مقالات

نجمة الزيدي وشوارع الحروب/ تمارا الزبيدي

للحروب آثار عديدة منها جسدية وصحية ونفسية يكون تأثيرها ملموساً على من يخوض هذه الحروب وعلى عوائلهم، كانت الحروب ومازالت حتى يومنا هذا من أكثر الازمات التي يمكن ان تواجه الدول، فهي تسبب الدمار والخراب وقتل العديد من الضحايا والابرياء. قد تكون هذه الحروب مفتعلة او دفاعاً عن ارض الوطن من الاحتلال، المستفيد يعيش والمحرقة وقودها شباب عاشوا محرومين في بلدان تصنع الحروب وتستخدهم دروع بشرية تحترق للفاسدين بحجة البلد والدين، تلك الصراعات التي تؤدي الى اضرار على المدى البعيد. اصبحت الحروب تحكى قصصاً متعددة ومؤلمة عن اشخاص غادروا واشخاصاً عاشوا مغادرين. قدم العراق العديد من الشهداء والضحايا على مر السنين ولكل شهيد قصة وحكاية.

استطاع الكاتب (علي عبد النبي الزيدي) طرح احدى حكاياة هذا البلد موضحاً معاناة الزوجة بعد استشهاد زوجها وسندها في الحياة من خلال النص المسرحي ( أّم شارب) الذى حاكى العديد من النساء في ارض الحروب.

يشكل المكان_ الفضاء_ في تفاصيله صالة بيت لا شيء فيها يثير الانتباه سوى باب يؤدي الى الجحيم، اعني غرفة واحد الباب الثاني جثة باب البيت الرئيسي يصهر كلما يفتح بالرغم من انه لم يمسسهُ احد من زمن بعيد، نافذه تطل على شارع طويل، بعض الارائك القديمة ومغسلة ماء في زاوية الصالة اليسرى مرآه. ونسمع اغنية (يانجمة .. عونك ياداده عونك ياداده .. متعلي وتشوفين ….)

من خلال هذه المقدمة نستطيع شم رائحة هذه البيوت العتيقه التي هجرها الحب والامان، ونشعر بحزنها والسواد الذي سادها بغياب احبابها، نرى سقوف تهدمت على رؤؤس زوجات وامهات باتت تنتظر المجهول في وسط حياة لا طعم لها. بيوت لم يطرق ابوابها سوى الألم والياس. تسكنها نساء اصبحت رجالاً للعيش في مجتمع ذكوري يحاول فرض هيمنته على النساء. احدى هذه النساء هي (ام شارب) مشيراً بشاربها الى رجولتها رغم جمالها. امرأه في الخمسين من عمرها تدعى (نجمة) فقدت زوجها منذ ثلاثون عاماً ومازالت تنتظر عودته للتخلص من شاربها والعيش بسلام رغم ادراكها التام بانه (شهيد). تدور الاحداث في ليلة العيد مع طرق باب لم يطرق منذ زمن بعيد

هو : يدخل هو يحمل باقة ورود جميلة.

نجمة : كيف تدخل بيتي وقلبي لم يأذن لك بالدخول؟

هو : الملائكة لا تحتاج الى قلوبٍ يستأذنوها.

نجمة : ملائكة ؟

من خلال هذا المشهد نلاحظ وجود دخيل على حياة (نجمة) محاولاً مساعدتها على التخلص من همومها والدخول لها من ثغرة حلمها الوحيد بعودة زوجها ( الشهيد)، هنا نستدرك كمية الالم الذي تشعر به الزوجة من خلال التشبث بأي شيء يعيد لها زوجها. مع ملاحظة شخصية (هو) يتمثل بالعديد من الاشخاص الدخلاء في حياة الف نجمة وقمر في ارض الحروب، شخصاً يحاول استغلال هذه المواقف لاشباع رغباته المادية والنفسية، محاولاً استغلال احتياج النساء لرجل في حياتها لتتمكن من العيش بلا (شارب) ولا عضلات، نساء تبحث عن ذاتها الانثوية وسط مجتمع ذكوري.

يبدأ (هو) بوعده لها بان زوجها سيعود في هذا العيد ولن ينتهي العيد حتى يكون زوجها معها مبيناً بأنه (فتاح فال). ويبدأ باستغلال ضعفها للوصول الى هدفه مستغلاً حلمها بعودته الى بيتها وحياتها. واول شرط يطلبه منها جمع ملابسها وحاجاتها ليرمي بها في ماء النهر لكي ييطل السحر الذي يمنع رجوعه لها.

نجمة : وابقى بدون عباءه؟

هو : عندما يعود سيملأ بيتك بالشرف.

نجمة : واضل بلا ثياب ؟

هو : لا تقلقي عندما ياتي سيجلب لكِ ثياباً من حرير وسندس واستبرق وهي ثياب اهل الجنة كما تعلمين.

ويبقى مستمرا بشروطه عليها لكي يعود زوجها مستغلا ضعفها وحلمها المستحيل برجوعه طالبا اياها الاستغناء عن بيتها الذي جمع ذكرياتها واحلامها المكان الذي يحميها من ذكور الشارع. محاولاً اقناعها بان الشارع سيكون مكان امن لها وزوجها لن يتأخر بالعودة اليها، تركت البيت بكل ما يحمله من ذكريات وسكنت الشارع. ولكن للاسف لم يكن هذا هو الشرط الاخير. ما هي الا لحظات ونلاحظ عودة (هو) من جديد وبالرغم من كل خاساراتها تبقى متمسكة بامل اصبح مستحيل ولكنها تتمسك به لعودة زوجها (الشهيد) رغم يقنيها بانه لن يعود لكن خسارتها لكل شي لاتعادل خساره عقلها الذي جعل منها فريسه للاستغلال. حتى ينتهي بها المطاف بشرطٍ ثالث. وذلك بالتخلي عن نفسها التي حاولت لثلاثون عاماً الحفاظ عليها بعيدة عن كل العيون بغلقها باب حياتها وانتضار الموت. قدمت نفسها قرباناً لرجوع زوجها. والتخلص من شاربها الذي ملأ وجهها وانهك حياتها واثقل جسدها، لكنها خسرت كل شيء بسبب اشخاص استغلوا هكذا نساء ابشع استغلال .

هو : سيأتي ، نعم سيأتي، ولكن ليس في هذا العيد بل في العيد القادم!!!

(تصرخ نجمة بقوة في فضاء الشارع)

هذا هو حال الآف النجمات في ارضٍ ملئت بالحروب والشهداء، ضحوا بشبابهم وانفسهم من اجل ارضاء اشخاص جعلت من ارض الحب والسلام ساحة معركة، ونساء عاشت مجتمعات ذكورية استغلالية. اصبح الحفاظ بها على القيم الاساسية امراً بالغ الصعوبة والاهمية

Related Articles

Back to top button