إكستازيا… تتويج مغربي يعانق سماء المسرح العربي في عمّان/ رشيد بنطالب

تتويجٌ جديد يكتبه المسرح المغربي على إحدى أهم خشبات العالم العربي، بعدما استطاعت فرقة أرض الشاون للثقافات أن تحرز الجائزة الكبرى في مهرجان الأردن الدولي للمسرح في دورته الثلاثين، في دورة وُصفت بالأغنى والأكثر تنافسية منذ سنوات. وقد جاء فوز الفرقة ليعكس نضج التجربة المغربية وجرأتها، ويؤكد أن المغرب بات رقماً ثابتاً في مسارح المنطقة، ليس بحضور شكلي، بل بجودة فنية تُفرض بقوة الإبداع.
وقد شاركت في هذه الدورة فرق من أكثر من عشر دول عربية وأجنبية، إلى جانب مخرجين ومفكرين وباحثين في فنون الأداء. ومنذ تأسيس المهرجان سنة 1991، ظل هذا المحفل الأردني محطة مركزية لاختبار الجماليات الجديدة في المسرح العربي، ويُعرف بصرامته في الانتقاء واحتفائه بالأعمال التي تجمع بين العمق الفني والابتكار.
وسط هذا الزخم، جاء العرض المغربي إكستازيا ليخطف الأنظار منذ لحظته الأولى على الخشبة. عملٌ يستند إلى لغة بصرية كثيفة، وإلى توظيف ذكي للجسد والصورة والموسيقى، ليُقارب أسئلة الإنسان المعاصر في علاقتها بالذاكرة والألم والتحوّلات الداخلية. وقد أثار العرض نقاشاً واسعاً داخل الندوات التطبيقية، خصوصاً لجرأته في بناء خطاب جمالي قائم على السيميولوجيا والحركة باعتبارهما لغة مستقلة وموازية للكلمة. كان واضحاً أن الفريق اشتغل على رؤية متكاملة لا تفصل بين التعبير الجسدي والبعد الدرامي، بل تجمعهما في نسيج واحد يمنح المتفرج تجربة فنية مفتوحة على التأويل، بفضل القيادة الحكيمة للمخرج ياسين أحجام، الذي نجح في توجيه عناصر العمل جميعها بانسجام واحترافية، محققاً توازناً دقيقاً بين الرؤية الفنية والبعد الإنساني للنص.
وقد تُوّج الفنان ياسر الترجماني بجائزة التأليف الموسيقي عن إبداعٍ استطاع أن يصنع الإيقاع الداخلي للعرض، وأن يمنح الجسد طاقته التعبيرية، فجاءت الموسيقى أشبه بنبض يحرّك الصورة ويكتب ما يعجز عنه الحوار. أما جائزة أفضل سينوغرافيا، فكانت من نصيب عبد الحي السغروشني، الذي أبدع فضاءً مسرحياً يشتغل على الضوء والظل والفراغ، في هندسة تجعل المشهد ناطقاً بذاته، وقادراً على نقل المتلقي من مستوى المشاهدة إلى مستوى المشاركة الوجدانية.
ولا يمكن عزل هذا التتويج عن المسار المتنامي للمسرح المغربي في المهرجانات العربية خلال السنوات الأخيرة، حيث بات حضور المخرجين المغاربة والسينوغرافيين والمؤلفين حضوراً وازناً يعيد رسم خارطة فنون العرض في المنطقة. فقد سبق للمغرب أن نال جوائز كبرى في دورات مختلفة من هذا المهرجان، ومع أعمال مثل “خريف” و“ياقوت” و“سماء أخرى”، ما يجعل فوز هذه السنة امتداداً طبيعياً لمسار طويل من الاجتهاد والتجريب.
ويمنح هذا النجاح بعداً خاصاً لمدينة شفشاون، التي أثبتت مرة أخرى أنها ليست مجرد وجهة سياحية حالمة، بل فضاء يجمع بين الجمال الطبيعي والخصوبة الفنية. ففرقة أرض الشاون للثقافات أصبحت خلال السنوات الأخيرة ورشة حقيقية لإنتاج أعمال مسرحية جدية، وتشجيع المواهب الشابة، وتنظيم مختبرات ولقاءات تجعل من المدينة مركز إشعاع ثقافي متجدد. إن حضور شفشاون في هذا السياق ليس تفصيلاً، بل دليل على أن المدن الصغيرة قادرة، حين تمتلك إرادة الفن، على تقديم ما يعجز عنه بعض المراكز الكبرى.
ويحمل عرض إكستازيا قيمة فنية تذهب أبعد من الجوائز، لما يقدمه من مقاربة إخراجية تزاوج بين الرمزية والتجريب، وبين اقتصاد الوسائل وكثافة المعنى. فهو عرض يكتب الجسد باعتباره ذاكرة، والفضاء باعتباره خطاباً، والضوء باعتباره لحظة كشف، ليخرج بتركيبة درامية تجعل المتلقي جزءاً من تجربة حسية وفكرية تتداخل فيها الذات بالأسئلة الكبرى للوجود.
إن تتويج فرقة أرض الشاون للثقافات في هذا المهرجان الدولي ليس تكريماً لعمل مسرحي واحد فحسب، بل هو تكريم لمسار طويل من الإيمان بأن المسرح فعل مقاومة، وبأن الفن قادر على إعادة ترتيب الفوضى الداخلية للعالم. هو تتويج للمغرب، ولجيل من المسرحيين الذين يصرون على أن الخشبة ما تزال فضاءً للحلم، وللسؤال، وللكشف، وللجميل الذي يصرّ على البقاء رغم كل ما يحيط بنا من تشويش، بفضل قيادة مبدعة ومستنيرة من المخرج ياسين أحجام، الذي استطاع تحويل الرؤية الفنية إلى تجربة حية تتجاوز حدود النص وتغدو شعاعاً متوهجاً على الخشبة.
بهذا الإنجاز، يضيف المسرح المغربي صفحة جديدة إلى كتابه المفتوح على آفاق التجريب والتألق، ويؤكد مرة أخرى أن الإبداع حين يكون صادقاً، يصل… وحين يصل، يغيّر.




