قراءة في كتاب “صرخات في وجه النقد المميت” ليوسف الحمدان/ د.عمادهادي الخفاجي

“النقد الحق لا يهدم الرؤى، بل يوقظها.”
يطل علينا يوسف الحمدان بكتاب استثنائي في جرأته وصدقه النقدي بعنوان صرخات في وجه النقد المميت، حيث ينثر بين صفحاته ثلاثاً وعشرين صرخة، كلها تحمل في جوهرها نقداً صارماً للواقع النقدي المسرحي الأكاديمي الذي – في رأيه – لم يعد قادراً على مواكبة الإبداع ولا على إنعاش الحركة المسرحية بروح نقدية حقيقية.
منذ الصرخة الأولى، حمق ابتلى المسرح، يرسم الحمدان ملامح فشل النقاد في أن يكونوا صوتاً واعياً لحركة العرض والنص، ويتهم بعضهم بالجمود والقطيعة مع روح المسرح الحي. يتبعها بصرخة موجعة هي كارثة النقد الأكاديمي، حيث يفضح هشاشة كثير من الأطروحات الجامعية التي تحولت، برأيه، إلى تمارين مدرسية معزولة عن الفعل المسرحي النابض.
وفي صرخة نقاد الحريات السوداء، يقدم الحمدان تشريحاً مريراً لفئة من النقاد الذين يتحينون الفرصة للنيل من كل رؤية مسرحية مغايرة وجريئة، خصوصاً تلك التي تقتحم التابوهات الاجتماعية والفكرية. هؤلاء لا يرون في العمل إلا جسارته التي تهدد قناعاتهم المسبقة، فينقلبون على المخرج نقداً وعداءً، ليس فقط على مستوى فكره ورؤيته، بل يهاجمونه شخصياً وأخلاقياً، مفرغين النقد من كل قيمة فنية أو معرفية.
أما في صرخة نقاد يسقطون التراث ويقصون المسرح، فيكشف الحمدان كيف ساهم بعض النقاد في إفراغ التراث المسرحي من روحه الحيوية، عبر قراءة سطحية اختزلت التاريخ في قوالب ميتة، متجاهلين أهمية استلهام التراث بروح معاصرة.
ويمضي الحمدان ليواجه نقاد التابعية للنص والعرض ، الذين يرتهنون حرفياً لسطحيات النصوص أو العروض، دون أن يمتلكوا قدرة تفكيك الرؤى أو مساءلتها، مكتفين بدور الشارح أو المصفق. ثم تأتي صرخته ضد نقاد خارج مختبر الرؤية والقراءة لتؤكد كيف فقد النقد كثيراً من أدواته التجريبية والمعرفية، مكتفياً بالاجترار والنقل بدل المغامرة الفكرية والتجريب في الرؤى.
ولا يغفل الحمدان في صرخة نقاد عرفوا المسرح على حين غفلة عن تناول أولئك الذين اقتحموا ساحة النقد بلا تجربة حقيقية ولا دراية جادة، فتحولوا إلى ممارسين لنقد ارتجالي لا يسند الإبداع ولا يحركه.

في صرخة نقاد السلطة والأيديولوجيا، يشير الحمدان إلى الخطر الداهم حين تتحول الأيديولوجيا إلى مرجعية نقدية بديلة عن الإبداع، حيث يصبح الناقد مروجاً لأجندات سياسية أو فكرية على حساب حقيقة العرض المسرحي.
أما في صرخة نقاد السوشيال ميديا، فيتناول ظاهرة النقاد الطارئين الذين يستخدمون المنصات الرقمية لتسويق أحكام سريعة ومبسطة تخون طبيعة الفن المركبة والمعقدة.
وبين كل صرخة وأخرى، يقدم يوسف الحمدان نصائح ثمينة للنقد الفني، مؤكدا أن النقد الحقيقي لا بد أن يكون رفيقاً للإبداع لا سيفاً مسلطاً عليه، وأن الناقد ينبغي أن يكون قارئاً مخلصاً، وصانعاً للمعنى، لا تابعاً أو متربصاً.
وما تم عرضه هنا من صرخات، ليس إلا جزءا من رحلة نقدية أوسع داخل الكتاب، حيث يواصل الحمدان الكشف عن إخفاقات النقد الأكاديمي والفني من زوايا متعددة، بصراحة لافتة، ووعي عميق بأهمية الدور الذي يجب أن يلعبه النقد المسرحي اليوم.
لهذا، أنصح الأكاديميين، ولا سيما النقاد وأهل المسرح، بالاطلاع على هذا الكتاب المهم وتصفحه بتمعن، لما يحمله من رؤى نقدية حيوية تلامس أوجاع الممارسة الفنية والثقافية في حاضرنا المعاصر، وتسهم في إعادة التفكير في أصول النقد ووظيفته الأساسية. ولعل من أهم ما يفتحه هذا الكتاب من آفاق، هو دعوته الصريحة للنقاد الشباب، خاصة أولئك الذين يؤمنون بأن النقد شريك للإبداع لا سوط فوقه، إلى أن يتعاملوا مع هذه الصرخات بوصفها إشارات إنذار وعناوين عمل. فليؤسسوا لمختبرات نقدية حرة، تجمع بين وعي النص وجمالية العرض وجرأة السؤال، بعيداً عن الحساسيات الشخصية أو الأطر المؤدلجة.
إن نقد اليوم بحاجة إلى أن يتحول من مرآة باهتة تعيد إنتاج السائد، إلى ضوء كاشف يرافق كل خطوة فنية جديدة. وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب ليس في كونه تشخيصاً للداء فقط بل في كونه خارطة طريق لمن أراد أن يعيد للنقد روحه الحية.



