَد تَنَبَّهَ عَدَدٌ مِنَ النُّقَّادِ العَرَبِ مُبَكِّرًا إِلى خُطورَةِ هذا الوَضعِ؛ إِذ أَشارَ عز الدين إسماعيل إِلى أَنَّ: “المُقارَباتِ النَّقدِيَّةَ العَرَبِيَّةَ ما زالَت قاصِرَةً عن مُلامَسَةِ جَوهَرِ التَّجرِبَةِ المَسرَحِيَّةِ المَحلِّيَّةِ”. وَكَتَبَ علي الراعي عَن “أَزمَةِ الهُوِيَّةِ” الَّتي تُرافِقُ مُحاوَلاتِ استِيرادِ المَناهِجِ الغَربِيَّةِ دُونَ تَمثُّلِها أَو تَكِييفِها مَعَ السِّياقِ العَرَبِيِّ. وَفِي المُقابِلِ، اجتَهَدَ آخَرونَ – مِثلَ عبد الكرِيم برشِيد – في الدَّعوَةِ إِلى مَسرَحٍ “احتِفَالِيٍّ” يَنهَلُ مِنَ التُّراثِ، مُقتَرِحِينَ بِذَلِكَ مَلامِحَ نَقدٍ مُغايرٍ. غَيرَ أَنَّ هَذِهِ الجُهودَ، عَلى أَهمِّيَّتِها، بَقِيَت في مُعظَمِها ومضاتٍ فَردِيَّةً، لَم تُبنَ عَلى أُسُسٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ، وَلَم تُفضِ إِلى مَعرَفَةٍ مُصطَلَحِيَّةٍ نَقدِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُتَوافِقَةٍ، وَلا إِلى أَدَواتٍ إِجرائِيَّةٍ صالِحَةٍ لِلتَّطبِيقِ الشَّامِلِ.
إِنَّ الخُصوصِيَّةَ المُفتَقَدَةَ في النَّقدِ المَسرَحِيِّ العَرَبِيِّ لَيسَت مَجرَّدَ شِعارٍ ثَقافِيٍّ؛ بَل هِيَ شَرطٌ وُجودِيٌّ لِقِيامِ خِطابٍ نَقدِيٍّ قادِرٍ عَلى أَن يُواكِبَ التَّجرِبَةَ المَسرَحِيَّةَ العَرَبِيَّةَ في أَبعادِها الاجتِماعِيَّةِ والجَمالِيَّةِ. فَالنَّقدُ الَّذي يَستَنسِخُ أَدَواتِ الغَيرِ بِلَا تَمثُّلٍ، يَظَلُّ تابِعًا وَعاجِزًا عَنِ التَّأسِيسِ. كَما أَنَّ الإِطارَ العَرَبِيَّ لِمَدارِسِ النَّقدِ لَم يَتَبَلورْ بَعدُ؛ إِذ إِنَّ المُحاوَلاتِ النَّظَرِيَّةَ بَقِيَت فِي الغالِبِ مُتَعالِيَةً عَنِ التَّطبِيقِ، أَو عاجِزَةً عَنِ التَّحَوُّلِ إِلى أَدَواتٍ قابِلَةٍ لِلقِياسِ وَالتَّحلِيلِ. وَهُوَ ما نُسَمِّيهِ هُنا بِـ “عَيبِ التَّنظِيرِ المُنفَصِلِ عَنِ التَّطبِيقِ”.
وَفِي مُوازاةِ ذَلِكَ، تَبرُزُ أَزمَةُ المُصطَلَحِ النَّقدِيِّ وَالمَسرَحِيِّ بِاعتِبارِها إِحدَى المَعضِلاتِ الكُبرَى. فَالتَّرجَمَةُ العَجُولَةُ، وَالتَّعدُّدُ الاصطِلاحِيُّ، وَغِيابُ ضَوابِطَ إِجرائِيَّةٍ واضِحَةٍ، كُلُّها أَدَّت إِلى تَضارُبٍ فِي الفَهمِ وَتَبَايُنٍ فِي الاستِخدامِ. يَكفِي أَن نَتَأَمَّلَ فِي الجَدلِ الطَّوِيلِ حَولَ تَعرِيبِ مُصطَلَحاتٍ مِثلَ: (Dramaturgy) أَو (Mise en scène)؛ لِنَكتَشِفَ حَجمَ الالتِباسِ الَّذي يُعَرْقِلُ بِنَاءَ خِطابٍ نَقدِيٍّ مُوحَّدٍ. وَقَد نَبَّهَ باترِيس بافيس إِلى أَنَّ: “المَفاهِيمَ النَّقدِيَّةَ لا يُمكِنُ أَن تُؤدِّيَ وَظِيفَتَها إِلَّا إِذا ضُبِطَت سِياقاتُها وَحُقُولُ استِخدامِها”؛ وَهُوَ ما نَفتَقِدُهُ فِي المَشهَدِ النَّقدِيِّ العَرَبِيِّ الَّذِي كَثِيرًا ما يَنقُلُ التَّعريفاتِ بِلَا سِياقٍ وَلا تَكِييفٍ.
وَإِذا انتَقَلنا إِلى جُهودِ التَّحدِيثِ، فَإِنَّ النَّقدَ المَسرَحِيَّ العَرَبِيَّ قَدِ استَلهمَ البَنيَوِيَّةَ وَالسِّيميُولوجيا وَمَناهِجَ التَّحلِيلِ الحَدِيثَةِ مُنذُ سَبعِينِيّاتِ القَرنِ الماضِي، لَكِنَّ هَذِهِ المَناهِجَ – عَلى أَهمِّيَّتِها – لَم تُسعِفِ النَّقدَ العَرَبِيَّ عَلى تَجاوُزِ أَزمَاتِهِ. فَقَد ظَلَّتِ المُقارَباتُ التَّطبِيقِيَّةُ مَحدُودَةً، فِي حِينَ بَقِيَ التَّنظِيرُ مُنفَصِلًا عَنِ المُمارَسَةِ النَّقدِيَّةِ الحَيَّةِ. وَلَعَلَّ ما يُضاعِفُ هَذِهِ الأَزمَةَ أَنَّ التَّجارِبَ النَّقدِيَّةَ العَرَبِيَّةَ المُعاصِرَةَ، رَغمَ جُرأَتِها، لَم تَتَمَكَّن مِن بِنَاءِ مَدرَسَةٍ أَو تَيّارٍ نَقدِيٍّ واضِحِ المَلامِحِ؛ لَكِنَّها تَفَرَّعَت إِلى اجتِهاداتٍ شَخصِيَّةٍ يَصعُبُ أَن تُؤَسِّسَ لِمَشروعٍ جامِعٍ.
وَقَد نَبَّهَ يوسف إدريس فِي وَقتٍ مُبَكِّرٍ إِلى هَذا المَأزِقِ، مُعتَبِرًا أَنَّ: “المَسرَحَ العَرَبِيَّ لا يُمكِنُ أَن يَعِيشَ عَلى استِيرادِ الشَّكلِ؛ بَل يَحتَاجُ إِلى رُوحٍ نابِعَةٍ مِن بِيئَتِهِ”؛ وَهُوَ ما يَفتَحُ البَابَ أَمامَ إِشكالِيَّةِ الخُصوصِيَّةِ بِاعتِبارِها أَساسًا لِلتَّأسِيسِ العِلمِيِّ لِلنَّقدِ المَسرَحِيِّ العَرَبِيِّ.
مِن هُنا، يَتَحَدَّدُ مَسارُ هَذا البَحثِ الَّذِي يَندَرِجُ فِي النَّاظِمِ العَامِّ لِلنَّدوَةِ الَّتِي تُنَظِّمُها الهَيئَةُ العَرَبِيَّةُ لِلمَسرَحِ: “نَحوَ تَأسِيسٍ عِلمِيٍّ لِمَشروعِ النَّقدِ المَسرَحِيِّ العَرَبِيِّ”… وَيَتَنَاوَلُ بِشَكلٍ أَساسٍ مَحورَ (الخُصوصِيَّةِ المُفتَقَدَةِ فِي النَّقدِ المَسرَحِيِّ العَرَبِيِّ، وَالإِطارِ العَرَبِيِّ لِمَدارِسِ النَّقدِ العَرَبِيَّةِ وَعَيبِ التَّنظِيرِ وَالتَّطبِيقِ)، كَما يَنفتِحُ البَحثُ عَلى مَحورَيْ: (جُهودِ التَّحدِيثِ السَّابِقَةِ الَّتِي تَحتَاجُ إِلى مُراجَعَةٍ نَقدِيَّةٍ صارِمَةٍ لِاستِجلاءِ مُنجَزِها وَحُدودِها/ أَزمَةِ المُصطَلَحِ المَسرَحِيِّ وَالنَّقدِيِّ التَّابِعِ، وَما تُخلِقُهُ مِنِ اضطِرابٍ فِي التَّواصُلِ الأَكادِيمِيِّ وَالتَّطبِيقِيِّ)؛ لِيُمَثِّلَ البَحثُ مُحاوَلَةً مُتَكامِلَةً نَحوَ تَأسِيسِ مَشروعٍ نَقدِيٍّ عَرَبِيٍّ عِلمِيٍّ.
الجلسة الخامسة
المتحدثتان:
د. فاطمة أكنفر (المغرب) بموضوع:” النقد المسرحي المغربي وتفعيل آلية النقد المزدوج: تفكيك المفاهيم الكولونيالية وتأسيس خطاب مسرحي عابرة للحدود (تجربة خالد أمين)
يعد الناقد المغربي خالد أمين من الكتاب المسرحيين الموسوعيين الذين يتنصلون دائما، وبشكل تلقائي من أي اختزال أو تلخيص أو تصنيف، فالرجل يكتب نصوصا نقدية متعددة الأبعاد بأسلوب يختلط فيه الفلسفة بالأنثروبولوجيا وما بعد الكولونيالية وبالدراسات الثقافية، إن هذه الطريقة لا يصل إليها إلى من تمرس ميدانيا ونظريا في دروب المعرفة سنيين طويلة، وبالرغم أن خالد أمين متشبع بالثقافة الأنكلوساكسونية إلا أنه كان مؤمنا بفكرة إحياء المسرح المغربي والتصالح مع وجدانه. إن حفريات خالد أمين في النظريات الغربية مكنه من إمعان النظر في منعطفات المسرح المغربي وحدود تشابكه واحتكاكه مع الغرب دون إصدار أحكام جاهزة، ورؤيته نابعة من قناعة راسخة مفادها، لا يمكن للذات أن تتطور بمعزل عن الآخر، وقراءة أنساقه الثقافية لا تتم إلا بتوظيف أدواته، واستثمار مفاهيمه ونظرياته واستيعابيها، فضلا عن ممارسة النقد المزدوج الذي يساعد الذات على تحقيق المصالحة مع الوجدان الفرجوي ومع الآخر في إطار التناسج الثقافي المثمر، وهذا التفكير العابر للحدود يدفع خالد أمين إلى الإقامة على الحدود بين الذات والآخر، وتجسير العلاقات بين المسرح الغربي والمغربي دون مركب عظمة أو عقدة نقص.
والملاحظ أن خالد أمين يتولى مراجعة الجهود النقدية المسرحية ونقد أسسها المعرفية، ومجافات مقولات الرجوع إلى الأصل والاستكانة إلى مفهوم «المطابقة» والتغاضي عن التفكير في طبيعة المسرح بوصفه خطابا ثقافيا مفتوحا وهجينا ومتعدد المرجعيات، وتتجه قراءة خالد أمين النقدية إلى التأمل في إشكالية المطابقة، من خلال نقد المركزية الغربية المتمركزة حول نفسها من جهة، ومساءلة المسرح العربي المتقوقع في التراث من جهة أخرى، عبر عمليات النقد والتعديل والمراجعة، التي يضطلع خالد أمين بتركيزها وتفعيلها، نظريا وتطبيقيا، بقوة الفعل النقدي ما بعد الكولونيالي وطاقته المراجعاتية.
إن التجربة النقدية لخالد أمين لا تستقر على حال، لأن الناقد لا يؤمن بالقراءة النقدية النهائية، وهو ما يعني قيامه بقراءات جديدة بالنظر إلى التحول الدائم واللانهائي للمعارف والنظريات والمفاهيم، فإن المسرح لا يكون قابلًا للإدراك والقراءة إلا على نحو عابر وحواري بتعبير فالتر بنيامين، لأنّ الناقد الثقافي في حاجة دائمة إلى التركيب والتوليف بين المفاهيم من أجل بناء نقد أكثر عمقا وتبصّرًا، وبالتالي أقدر على وصف الروابط المعقدة بين النصوص والعالم الذي تنتج فيه. يستقي خالد أمين مفاهيمه النقدية ليس فقط من إدوارد سعيد الذي حقق إضافات كيفية في دراسة العلاقة بين النص والكولونيالية، وراهن على تحطيم المركزيات والتصنيفات ذات الخلفية التراتبية شرق/غرب، مركز/هامش، بل نبصر في تجربته النقدية تصورات عبد الكبير الخطيبي حول النقد المزدوج، بحيث تنصهر في مشروعه مفاهيم ونظريات متعددة بعيدا عن التكاملية الضيقة.
ومن ثم، هناك دوافع كثيرة جعلت الناقد خالد أمين يتبنى النقد ما بعد الكولونيالي، أولها تجاوز عقم المناهج النصية المغلقة، وإزالة الجمود الذي أصاب الساحة النقدية المسرحية، ثانيهما إعادة النظر في العديد من المسلمات والمغالطات المرسخة في نقدنا العربي لقرون طويلة، وسلمنا بها بأنها أحكام صحيحة ويقينية، وأهمها المغالطات التي روجها النقاد العرب حول نشأة الفن المسرحي، باعتباره نبتة مستعارة من الغرب، وانساقوا وراء المركزية الغربية، ونماذجها الجاهزة، وغيبوا الأشكال والممارسات الفرجوية التي يزخر بها السياق المحلي، حيث تبنى خالد أمين التحليل الثقافي ما بعد الكولونيالي، نظرا لجرأته في مساءلة المركزية الغربية من جهة، وتشريح الثقافة المحلية المشبعة، بدورها، بسياسات السلطوية من جهة أخرى.
ومن ثم، تروم هذه المساهمة التعريف بالتجربة النقدية لخالد أمين من خلال البحث في نشأة المسرح العربي، وإشكالية تأرجحه بين الهوية والاختلاف، وهي محاولة سنعمل من خلالها على الإجابة عن السؤال المركزي التالي: كيف يعمل خالد أمين من خلال مشروعه على إبراز الأسس النقدية لخطاب الهوية والاختلاف في المسرح العربي؟ ويتطلب منا الاشتغال على هذا السؤال، بداية، العودة إلى مشروعه المتعدد ومحاولة الوقوف على أهم الدلالات الفلسفية والأسس الفكرية التي ينبني عليها، خاصة قضية تفكيك الغرب الذي اتجه منذ عقود نحو الهيمنة الشاملة من خلال ما أسماه هيغل “مملكة المعرفة المطلقة”، والتي تجسدت بالملموس في التعميم الشامل للمعارف الغربية التي سيطرت على كل تمفصلات الذات العربية، وهنا يتساءل خالد أمين كيف نستطيع أن نأخذ من النظام الغربي بدون استيلاب؟ فالعرب استوردوا المعارف بفكر غربي يصعب استصاله أو القضاء عليه، لهذا يدعو خالد أمين إلى تقوية الثقافة المحلية بإعادة دراستها لأن إضعافها هو إضعاف للثقافة، لكن هذا لا يعني التقوقع في المعارف التراثية، وإنما إعادة بنينتها بما يخدم الثقافة المحلية.
د. محمد خالص إبراهيم (العراق) حول موضوع:” كتابة ما بعد الفراغ: نحو تأسيس نقد مسرحي عربي خارج العرف السائد ( مسرحية كيف نسامحنا؟ ) انموذجاً”
في قلب الحراك المسرحي العربي المعاصر ينبثق سؤالٌ نقدي جذري: هل يمكن للكتابة النقدية العربية أن تتجاوز الأعراف التقليدية، وأن تبني لنفسها مشروعًا معرفيًا قادرًا على قراءة ما بعد الفراغ؟ يتناول هذا البحث مسرحية (كيف نسامحنا؟) نموذجًا حيًا لممارسة (ما بعد الفراغ)، حيث يتحوّل الفراغ الأخلاقي والاجتماعي إلى فضاء مسرحي نابض، تمتلئ فيه الخشبة بالرموز، والإيقاعات، والتناص الشعري، لتصبح تجربة المشاهدة رحلة تأملية تتجاوز حدود التلقي التقليدي.
اعتمد البحث منهجًا نوعيًا متكاملاً يمزج بين التحليل النصّي والدراماتورجي، وتحليل العروض، ودراسة التلقّي النقدي، مدعومًا بمقابلات شبه مهيكلة مع المخرج والممثلين والنقاد، وإضافة مقارنة تطبيقية مع أعمال عربية أخرى تتناول الطقس والفراغ، بهدف صياغة أداة نقدية دقيقة ومرنة. تنبثق مشكلة البحث من الفجوة الواضحة بين التجارب المسرحية الجديدة، التي توظف الطقس والرمزية والتناص، وبين أدوات النقد التقليدية السائدة. السؤال المركزي إذن: هل يمكن تأسيس كتابة نقدية عربية حديثة تخرج من عباءة الأعراف السائدة وتحقق مشروعية معرفية، لتقود قراءة نقدية عميقة للمسرح العربي المعاصر؟ تكشف دراسة الحالة أن النص والإخراج يتكاملان لصياغة تجربة طقسية وجمالية، تجعل الفراغ مساحة حية للتأمل والمساءلة الجماعية، بينما يقدّم التلقّي النقدي العربي (من خلال المقالات والندوات والملاحظات الميدانية) مادة غنية لتطوير أدوات نقدية حديثة.
يركز الإطار النظري على الفراغ كعلامة استراتيجية: في المبحث الأول يُعالج الفراغ كإشارة تأسيسية لخطاب نقدي عربي جديد، يحوّل الظاهرة السلبية إلى أداة لاستكشاف البنية الرمزية، واللغة المسرحية، وتوزيع الشخصيات على مساحة العرض. أما المبحث الثاني، فيعرض الفراغ بوصفه استراتيجية تحليلية، تمكن النقاد من قراءة عناصر العرض، التكرار الطقسي، والتناص الشعري، وتحويل التفاصيل العرضية إلى نص دلالي متكامل، لتقديم منهج نقدي عملي يتناسب مع خصوصية المسرح العربي المعاصر.
يسهم البحث في تقديم إطار تحليلي يربط بين النص والعرض والتلقّي، ويقدّم مؤشرات منهجية قابلة للتطبيق على أعمال (ما بعد الفراغ)، ويضع حجر الأساس لمصطلح (مسرح ما بعد الفراغ) كإطار نقدي معرفي عربي، قادر على احتضان التحولات النوعي
المعقب: أ.د. عبدالحليم المسعودي (تونس)
الجلسة السادسة
المتحدثتان:
حسام الدين مسعد سيد أحمد (مصر) بموضوع:”إعادة تأصيل الأدوات النقدية وتجاوز إشكالية التبعية المعرفية-نظرية النظم نموذجًا نحو تأسيس علمي لنظرية نقدية عربية للمسرح المعاصر”.
المحور: نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي”
عنوان المحور الفرعي الذي اختار الباحث العمل عليه: الخصوصية المفتقدة في النقد المسرحي العربي، والإطار العربي لمدارس النقد العربية وعيب التنظير والتطبيق
يطرح هذا البحث إشكالية التبعية المعرفية في النقد المسرحي العربي بوصفها إحدى القضايا الجوهرية التي عطلت إمكانية تأسيس نظرية نقدية عربية أصيلة، قادرة على التعبير عن خصوصية التجربة المسرحية في سياقها الحضاري العربي. فقد ظلَّ النقد المسرحي العربي على مدى عقود أسيرًا للمناهج الغربية التي انتقلت إليه عبر الترجمة والاقتباس، دون أن تُخضع لعمليات نقدية أو تفكيك منهجي أو إعادة تأصيل في البنية الثقافية العربية، الأمر الذي أدى إلى غياب جهاز مفاهيمي عربي متماسك، وجعل الخطاب النقدي العربي مجرد صدى للغرب أكثر مما هو إنتاج ذاتي لهوية نقدية مستقلة.
ينطلق البحث من فرضية أساسية مفادها أن تجاوز هذه التبعية لا يتحقق بالقطيعة مع المناهج الغربية، بل بقراءتها قراءة نقدية واعية، تسمح بإعادة تأصيلها في ضوء الثقافة العربية، ودمجها مع عناصر تراثنا البلاغي والفلسفي الغني. وقد وجد الباحث في جهود عبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم نواة مهمة يمكن استثمارها في تطوير أدوات إجرائية معاصرة قادرة على قراءة النصوص والعروض المسرحية الحديثة، بما يضمن حضورًا معرفيًا عربيًا لا ينفصل عن جذوره.
اعتمد البحث على مناهج متعددة ومتداخلة: المنهج التحليلي النقدي لتفكيك الخطاب النقدي الغربي والعربي، المنهج المقارن لرصد نقاط الالتقاء والافتراق، المنهج التاريخي لتتبع قراءة التراث النقدي المسرحي بأليات النقد الداخلي، إضافة إلى المنهج الوصفي التحليلي التطبيقي بتطبيق الأدوات المقترحة على نماذج مسرحية معاصرة. كما اعتمد البحث المنهج الحجاجي لإسناد أطروحاته بدليل عقلي ومنطقي، ولمحاججة دعاوى التبعية، عبر بناء استدلالات تؤكد مشروعية تأسيس نظرية نقدية عربية للمسرح.
وقد خلص البحث إلى نتائج محورية أهمها: أن الواقع النقدي العربي في حاجة إلى ثورة مفاهيمية تُعيد الاعتبار إلى التراث النقدي العربي، وتستفيد نقديًا من المناهج الغربية دون استلاب. كما أكد على أن تأسيس معجم مصطلحي موحد شرط لازم لتحقيق الاستقلالية، وأن تأسيس مراكز بحثية متخصصة وبرامج أكاديمية تُعنى بالنظرية النقدية العربية يشكل رافعة حقيقية لتجاوز الأزمة الراهنة.
يؤكد الباحث أن مساهمته في الفصل الثالث بطرح “النظم الحجاجي” كنظرية نقدية عربية ناشئة في المسرح، مع وضع بروتوكول إجرائي وأساس فلسفي لها، يمثل خطوة تأسيسية نحو بناء مشروع نقد مسرحي عربي أصيل وفاعل عالميًا. وبذلك يسعى البحث لأن يكون لبنة في مشروع أوسع يهدف إلى تحرير العقل النقدي العربي من التبعية، وترسيخ خطاب نقدي يمتلك خصوصيته وفاعليته في المشهد النقدي العالمي.
محمد رفعت يونس (مصر) بموضوع:”جهود تحديث النقد المسرحي العربي في الألفية الثالثة (2000–2025)
“
حين نتأمل مسار النقد المسرحي العربي منذ بدايات القرن العشرين وحتى العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، نكتشف أن هذا الحقل ظلّ يراوح بين لحظات وعيٍ متقدم وأخرى من الركود والجمود. فقد ارتبط النقد المسرحي في الوطن العربي، في مراحله الأولى، بكتابات صحفية انطباعية هدفت إلى تسجيل الانطباع الأولي عن العروض المسرحية، وغالبًا ما كانت تلك الانطباعات متأثرة بالسياق الاجتماعي والسياسي أكثر من كونها تحليلًا بنيويًا للعمل المسرحي (حسن عطية، 2006، ص. 55). ومع ذلك، فإن هذه المرحلة – على ضعفها – أسست لمنظور يرى النقد وظيفة ثقافية تتجاوز مجرد الكتابة عن العرض إلى مساءلة علاقته بالمجتمع.
ومع توسع حركة الترجمة واتصال النقاد العرب بالمناهج الغربية الحديثة في النصف الثاني من القرن العشرين، بدأت تتشكل ملامح وعي نقدي جديد. لم يعد النقد مجرد وصف أو تقييم عابر، بل أصبح محاولة لتأصيل مفاهيم منهجية مستمدة من البنيوية والسيميولوجيا والتحليل النفسي وجماليات التلقي. هذا الانفتاح لم يكن محض تقليد، بل انطوى على رغبة حقيقية في بناء جهاز مفاهيمي يساعد على قراءة العرض المسرحي بوصفه نصًا مركبًا من إشارات لغوية وبصرية وسمعية وحركية (Pavis, 1982, p. 31).
غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تتحول إلى ممارسة مؤسسية مستقرة. ففي كثير من الحالات بقي النقد المسرحي العربي رهين الانطباعية أو الكتابة الصحفية، ولم تُنشأ بعد بنية أكاديمية واسعة الانتشار والشمول، راسخة، لتدريس مناهج النقد المسرحي بشكل منهجي معمق. وهو ما يفسر لماذا ظل سؤال التحديث في النقد المسرحي حاضرًا بإلحاح منذ عقود، دون أن يتحول إلى مشروع مكتمل.
إن التحديث في النقد المسرحي العربي ليس مجرد مسألة تقنية أو معرفية، بل هو في العمق قضية حضارية ترتبط بعلاقة الثقافة العربية بالحداثة. فكلما كان المسرح العربي – نصًا وعرضًا – يبحث عن أشكال جديدة للتعبير، كان النقد مطالبًا بمواكبة هذه التحولات من خلال تجديد أدواته ومناهجه. وهنا تحديدًا يظهر التوتر: فالممارسة المسرحية العربية شهدت تحولات جذرية في الإخراج والسينوغرافيا والأداء، بينما ظل النقد متأخرًا نسبيًا، يُعيد إنتاج أدوات تقليدية في الغالب.
لقد أدرك العديد من النقاد العرب هذا التناقض. فمثلاً، يشير خالد أمين في أحد مقالاته بمجلة دراسات الفرجة إلى أن “الانتقال من النص إلى العرض لم يرافقه انتقال مكافئ في الوعي النقدي العربي”، وأن الكثير من المراجعات النقدية ما تزال “أسيرة النص المكتوب أكثر من كونها قراءة للعرض في تعدديته العلاماتية” (أمين، 2014، ص. 87). هذا التشخيص يضع يدنا على جوهر المشكلة: التأخر في استيعاب التحولات المفاهيمية التي حدثت في النقد الغربي منذ الستينيات، مثل السيميولوجيا وجماليات التلقي، وانعكاس ذلك في ممارسات النقد العربي.
من هنا، يأتي هذا البحث ليستجيب لحاجة مزدوجة:
من جهة، فهم التاريخ النقدي العربي في علاقته بمشروع التحديث، منذ البدايات وحتى الألفية الثالثة.
ومن جهة ثانية، تحليل المحاولات المعاصرة لتجديد المناهج والأدوات، وقياس مدى نجاحها أو تعثرها.
إننا لا ندرس مجرد “وقائع” نقدية متفرقة، بل نتعامل مع ظاهرة ثقافية متكاملة: ظاهرة التحديث النقدي، التي ارتبطت بمشكلات معرفية (غياب المنهج، أزمة المصطلح)، وأخرى مؤسسية (ضعف التكوين الأكاديمي، غياب المراكز البحثية المتخصصة)، وثالثة تقنية (تأخر استخدام الوسائط الرقمية والأرشفة السمعية البصرية). وهذه كلها تجعل من سؤال التحديث سؤالًا إشكاليًا بامتياز، تتقاطع فيه الثقافة والفكر والمؤسسة والتكنولوجيا.
إن التمهيد لهذه الأطروحة يستند أيضًا إلى الحراك المؤسسي العربي الذي ظهر في السنوات الأخيرة، حيث أطلقت الهيئة العربية للمسرح ندوات فكرية ركّزت على فكرة “التأسيس العلمي للنقد المسرحي العربي”، مؤكدة أن ما نعيشه هو مجرد “ظاهرة شكلية” ما لم تتوفر لها أُسس منهجية ومؤسساتية. ومن هنا تكتسب هذه الدراسة مشروعيتها العلمية، بوصفها محاولة لتفكيك هذا الإشكال من خلال تحليل مزدوج للمناهج والأدوات.
المعقب: أ.د. أبو الحسن سلام (مصر)
الجلسة الختامية:
إدارة الجلسة: أ.د. محمد سمير الخطيب (مصر)
خلاصات وملاحظات:
ـ أ.د. نجوى عانوس (مصر)
ـ د. مخلوف بوكروح (الجزائر)
استدراكات نقدية :
أ.د. عبدالرحمن بن زيدان (المغرب)
البيان الختامي:
د. يوسف عايدابي.



