مقالات

“نيكراسوف” لسارتر بأعين غازي الزغباني/ عادل النقاطي

قدّم المسرح الوطني في مهرجان ليالي الصيف الدولي بالقيروان مسرحيته “بلاتو” لغازي الزغباني وبطولة العملاقة فاطمة سعيداني ونجوى زهير وبشير الغرياني ومحمد حسين قريع وغازي الزغباني ومحمد نور الزرافي ورشيد عزوز عن «نيكراسوف» لجون بول سارتر وهو نصه الكوميدي اليتيم الذي كتبه سنة 1955 إبّان الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي بزعامة الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية والتي استلهم منها سارتر لعبته الدرامية.
المنطوق والملعوب لم يخرج أبدا من تحت عباءة الكاتب الأصلي وصلت حد الترجمة الحرفية لفقرات مطولة من النص المُقتبس بترجمة ركيكة أحيانا، حتى خلنا أن سارتر يتحدث عن تونس ما بعد الثورة فبتغيير بعض الكلمات والأسماء أُسقطت الحكاية على الواقع الإعلامي والسياسي المتشابك واللا أخلاقي في لعبة واضحة بين الإرهاب والساسة والصحافة.
الإحالة على ماكينة الإعلام كان مباشرا ومنذ البداية وصل حدّ استخدام كاميروات تلفزية وشاشة عملاقة تصور ما يحدث في العالم من عمليات إرهابية وإعدامات وتفجير لتبدأ الحكاية بعد ذلك بظهور زوجين بائسين تحت ضوء ليلة مقمرة يبحثان عن منتحر يلقي نفسه من أعلى الجسر ليغنموا بعد ذلك ثيابه… المنتحر لم يكن إلا الأفّاق فاليرا الذي أنقذه العجوزان وكأنّما بذلك بعثاه من جديد مستعيدا عمليات التحيل التي وصلت حد الادعاء انه أبو تقي المنشقّ عن الجماعة والمستعد لفضح أسرارها…
وهنا يظهر دور الإعلام الانتهازي والموجّه ليستغل فرصة ظهور هذا الدعيّ ليرفع بتكتيك خبيث في أسهم مرشحة مغمورة. فاليرا الذي كان يظنّ أنه الداهية والمتحيل العظيم الذي لا يشق له غبار يتبيّن انه مجرد لعبة في أيدي الإعلاميين والساسة الذين يحكمون عليه بالاستمرار في الكذب خدمة لأجندات معيّنة تموت فيها الحقيقة أمام المصالح واللوبيات المالية والسياسية القذرة رغم حرفية المفتش الذي أصرّ على كشف الملعوب لكن جوبه من نفس القوى بالتهديد والوعيد.
كيف تعامل المخرج مع هذا المتن السارتري الثري والمليء بالمواقف والمتناقضات والمواقف؟
يبدو أن ولع غازي الزغباني بنص سارتر جعله يصطفي لنفسه الدور الرئيسي «فاليرا» أو «أبو تقيّ» إضافة  إلى الإخراج رغم خطورة المغامرة والصعوبات التي يجدها المخرج الممثل الذي يحتاج إلى عين خارجية تتأمل لعبه ولا ادري لمَ لمْ يعط الفرصة لأحد الممثلين للقيام بالدور ويكتفي بالإخراج وما يمثله من مجهود ذهني وفني كبيرين خاصة وان الإيقاع يسقط رتيبا حين دخوله ويرتفع بغيابه.
وأكدت فاطمة سعيداني بأدوارها العديدة التي لعبتها في المسرحية (البائسة، المعاقة، المرشحة الرئاسية…) على مكانتها كممثلة عملاقة تضيف لأيّ عمل من روحها وطاقتها وبراعتها، فاطمة السعيداني في لحظات قولها وصمتها تنتج ومضات السحر المسرحي الذي يدفعنا نحو المسرح كخط تماس بين الجسد والروح ولعل أجمل لحظاتها في المسرحية اللوحة الأولى أمام القمر حتى خلنا أنفسنا أمام مسرحية رومانسية لكنها تضعنا بسرعة أمام الفضيحة الإنسانية بين خطّي اللامبالاة والانتهازية ولوحة الخطاب الذي تلقيه المرشحة الأوفر حظا والتي خدمها الإرهاب والتلويح به خدمة فريدة. فاطمة سعيداني وأمام إعجاب الجميع ترمي وراء ظهرها سنّها الحقيقي لتجوب المسرح في لقطة مفاجئة جيئة وذهابا على ركبتيها في مشهد يعطيها صك الشباب الدائم.
محمد قريّع كان وفيا لأسلوبه الماكر واقتناصه للشخصية وتطويعها لجسده وتقاسيم وجهه التي يحافظ عليها من عمل إلى آخر والتي لا تظهر لمن لا يعرفه ولكن لمتابعيه مسرحيا وسينمائيا يعلم أنّ قريع لم يخرج قط من عباءة خرمة أو لعلها عباءته هو فعلا التي لا يريد أنْ ينزعها ويسقط في التمثيل وأكد في دور مدير القناة أنه يمكنه أن يتطور أكثر لو يبتعد عن الاقتصاد في المجهود ويلقي بنفسه دون حسابات في يمّ اللعبة المسرحية.
البشير الغرياني كان وفيا لسمعته كممثل يحافظ على النسق مع اجتهاد كبير في الإحالة لشخصية إعلامية معروفة ومعه كان للكوميديا حضورها اللافت الذي غاب في مسرحية أراد مؤلفها أن تكون ساخرة مما يحدث وكاشفة للنوايا والطبائع البشرية الأنانية والجشع، البشير الغرياني كان محررا للإيقاع الدرامي يرتفع بتدخلاته الرشيقة وشكل مع فاطمة سعيداني بهاريْن رئيسين لهذا العمل.
الممثلة الشابة نجوى زهيّر حاولت أن تلهث وراء دوريها ( الصحفية اليسارية وكاتبة مدير القناة) وهما خطان متوازيان لا يلتقيان في شيء ولعلها وفقت بينهما في حيادية جسدها وتعابيرها مما افقد الدورين أي نكهة ولكن ما يشفع لها أنها أنقذت حضورها آخر المسرحية بغنائها حيث اكتشفنا صوتا وأداء مميزين.
في هذا العمل لا بد من شكر مهندس الإضاءة الذي رغم صعوبات ركح المركب الثقافي أسد بن الفرات نجح في إهدائنا عرضا مقبولا خاصة على مستوى إضاءة الوجوه التي تمكنا من رؤية تعبيرها دون عناء ببحثه عن حلول جديّة واستغلال للسقف لإضاءة أمامية مثلت حلا مناسبا سيقتبسه من بعده العديد من العارضين في هذه القاعة التي تحتاج إلى تهيئة للسقف التقني خاصة وأنها تحتضن تمارين وعروض مركز الفنون الدرامية وعديد الشركات.
بلاتوه مسرحية أرادت أن تقنعنا أن الإرهاب يستفيد منه البعض لتحقيق أهداف سياسية في إحالة واضحة على الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة وما حققته أحزاب ناشئة من مغانم نتيجة الرعب من الغول الإرهابي استعمل فيها المخرج تقنيات العرض التلفزي المباشر للدخول مباشرة صلب موضوع  «إعلام العار» وما يصنعه يوميا من توجيه للرأي العام حسب المصالح المحتملة لأصحاب اللعبة.

 

 

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button