مقالات

وسيلة الايضاح من الانسان القديم الى المدرسة/ مجيد عبد الواحد النجار

لن ولم  يستغني الانسان عن وسائل الايضاح منذ نشأته، حيث كان الانسان القديم يوضح للمستمعين والمشاهدين حجم وشكل وكيفية الامر الذي مر به اثناء الصيد، واثناء عودته للبيت او مكان عمله، وما الصور التي وجدت داخل الكهوف، ما هي الا صور توضيحية لحيوانات قد رسمها صياد، وهو يشـرح لهم عن طريقته في صيد طريدته، او صور  لقصة خيالية، أراد الراوي، او المتحدث، توضيحها، وتوضيح الشخوص التي في القصة، او الحيوان الذي اصطاده، او الذي طارده، ويبين شكله وحجمه، للمشاهدين الذين كانوا يستمعون له ويشاهدونه وهو يشـرح او يقص ذلك لهم.

ولا زال الانسان ليومنا هذا يستعين بالإشارات والحركات من اجل إيصال وتقريب الفكرة التي يتحدث بها للمستمعين والذين يشاهدون ويدققون على حركاته وهو يصف الأشياء التي يتحدث عنها، فاكثر المتحدثين يستعملون أيديهم في وصف الأشياء، واحيانا كثيرة ما يستعينون بنماذج وامثلة مقاربة لما يتحدثون عنه، او يخططونه على الورق واحيانا على الأرض، ونرى البعض مثلا ؛ عندما يريد ان يصف الأشياء يقول: للمستمعين (ترون ذلك الشيء) انه يشبه ما اتحدث لكم عنه، وطبعا هذه المشاهدة هي وسـيلة تقريبية (وسـيلة إيضاح) استخدمها المتحدث من اجل تقريب ؛ وتوضيح الموضوع الذي يتحدث به، او يصف لهم المسافة التي قطعها في احد الأيام فيقول لهم:(مشيت تقريبا من هنا الى تلك البناية او تلك الشجرة)، وهكذا يستعمل الجميع نفس التشبيه والوصف، وهذه هي وسائل تساعد الكثيرين من تقريب وجهات نظرهم وتوضيح ما يتحدثون عنه، فكل هذه التشبيهات او الرسومات هي وسائل توضيحية، وسائل تعليمية بطريقة او أخرى.

ولم يكن المعلمون والمدرسون ببعيدين عن هذا الامر فهم لن ولم يستغنوا عنه في يوم من الأيام بل كان جل تركيزهم على الوسائل التي تقرب مادة الدرس من ذهنية الطالب وتساعده على فهمها وحفظها بطريقة سهلة، فكان المعلمون لم يستغنوا عن أيديهم في وصف وشـرح الدرس، ولم يستغنوا عن الصبورة في رسم الأشياء التي يتحدثون عنها، بل ذهب الكثير الى ابعد من ذلك ، عندما استخدم الألوان من اجل المتعة والتشويق، ومن اجل تمييز الأشياء بعضها عن البعض الاخر، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل كان بعض المعلمين يستعينون بمواد حية– مادية-، يجلبونها معهم من منازلهم او يشترونها من الأسواق او يستعينون بما موجود داخل المدرسة، وكل هذا من اجل توضيح ما موجود من صور او مجسمات في مادة الدرس، وطبعا اكثر مواد الدرس تحتاج لهكذا أمور توضيحية، فالطالب عندما يرى الأشياء امامه يختلف لديه الموضوع ويتحول من درس كلاسـيكي تطرح فيه مادة الدرس الى درس عملي، فهو يرى ما يتحدث عنه المعلم لموضوع الدرس، وما يقوم به من تقريب وشـرح تلك المادة للطالب فمثلا: عنما يرى الطالب(وردة) بيد المعلم، ويلمسها ويرى تفاصيلها من (الساق، واوراق، والتويج، وحبوب اللقاح….. الخ)، ليس كما يشاهدها وهي صورة في الكتاب رغم انها – الصورة – أيضا توضيحية، ولكن في الأولى يلمسها ويشم عطرها ويتحسسها، وكذلك عندما يكون هناك مجسم للهيكل العظمي لجسم الانسان، يشـرح عليه المعلم مادة الدرس ويوضح لهم الأجزاء التي يتكون منها جسم الانسان، فهنا يقترب التلميذ من المادة اكثر وتترسخ في ذهنية بطريقة سـريعة ولا يمكن نسـيانها، وحتى يكون الدرس اكثر تشويقا،  فهو يرى التفاصيل امامه مجسمة ومتكاملة، ويمسك العظام ويعرف مدى صلابتها وقوتها وحجمها وشكلها، بينما في الصورة الموجودة في الكتاب والتي أيضا هي صورة توضيحية، ولكن ليس كالمجسم، فهو اكثر توضيح من الصورة، ولا ينسى التلميذ انه وقف بجانبه او مسكه من يده او قدمه.

ولكل هذا اهتمت وزارات التربية في الدول العربية والاوربية بالوسائل الايضاحية، والتي اطلق عليها بعد ذلك الوسائل التعليمية، وطلبت من مدارسها استعمالها – بل شددت على ذلك – من اجل تقريب المادة للطالب ومساعدته في فهمها وحفضها، لأنها – وزارات التربية – على يقين تام بانها تنفع التلميذ بفهم مادة الدرس بسهولة ويسـر، وهي تساعده في بقاء مادة الدرس في ذاكرته مدة أطول، وقد أدخلت بعض الوزارات او بعض المدراس فيما بعد وسائل تعليمية فنية عدة، منها السـينما، ومسـرح الطفل، والمسرح المدرسي، ومسـرح العرائس، ومسـرح الدمى، ومسـرح خيال الظل، واجتهد البعض باكتشاف واستعمال وسائل أخرى معروفة للجميع.

ولأني انتمي الى الوسط الفني ، وجدتان الفنون هي خير وسائل تعليمية من الممكن استخدامها في التعليم، لشـرح المواد الدراسـية ومساعدة الطالب على فهمها، ولكون المسرح (أبو الفنون) وجدته أكثر الفنون  التي تفيد الطالب والتلميذ داخل المدرسة، فهو يعلمه ويثقفه ويجعل منه انسانا متعلما ومثقفا، وفق قواعد علمية صحيحة، وذلك عندما يحول مواده الدراسـية الى نصوص مسـرحية لكي تعرض داخل الصف او في محيط المدرسة ، وكذلك سهولة تنفيذه ، ولا يحتاج الى جهد كبير او انتاج عالي.

ولأني اعتبر المسـرح المدرسـي وسـيلة تعليمية ناجعة، يُعين المعلم والمدرس على حد سواء في تقديم مادة الدرس بطريقة علمية وفنية مدروسة، كما يفيد الطالب لكونه هو من يشارك به ويقدم مادة الدرس لزملائه، فهو في هذه الحال – الطالب – يأخذ دور المعلم (القائم بالفعل)، الممثل، والمشاهد، والمستمع، فتكون الفائدة اكثر واعم، حيث تكون الفائدة مضاعفة، في الفهم والتذكير.

ولكن وعلى مر السنين وجد اشتباك بين مسـرح الطفل، والمسـرح المدرسـي*، – الذي اول ما استخدمه في اوربا كمصطلح رولاند بارت عام 1954 في دراسة حول مسـرح بودلير، حيث أعطاه معنيين، الأول يتعلق بالممثل وتجسـيد الدور، والثاني بالعناصـر التي تؤدي الى المشهدية في المسـرح([1])،- ولعدم التمييز بينهما لدى البعض، أصبحت مشكلة بل إشكالية مستمرة لحد الان ، وهذا ما وجدته في بعض الرسائل والاطاريح التي يتبنى موضوعها المسرح المدرسي ، ولكن عندما تدخل الى داخل هذه الرسالة او الاطاريح ، تجدها تتحدث عن مسرح الطفل في الاعم الاغلب ،ولأني اومن بان المسـرح المدرسـي ولد من مسح الطفل ولم يتساوى معه في أهدافه ومعطياته، ولأنه معني بمسرحة المناهج ،ولان المسـرحة هي جعل الشيء ممسـرحا، فمثلا الشعر المسـرحي، هو شعر ممسـرح، بمعنى كتب للأداء لا للقراءة، او تقول مثلا: مسـرحة القاعة، يعني جعلتها متهيئة للأداء المسـرحي([2])، وفي نفس المجال يذكر الدكتور سعد فرج الله ((ان مسـرحة المناهج يراد منها تغيير نمط التدريس في الموضوع التعليمي بصورة غير مباشـرة من خلال صياغته بعمل درامي او مسـرحي يهدف تحقيق المزيد من الفهم للمادة العلمية))([3]).وهنا إشارة واضحة من قبل فرج الله بان مسـرحة المناهج تعنى بالنص وليس العرض.

اذنعلينا اننفرق بين (المسـرح المدرسـي) و(مسـرحة المناهج)، كون الأول عرض درامي والثاني محاولة كتابة (نص) او طريقة كتابة نص، بمعنى اخر ان الأول (عرض)، كون المسـرح يعني مكان العرض او مكان الحادث او مكان الفعل، والثاني (المسـرحة) هي القيام بفعل كتابة (نص) أي تحويل المادة من شكلها الطبيعي كمادة درس الى نص مسـرحي، ومن ثم يتم عرضها عن طريق المسـرح الذي اسميناه (المسـرح المدرسـي) والذي قصدنابه ما يعرض داخل المدرسة ومن نتاجها، بمعنى المصطلح يحاكي (النص) والذي هو جنس ادبي، يدخل ضمن الفعل الدرامي المسـرح المدرسـي، اذن مسـرحة المناهج هي جزء من كل ، وليس هي جناس او جنس له استقلاليته ، يحمل اهدافاً خاصة ، ووسائل تميزه عن الاجناس الأخرى.

 

الإحـــالات:

 * مسـرحة المناهج : ظهر المصطلح في القرن العشـرين، وكان ظهوره على ثنائية الادب أي ادبية المسـرحة، وهو يعني ملائمة عمل درامي فني او موسـيقي مع متطلبات جوهر المسـرح.( ينظر: بلا، مفهوم المسـرحة، (( مجلة نزوى))، www. Nizwa.com. 27/3/2020

[1]) ينظر: بلا، (مفهوم المسـرحة) ، المصدر نفسه.

[2]) ينظر : أ.د فهد محسن فرحان، ناقد واكاديمي عراقي، جامعة البصـرة، كلية تربية القرنة، قسم اللغة العربية،، مقابلة عبر النت، الخميس 26/3/2020

[3]) د. سعد فرج الله، جامعة البصـرة، كلية الآداب،قسم اللغة العربية، مقابلة عبر النت، الجمعة 27/3/2020

Related Articles

أضف تعليقاً

Back to top button