حول عرض “رهاب الأماكن المغلقة” للمخرج الروسي ليف دودين/ د. فاضل الجاف

بعد النجاح الباهر الذي عرفه المخرج الروسي المعاصر ليف دودين في “الأشقاء والشقيقات ومسرحية “الشياطين” المأخوذة عن رواية دوستويفسكي الشهيرة، جاء عمله مسرحية “Claustrophobia (رهاب الأماكن المغلقة)” كحدث مسرحي بارز ترك أثره في ذاكرة المهرجانات الأوروبية. ليس عرضًا عابرًا، بل تجربة مسرحية مكتملة، جابت مسارح باريس وتولوز، وبرلين وميلانو، وستوكهولم ولندن، لتكشف عن مخرج لا يكتفي بتقليد ما كان، بل يصوغ لغة مسرحية جديدة، تتنفس عبر الجسد، وتنبض بالإيقاع، وتتوهج بالموسيقى.
ولد العرض من ورشة ارتجال جمعت دودين بمجموعة من الممثلين الشباب في أكاديمية سانت بطرسبرغ، حيث امتزجت أحلامهم وخيباتهم وذكرياتهم في مرحلة مابعد البروسترويكا، في بناء درامي يجري داخل غرفة واحدة: قاعة رقص تسكنها أشباح طلاب من زمن ماضٍ أكثر إشراقًا، يتقاسمون المكان مع مشرّدين من حاضر متعب، يبحث كل واحد منهم عن ملاذ أو أذن تصغي لحكايته، أو لحلمًه.
البنية غير الأفقية كانت بمثابة خيط خفي يربط أكثر من خمسة وعشرين ممثلًا، يتحركون بين أدوار فردية وجماعية، يرقصون الكلاسيكي والحديث، يلقون المونولوجات، يفتحون حوارات، يغنون، ويعزفون موسيقاهم الحية، في انسجام يجعل الممثل لا يؤدي دورًا وحسب، بل يخلق عالمه من الصفر أمام عين المتلقي.
السينوغرافيا بدت في البداية بسيطة: استوديو رقص بمرآته وجدرانه البيضاء، لكنه كان ينهار ببطء تحت أقدام ساكنيه، حتى تحوّل في النهاية إلى كتلة ركام. أما الأزياء، فكانت بسيطة بلا بهرجة، لكن قوتها البصرية جاءت من انسجامها التام مع اللون الأبيض للسينوغرافيا. وعلى الجدران، برزت مواطئ أقدام معدنية مبعثرة هنا وهناك، تسلّقها الممثلون في حركات متناسقة، يصعدون بها إلى الأعلى كأنهم يتحدّون الجاذبية والقدر معًا، في مشهد جعل السينوغرافيا تتحول إلى كائن حي يتنفس مع الممثلين. وقد كان لهذا الابتكار – التسلق على الجدران – أثر بالغ؛ إذ ألهم عددًا من المخرجين لاحقًا، فراحوا يستعيرون الفكرة ويقلدونها في عروضهم.
في كراس العرض الذي قُدم في مسرح ليريك بلندن، كتب دودين:
“في سانت بطرسبرغ، مبنى قديم احتضن يومًا مدرسةً كان يرتادها شعراء روسيا الكبار: نابوكوف، مندلشتام… لا يزال حضورهم محسوسًا، وضحكاتهم عالقة في الهواء. هنا، في الغرفة 319 من أكاديمية الفنون المسرحية، كنت أدرّس التمثيل، ونتعلّم كيف نصبح فنانين، وكيف نصغي إلى أصوات جيلنا؛ الجيل الذي ضاع بين انكسار القيم القديمة وعجزه عن تبني قيم الثقافة العميقة، فراح يخلق قيمه الغضة، يدافع عنها بشراسة، ويبحث رغم كل شيء عن الحب”.
ويضيف:
“جئنا جميعًا من طفولتنا. تعلّمنا في مدارس رسمية، تلقّينا معرفة رسمية، وأخلاقًا رسمية… كنا صغارًا لا نعرف ما يختبئ خلف تلك الكلمات. قد يشوّه الزمن جسدك، لكن يظل في أعماقك بحث لا ينتهي عن الجمال. نحاول أن نعثر على موسيقانا الداخلية، أن نجد التناغم الذي يليق بنا، وأن نصغي إليه في الغرفة 319… نتحدى القدر ونصعد إلى الخشبة”.
لقد كان الإقبال الجماهيري على رهاب الأماكن المغلقة في المهرجانات الأوروبية لافتًا، وأتيحت لي فرصة مشاهدته ثلاث مرات: أولها في مسرح مالي الدرامي بسانت بطرسبرغ عام 1995، ثم في مسرح ليريك بلندن في حزيران 1996، وأخيرًا في مهرجان المسرح الأوروبي بستوكهولم أواخر التسعينيات. وفي كل مرة، كنت أخرج من القاعة وأنا أحمل داخلي الإحساس ذاته: أنني شهدت عرضًا لا يكتفي بأن يُروى، بل يُعاش.



