متابعات

مسرحية” مملكة النحل” عرض محمل بالقيم الجميلة على أجنحة الدهشة/ رسمي محاسنة

الحكاية البسيطة والمحكمة، والمحملة على مشاهد بصرية مدهشة، تلك هي حكاية المخرج سمير خوالدة، الذي يتكرر افتتاح مهرجان مسرح الطفل الأردني بواحدة من أعماله، والخوالدة دائما على قدر المسؤولية، فهو ليس مجرد مخرج موهوب، يثير الأسئلة وجمال المشهد، إنما أيضا يعمل بحب لعمله، فهو معروف عنه السخاء على مجمل عناصر العرض المسرحي، من أزياء وديكور وموسيقى وغيرها.

مسرحية “مملكة النحل” المأخوذة عن النص الفائز بجائزة الشارقة للكاتب عماد الشنفري، تفتح على مشهد منذ البداية يؤسس للحكاية، بالأزياء والمجاميع، والموسيقى والغناء والألوان، والحوارات، حيث أن هناك مملكة لها نظام وقائد”الملكة”،ولا مجال للعبث، فالوقت قيمة عليا، وكذلك الجد والعمل، ولا مكان للكسل أو التراخي، ولن يتم السماح بانتشار عدوى العبث وخرق النظام.

النحلة”سلومة”” الموهوبة اّمال العزب”، تخرج عن النظام، ببحثها عن مكان تلعب به بعيدا عن أجواء العمل، وتحريض زميلاتها للعب معها، ورغم تحذير الجميع لها، وتذكيرها بأنه غير مسموح الخروج على رأي الجميع، وأن الكل سواسية، وكانت الأغنية والاستعراض التي تؤكد هذه القيم التي يؤمن بها، ويعمل الجميع على تنفيذها بدقة، إلا أن سلومه رغم كل هذه النصائح والتحذير، لم تنتبه إلى جدية المسألة، فكان لابد من إخراج الجسم المعطل من النظام، وعقابها بأن تكون خارج الخلية.

بهذا الاستهلال تم وضع المتلقي”الطفل” في أجواء الحكاية، أما بفهمها ومتابعة أحداثها، أو بإثارة الأسئلة، لأن اتفاق الجميع على طرد واحد منهم، يمثل تحريضا لعقل الطفل على السبب، وبالتالي المتابعة، والتركيز لحل الرموز والبحث عن إجابات للسؤال، والعرض بذلك لا يتعالى على الطفل، ولا يتعامل فقط مع مستويات أعلى، إنما يشد الطفل ليحرك عقله ويؤثر في وجدانه، لأن حالة طرد”سلومة” بهذا الشكل، تخلق متوالية من الأسئلة، أجاب عليها العرض في اللوحات اللاحقة.

وتأتي الموسيقى بنغماتها الحزينة تعبيرا عن الإحساس بالوحدة والخوف لدى النحلة”سلومة” فيما تشكل الإضاء دلالة على توالي المراحل الزمنية، ودلالة على سمة المرحلة، فهذا اللون الأحمر الذي يخلق إحساسا بالخوف والقلق، مع دخول الدبور، فالإضاءة تحمل دلالاتها الجمالية والمعرفية، في التهيئة للحدث، أو المساعدة في تفسيره، من خلال الانسجام والتناغم مابين اللون ومابين التطور في الأحداث، أو في الدواخل والنوايا، كما أن الزي وألوانه ، أعطى مفاتيح للطفل للتمييز بين شخوص الحكاية، فهذا اللون الخاص بالدبور” الشر” ومجمل الإضاءة، ومحاولة الضغط على سلومة من أجل أن تدلهم على مكان خلية النحل للهجوم عليه وسرقتها وتدميرها، وهنا يكرس العمل قيمة التضحية والانتماء، وعدم الخضوع للأجنبي، من خلال موقف سلومة، التي رغم عقابها ووحدتها وضعفها، إلا أنها استطاعت حماية مملكة النحل بصلابتها، ورفض الاستجابة للعدو.

وتتوالى الأحداث بدخول الفراشات، المميزة أيضا بألوانها وخطوطها، وعلى إيقاع الموسيقى والرقص، فبعد الخلاص من الدبور، تقع خلية النحل في محنة أخرى وهي وقوع جذع شجرة كبير على المدخل، فيمنع أفرادها من المرور، لكن رغم ذلك فالعمل لا يتوقف داخل الخلية، وبثبات الداخل، ومساعدة الأصدقاء في الخارج، يفتح باب الخلية من جديد، وتتم مصالحة بين الملكة وسلومة، في قيمة هامة تتمثل بدور القائد بأن يكون لديه الحكمة والرحمة، وينتهي العرض بلوحة فيها الفرح والمرح وتجسد قيم العمل الجماعي وروح الفريق،وهزيمة الشر أمام  اتحاد الخير.

مفردات الديكور المحدودة في العرض، وتوزيع الكتل على المسرح بتوازن، واستخدام أكثر من مستوى في فضاء المسرح، والحركة المدروسة مابين المجاميع ومابين حركة سلومة، واللوحات المرسومة بعناية، وقوة الأداء التعبيري، والرقص والغناء الذي كان عنصرا فاعلا، دالا ومفسرا ومنسجما مع سير الحكاية، والإمساك بقوة بتفاصيل العمل، كل ذلك يجسد روية المخرج سمير خوالدة، الذي يضع نفسه في موقع متقدم في مسرح الطفل على مستوى الأردن والعالم العربي.

وإذا كان هناك ملاحظات خاصة في العرض الأول في عدم انضباط نظام الصوت، والإضاءة التي لم تكن محكمة تماما، إلا أنه قدم عملا فيه المتعة والدهشة ومحملا برسائل ومجموعة من القيام، بعيدا عن التلقين والمباشرة، ومعتمدا على ذكاء الطفل، مع الإشارة إلى أن ثلاثة من المشاركات في العرض، تعرضن لظروف صحية ليلة الافتتاح، ورغم ذلك جاء هذا الأداء وهذا العرض الذي يليق بالافتتاح.

 

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button