العنف الرمزي والاغتراب الاقتصادي في المسرح المعاصر/ د. لحسن احسايني

بعد مشاهدة مسرحية مواطن اقتصادي، فرقة مسرح الفدان بتطوان، تأليف أحمد السبياع وإخراج محمود الشاهدي ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي في دورته 16، يظهر أن العرض يتغذى من تقاطعات نظرية متعددة: المسرح الملحمي، النقد الماركسي، السيميائيات، وسوسيولوجيا الثقافة. وهذا التداخل يمنح العرض عمقه الفكري، ويحوّله من فرجة جمالية إلى ممارسة نقدية واعية تضع الإنسان في قلب السؤال الاقتصادي.
*الاقتصاد والثقافة: من الإنسان إلى رأس المال الرمزي*
في ضوء المقاربات الثقافية الحديثة، يمكن النظر إلى المسرحية باعتبارها نقدا لتحويل الإنسان إلى رأس مال اقتصادي ورمزي، فالمواطن لا يُطلب منه أن يكون فاعلا ثقافيًا، بقدر ما يطلب منه الانسجام مع منطق السوق. هذا ما يفسر الطابع الاستعراضي لبعض المشاهد، حيث يصبح الجسد ذاته سلعة للعرض، في إحالة واضحة إلى تسليع الإنسان داخل الاقتصاد النيوليبرالي.
ففي ضوء التحولات النيوليبرالية، يتم تفريغ المواطنة من بعدها القيمي، ليعاد تشكيلها وفق معايير النجاعة والربحية. هذا التحول ينعكس مسرحيا في تقديم الشخصيات باعتبارها كائنات تؤدي أدوارا محددة داخل “مسرح السوق”.
ومن منظور بيير بورديو، لا يقتصر رأس المال على شكله الاقتصادي، وإنما يمتد إلى رأس المال الرمزي، أي ذلك الرصيد من الاعتراف الاجتماعي والشرعية الثقافية. غير أن المسرحية تكشف كيف يتم تسليع هذا الرأسمال الرمزي نفسه، إذ يغدو الجسد، والهوية، واللباس، وحتى الانتماء الثقافي، أدوات قابلة للاستثمار داخل المنظومة الاقتصادية. فاللباس التقليدي، مثلًا، لا يحضر باعتباره علامة على الهوية، بل يتحول إلى قناع فرجوي يُستثمر لإضفاء مشروعية زائفة على واقع اقتصادي مأزوم.

*السينوغرافيا باعتبارها خطابا مضمرا*
تقوم السينوغرافيا في المسرحية بدور يتجاوز البعد التزييني، لتغدو نصا بصريا موازيا. فالأقواس المعمارية ذات المرجعية المغربية/الأندلسية تحيل إلى ذاكرة جماعية مشبعة بالقيم الروحية والتاريخية، لكنها توضع داخل فضاء ملوّن بالأحمر، مما يوحي بصدام عنيف بين الماضي القيمي والحاضر الاقتصادي المأزوم. أما تعدد المستويات العمودية على الخشبة، فيكرّس منطق التراتبية الاجتماعية، حيث يُدفع المواطن إلى الأسفل، بينما تتمركز السلطة الاقتصادية في الأعلى، في صورة بصرية مكثفة لعلاقات الهيمنة.




