مهرجان المسرح العربي ال 16…“نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي”محور مداخلات اليوم الأول من الندوة الفكرية/بشرى عمور

تحت شعار: “نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي” انطلقت اليوم الأحد 11 يناير 2026 فعاليات الندوة الفكرية الملتئمة ضمن فعاليات الدورة السادسة عشر من مهرجان المسرح العربي (دورة القاهرة 10 ـ 16 يناير 2026). وتطرح الندوة على مدار يومين 12 بحثا استخلصت من مسابقة نظمتها الهيئة العربية للمسرح وشكلت لها لجنة علمية لتحكيم تكونت من: أ. د. أبو الحسن سلام/ مصر، أ. د. عبد الرحمن بن زيدان/ المغرب. وأ. د. محمد المديوني/ تونس.
كما كلفت الهيئة مجموعة من الباحثين العرب للمشاركة في التعقيب على هذه الأوراق البحثية في الندوة، في سبيل إثراء المضمون والمحتوى.
وعليه، شهد اليوم الأولى الجلسة الافتتاحية (مفتتح معرفي ) تحدث فيها كل من:
- الكلمة الافتتاحية: د. يوسف عايدابي (السودان)
- مفتتح معرفي: أ. د. أحمد برقاوي (فلسطين)
نمدير الجلسة: د. محمد سمير الخطيب (مصر)
ثم تلتها الجلسة الأولى تحدث فيها كل من:
د. محمد نوالي/ المغرب حول موضوع: النقد المسرحي العربي في مفترق طرق المناهج والتجارب”:
محور الخصوصية المفتقدة في النقد المسرحي العربي، والإطار العربي لمدارس النقد العربية وعيب التنظير والتطبيق
يفترض الحديث عن النقد المسرحي من خلال قضاياه الموضوعاتية والمنهجية وعياً بإشكالياته وتعالقاته، ومنها ما هو نابع من طبيعة المسرح ذاته ـ وهي كثيرة إلى حد أنها دفعت بعض الباحثين إلى وصف المسرح بالفن المفارق paradoxe، ومنها ما يتعلق بالنقد المسرحي عموما. فهذا النقد يفتقد المنهج النقدي الذي ينبع من الخطاب المسرحي ذاته هذا رغم عراقة المسرح في الآداب الأوروبية، وقدرته على استيعاب أشكال الحداثة الأدبية والنقدية. إذ استفاد النقد المسرحي المعاصر من مختلف النظريات والمناهج النقدية في مقاربة موضوعات المسرح. وغالبا ما حصل ذلك من خلال ما عرفه المسرح ذاته من انفتاح سمح له بالتفاعل مع الحركات التجريبية والطليعية. وهو الذي غيَّر الكثير من المفاهيم والمنظورات المتصلة به. ويرجع ذلك إلى طبيعة المسرح الذي يجمع بين ما هو أدبي، وما هو ركحي منجز في لقاء حي بتواطئ مع الجمهور ومشاركته الفعالة.
التحول في المسرح فضاء الكتابة وفضاء العرض
نزع المسرح في العصور الحديثة إلى تأسيس أنطولوجيته بالاستقلال عن عالم الأدب عبر نسق فلسفي وجمالي. وقد كانت البداية مع ظهور فن الإخراج والممثل، والبحث في أشكال المتعالي الثقافي وأخذه قاعدة تعبيرية مشتركة بين جميع الأمم والثقافات، كما يتجلى الآن في تجربة مسرح الأودون I.S.T.A. وعليه، كان ضبط العلاقة بين ما ينتمي لتاريخ الدراما ونظرياتها ونقدها، وبين ما ينتمي لتاريخ المسرح من بين التحديات التي تواجه الناقد المسرحي.
لقد بدا المسرح في ملحمته المعاصرة وكأنه يريد أن يتملص من مجال الأدب، وهيمنة النص المسرحي المكتوب ضمن أعراف درامية أدبية جعلته يتربع على عرش الأدب طيلة قرون عدة، ليستقر في مجال الفرجة، ويستمد منها ملامحه النظرية الفرجوية، تسنده أحلام أنثروبولوجية طوباوية تتمثل في العودة إلى الأصول.
وتجلى هذا الأمر واضحا في تنظيرات رجال المسرح ونقاده ومبدعيه وكتاباتهم. إذ لم تعد نظريات المسرح بأيدي النقاد ورجال الأدب، كما لم يعد المتخيل المسرحي خاضعا لمتخيل المؤلف وحده، بل أصبح المتخيل المسرحي ذا طبيعة مركبة. وكان من نتائج ذلك أن النقد نفسه لم يعد قراءة في نص مكتوب مُعَدٍّ للعرض فقط بل أصبح النقد المسرحي وثيق الصلة بعلم المسرح، théâtrologie وبظروف التمسرحthéâtralité ، وبالإنجاز والمهنية والتجريبية. وهي الملفوظات التي بات منحنى خطاب النقد المسرحي يميل نحوها مؤخراً، ويتبناها تعبيراً منه عن الابتعاد عن المنظورات الجمالية ذات الطبيعة الرومانسية والإيديولوجية الإنسانوية.
كما يمكن أن نلاحظ حجم التغيرات الكبيرة التي مسَّت الكتابة المسرحية في صلبها. في عصر برز فيه المخرجين الكبار. وتأثيرهم على الممارسة المسرحية عموما، وعلى الكتابة المسرحية التي أضحت موجهة بمستلزمات الركح والفضاء المشهدي والسينوغرافي. واكتشاف التمسرح والبعد العلامتي للمسرح وأبعاده السيميولوجية. والانفتاح على أشكال من المسرح غير الأوروبي لاسيما في الشرق الأقصى.. كل ذلك كان له الأثر في تحول الكتابة المسرحية زغير من منحنيات النظر النقدي لها.
ونقول مع جوليان هلتون في تقديمه لكتاب “اتجاهات جديدة في المسرح” “إنّ آفاقاً جديدة قد فتحت أمام المسرح في الوقت الحاضر فيما يتعلق بتوظيف نظريات مثل نظرية النسبية ـ التي أطاحت تماماً بكل المفاهيم الثابتة التي كوناها عن المكان والزمان ـ وذلك بناء استعارياً يتميز عن المنطق الملازم للمسرحية الكلاسيكية كما وضعه أرسطو. وهكذا تم التشكك في المفاهيم الدرامية التقليدية مثل مفهوم الحبكة التي لابد وأن تكون خطية منطقية، وخاضعة لمبدأ السبب والنتيجة، ومفهوم الشخصية التي لابد وأن تكون ذات طبيعة أخلاقية تعليمية، وحتى مفهوم الرسالة الدرامية التي من المفترض فيها أن تكون حقيقية جوهرية،.”
وعليه، فإن بنية للنص الدرامي الكلاسيكي باتت عرضة للتفكك، مُفسحة المجال للتركيب والتوليف والتشتت. وكان نتيجتها فقد النص الدرامي الكثيرَ من ملامحه البنيوية الموروثة عن الكتابة الدرامية الكلاسيكية، في ظل الحركات التي قذفته في هوة التجريبية التي لا قرار لها. وقد ساهمـ خفوت تأثير الفلسفات وتقويض دور المؤلف المسرحي، ومنها الفلسفات المثالية والواقعية والوجودية على المسرح مع انتهاء عصر الفلسفات والسرود الكبرى مقابل بروز دور معلمي المسرح ورجاله وصانعي الفرجات، من الذين اشتغلوا على عوالم الركح وجمالية الفضاء والسينوغرافيا وعلى جسد الممثل وطاقاته. ومنهم آدولف آبيا، غريتج، مايرهولد، غروتوفسكي، سافاريز، باربا، منوشكين وغيرهم.
كما أن الكتابة المسرحية أصبحت متشذرة كالشهب الاصطناعية بتعبير ميشال كورفان المرجعية الفلسفية والفكرية. في ضوء تنامي سلطة المخرج، ورجال المسرح ،وصانعي الفرجة مقابل خفوت دور المؤلف الدرامي الذي كان المتحكم في زمام العمل المسرحي. ومحاولة تدمير النص الخالد بإعادة تشكيله فرجويا ومحوه دراميا. كما فعل جواد الأسدي مع مسرحية هاملت : انسو هاملت”
وتأكد ذلك منذ أن بدأ المسرح يحدّث قواعد ممارساته وخطاباته بشكل جذري. ومنذ أن بدأ يتجه أكثر نحو الارتباط بفنون فضائية وجسدية من إنارة، ولباس، وأزياء، وتشكيل فضائي سينوغرافي، ولغات الجسد وبلاغته، وغير ذلك من لغات الخشبة وأصواتها المختلفة، متعددة الأنساق.
ومنذ أن بدأت تروج في خطاباته التنظيرية، والتجريبية، والنقدية ملفوظات تقنية وثقافية أنثروبولوجية من بروكسمياء proxémie، وكينيزية kenisie ، وفرجة، وفرجوي، وعلم الجسد، والتشكيل الفضائي والسينوغرافيا.
ومنذ أن استظل كبار الكتاب المسرحيين بالوعي بخصوصية الكتابة الدراماتورجية، وبالتمسرح في النص المسرحي. “فشكسبير مثلا ترجع عبقريته إلى مهاراته المسرحية غير المحدودة، فقد عاش حياة المسرح بين كواليسه وعلى منصته، ولم تقتصر تجربته على التأليف والكتابة، وشعره البديع الذي كتب به مسرحياته هو عمل درامي عظيم وليس مجرد إبداع أدبي، فقد تفسده الترجمة مثلا، لكنه يظل قادرا على التأثير المسرحي في جمهوره بصرف النظر عن اختلاف الزمان والمكان.”
أ. أحمد محمد علي السيد/ مصر حول موضوع:” الخصوصية والاغتراب في قراءة المسرح العربي”:
“جدلية التأصيل والانفتاح في الفكر النقدي المسرحي العربي، نحو رؤية تكاملية”
يحتل النقد المسرحي مكانةً مركزية في بنية الثقافة العربية الحديثة، إذ يشكل مجالًا معرفيًا يتقاطع مع النصوص والعروض من جهة، ومع البنى الفكرية والحضارية من جهة أخرى. وقد ارتبط النقد المسرحي العربي منذ نشأته في القرن التاسع عشر بجدليةٍ معقدة بين التأصيل التراثي والتأثر بالغرب؛ فبينما سعت بعض الاتجاهات إلى استلهام البلاغة والنظم والتذوق الأدبي العربي، انفتحت اتجاهات أخرى على المناهج الغربية الوافدة عبر الترجمة والبعثات الثقافية، حتى أصبحت التبعية التنظيرية للمناهج الغربية سمة بارزة في الخطاب النقدي العربي الحديث.
ومن هنا برزت الإشكالية التي يتناولها هذا البحث، والمتمثلة في ثنائية (الخصوصية والاغتراب):
هل يمكن للنقد المسرحي العربي أن يستعيد خصوصيته الحضارية دون أن ينغلق على ذاته؟
أم أنه محكوم بالاغتراب في ظل هيمنة النماذج الغربية في النظر والتحليل؟
ينطلق هذا البحث من فرضية أن التراث النقدي العربي يمتلك أصولًا قابلة لإعادة التفعيل ضمن السياق المعاصر، لا سيّما في مفاهيم النظم (عند عبد القاهر الجرجاني)، والأثر الجمالي (عند ابن طباطبا العلوي)، والتلقي “المتوسطات القرائية” (عند حازم القرطاجني).
يُوظف هذه المفاهيم ضمن حوار جدلي مع النظريات النقدية الغربية الحديثة، ممثلة في أعمال ريتشاردز، وكروتشه، وياوس، وإيزر، مبرزًا أن العلاقة بين التراث والحداثة تقوم على التكامل والتفاعل، وتشكل أساسًا لبناء مشروع نقدي عربي معاصر يتجه نحو تجاوز الاغتراب الثقافي عبر انفتاح منهجي واعٍ.
ويرتكز المنهج المتبع في هذه الدراسة على المقارنة التحليلية والمنهج الفينومينولوجي التاريخي، مع الاستعانة برؤية المنهج التكاملي كما بلورها عدد من النقاد العرب (شوقي ضيف، نعيم اليافي، سماح أبوالخير) وكذلك نقاد الغرب ( ستانلي هايمن،بايت،رتشاردز وإمبسون،بول ريكور) لبلورة تصور منهجي يتجاوز الازدواجية القائمة بين النقل الحرفي والاستغراق في الخصوصية.
تعقيب: د. محمد المديوني / تونس
الجلســة الثانيـة
المتحدثان:
د. علي كريم (الجزائر)/ عنوان المداخلة: “من التبعية إلى الإبداع نحو بلورة هوية نقدية مسرحية عربية”
مقدمة: إشكالية الهوية النقدية في المسرح العربي
يواجه النقد المسرحي العربي، منذ نشأته الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر، إشكالية وجودية عميقة تتصل بطبيعة هويته ومنهجيته وموقعه من الخارطة الإبداعية والمعرفية. تتمثل هذه الأزمة المحورية في تأرجح تاريخي عنيف بين قطبين متنافرين ظاهرياً، لكنهما يتشاركان في تكريس حالة من الجمود الفكري. القطب الأول هو التبعية المطلقة للمناهج والنماذج الجمالية الغربية، حيث يتحول الناقد إلى مجرد حارس للمعايير الأوروبية، يقيس بها إبداعات واقعه المحلي، فيصدر أحكاماً معيارية تتراوح بين الإشادة بالتقليد المتقن والتنديد بالخروج عن “الأصول” الأرسطية أو الشكسبيرية. أما القطب الثاني، فيتمثل في ردود الفعل الرافضة التي، في سعيها لتأكيد “الأصالة” و”الخصوصية”، تسقط في فخ الانغلاق على الذات، أو الحنين الرومانسي لماضٍ متخيل (النوستالجيا السياسية)، رافضةً أي حوار نقدي مع منجزات الحداثة بوصفها “غزواً ثقافياً”.
تطرح هذه المداخلة فرضية أساسية مفادها أن بلورة هوية نقدية عربية مبدعة، مستقلة، وفاعلة، لا يمكن أن تتحقق عبر القطيعة التامة مع الآخر أو الذوبان الكلي فيه. إن الطريق نحو هذا التحرر المعرفي يكمن في بناء موقف نقدي مركب، قادر على ممارسة ما أسماه المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي بـ “النقد المزدوج” (Double Critique). هذا المنهج لا يكتفي بتفكيك الهيمنة المعرفية للغرب وخطاباته الاستشراقية، بل يوجه، في الوقت ذاته وبنفس الصرامة، نقداً داخلياً للذات، مساءلاً بنياتها الفكرية التقليدية، وخطابات “الاستعمار الذاتي” (self-colonization)، وميولها نحو تقديس التراث أو تبني دور الضحية الأبدي. إنها دعوة للانتقال من النقد كـ “رد فعل” إلى النقد كـ”فعل” تأسيسي مستقل.
ولتحقيق هذا الهدف، ستتبع المداخلة مساراً تحليلياً منظماً. سنبدأ في الجزء الأول بتشخيص الجذور التاريخية لهذه التبعية، عبر قراءة نقدية لسياق نشأة المسرح العربي الحديث وعلاقته باللقاء الكولونيالي. وفي الجزء الثاني، وهو الجزء المحوري، سنقوم بتفصيل الإطار النظري لـ”النقد المزدوج”، مستعينين بشكل أساسي بالأدوات المفاهيمية التي طورها مفكرون ما بعد كولونياليون عرب، وعلى رأسهم عبد الكبير الخطيبي، مع إغناء هذا الطرح بأفكار المفكر والمؤرخ عبد الله العروي حول ضرورة “القطيعة المعرفية” وتبني “التاريخانية”، ورؤى عالمة الأنثروبولوجيا ليلى أبو لغد حول دور المثقفين كـ”مرشدين للحداثة”. أما الجزء الثالث، فسيحاول تطبيق هذا الإطار النظري على ممارسات مسرحية ونقدية معاصرة، لاستكشاف تجلياته العملية. وأخيراً، ستخلص المداخلة إلى استشراف ملامح مستقبل نقدي عربي تعددي ومبدع، يتجاوز الثنائيات القاتلة نحو ممارسة نقدية حوارية ومنفتحة.
د. زهور بن السيد (المغرب)/ عنوان المداخلة: “واقع النقد المسرحي العربي ورهانات تطويره وترسيخ خصوصيته”
جهود تحديث النقد المسرحي العربي تحت المجهر النقدي.
مقدمة: في سؤال النقد المسرحي العربي
استطاع النقد المسرحي العربي أن ينتزع حضوره في الساحة النقدية العربية بصفة خاصة والعالمية بصفة عامة، ويثبت وجوده بما راكمه من دراسات وأبحاث ومقالات نقدية على مستوى التنظير والتطبيق، وعلى مساحة زمنية طويلة يرجح النقاد أنها تعود إلى البدايات الأولى لظهور المسرح بشكله الأوروبي في الوطن العربي.
إلا أن النقد المسرحي العربي، ومع ذلك، يطرح العديد من الأسئلة ويتصف وضعه بالإشكالي والتعقيد، فهو في كثير من نماذجه يتسم بغموض الإطار المعرفي والمنهجي أو ضعفه، والتباس المفاهيم والمصطلحات النقدية المأخوذة من المرجعيات الغربية، والتفاوت بين التنظير والتطبيق، إضافة إلى التفاوت بين الإبداع المسرحي الذي أسس وجوده وخصوصيتة، وممارسة نقدية تأخذ معظم أدواتها من المرجعيات والنظريات الغربية، ناهيك عن المستجدات الكبرى التي يشهدها العالم، والتي خلخلت الثوابت وسرعت إيقاع التطور خاصة في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة التي أثرت على مختلف مراحل المسرح إبداعا ونقدا. فقد أمدت المبدعين والنقاد بوسائل جديدة وهائلة مما يمكن استثماره في العمليتين، الإبداعية والنقدية وفتحت مساحات واسعة للنشر في غياب رقابة نقدية صارمة.
ومن هنا فإن هذا النقد، وكغيره من الممارسات النقدية في العالم، يحتاج إلى التفكير النقدي به، وإلى آلية معرفية ابستيمولوجية، تساهم في إنتاج معرفة علمية به، تراجع تراكمه وبرامجه ومناهجه وأهدافه وتستشرف آفاقه.
إن الاشتغال على موضوع النقد المسرحي العربي، نابع من طبيعة الأسئلة التي يثيرها، ومن هاجس إنتاج معرفة نقدية حول النقد المسرحي العربي، تسير في اتجاه تنظيمه وتطويره.
وهكذا تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية، تتعلق بالوضع الاعتباري للنقد المسرحي العربي، واقعه بما فيه مكامن قوته ومكامن ضعفه وإشكالاته ومعضلاته، وآفاق تطويره وإمكانية تأسيس مشروعه النقدي الخاص به.
وتتفرع عن هذه الإشكالية، مجموعة من الأسئلة التي توجهنا في البحث، وتمكننا من تشخيص واقع النقد المسرحي العربي في حصيلته الكمية والنوعية وممكنات تطويره. وهذه الأسئلة هي كالتالي:
ـ ماهي حدود المتحقق من النقد المسرحي العربي، وقدراته في إنجاز مقاربات نقدية تراعي مقومات العمل الإبداعي المسرحي وخصوصيته (النص والعرض)؟
ـ وما هي الإشكالات والمعضلات التي تعوق تطور النقد المسرحي العربي، وتحول بينه وبين تأسيس خصوصيته؟
ـ وكيف يمكن أن نطور الممارسة النقدية المسرحية في اتجاه بناء مشروع نقدي مسرحي عربي، يراعي سياق الإبداع المسرحي العربي وخصوصياته، ويقوم على أسس علمية وابستيمولوجية ومنهجية عالمية؟
وبناء على ما سبق، ولبحث هذه الأسئلة، سنعالج موضوع النقد المسرحي العربي من الزوايا التالية:
واقع النقد المسرحي العربي
إشكالات النقد المسرحي العربي ومعضلاته
آفاق النقد المسرحي العربي ورهانات تطويره وتأسيس مشروعه النقدي
أما المنهج الذي سأتبعه في هذه الدراسة، فهو المنهج الوصفي التحليلي لما يتيحه للباحث من أدوات إجرائية تسعفه في إنجاز بحث علمي على موضوعه، إذ يستهدف وصف الظاهرة المدروسة وفهما وتفسيرها من منطلق تحديد الإشكالية، وصياغة الأسئلة وتحديد الفرضيات، وجمع المعطيات وتنظيمها وعرضها وتحليلها ومناقشتها، والتوصل إلى نتائج موضوعية حولها.
الكلمات المفتاحية: النقد المسرحي العربي ـ نقد النقد المسرحي ـ مشروع النقد المسرحي العربي
التعقيب/ د. شمس الدين يونس/ السودان
الجلسة الثالثة:
المتحدثان:
د. أمل بنويس (المغرب)/ عنوان المداخلة : نحو وعي مركب النقد المسرحي العربي : من التنظير إلى المرافعة”
المحور الفرعي الناظم:
الخصوصية المفتقدة في النقد المسرحي العربي، والإطار العربي لمدارس النقد، وعيب التنظير والتطبيق.
يتتبع هذا البحث مسار النقد المسرحي العربي منذ لحظة التأسيس إلى اليوم، مبرزًا ازدواجيته بين الوعي التنظيري المتأثر بالمناهج العالمية والبحث عن شرعية محلية تؤصّل خصوصيته. ورغم ما راكمته الخزانة العربية من مفاهيم وإجراءات أغنت النقاش النقدي وأسهمت في إدماج قضايا الإبداع وشروطه وأشكاله ضمن التداول الأكاديمي، فإن هذا الغنى ظلّ يعاني من ضعف في التطبيق والأجرأة، مما جعل خصوصية النقد العربي تبدو مأزومة أكثر منها مفقودة.
فقد اصطدم التنظير الإبداعي، لفترة السأو في تعميم تينيات والسبعينيات، بحدود الطوباوية الإيديولوجية، في حين حاولت الدراسات الجامعية تقعيد الممارسة وإغنائها بمفاهيم إجرائية، دون أن تنجح في توحيد الخطاب النقدي أو في تعميم أدواته. ومع بداية التسعينيات، أدى إلانتقال من فضاي الهواية إلى فضاء الإحتراف ومأسسة المسرح إلى تحولات عميقة في انتظارات النقد، خاصة مع انفتاح المبدعين الجدد على جماليات الأداء والوساطات الرقمية. في ظل استمرار توظيف التراث وإحياء الأشكال الفرجوية التراثية، الذي أصبح يتم غالبا بتوجبه من السياسات الثقافية وآليات الدعم الوطني، أكثر مما هو استجابة تلقائية لتنظير شمولي.
من هنا، لا تطرح هذه الورقة “فقدان الخصوصية” بوصفه عجزا تاما، وإنما باعتباره أزمة تفعيل: أي قصور النقد في تحويل تراكمه النظري إلى جهاز حي قادر على مساءلة العروض في بعدها الجمالي والسياقي معا. وتخلص إلى أن بناء خصوصية نقدية عربية اليوم لا يكتمل إلا عبر وعي مركب، يدمج بين التحليل الجمالي والرهانات السياسية والاقتصادية والحقوقية والثقافية، بما يضبط الظاهرة الإبداعية وما يتوارى خلفها، ويمنح النقد موقعا فاعلا داخل المشهد المسرحي العربي والكوني.
كلمات مفتاحية:
النقد المسرحي ـ الخصوصية ـ التنظير ـ التطبيق ـ الاجرأة ـ الاقتصاد الإبداعي ـ السياسات الثقافية ـ حقوق ـ التحولات الجمالية….
د. كريمة بن سعد (تونس)/ عنوان المداخلة: “التأسيس المنهجي في النقد المسرحي العربي:من التنظير إلى التطبيق
المحور: الحضورية المفتقدة في النقد المسرحي العربي
تبقى العديد من الحقول المعرفية عصية على الفهم، وبعيدة عن الإدراك، وذلك بسبب غياب الضوابط المفاهيمية، والمصطلحية، والدلالية التي تساعد على رفع اللبس على هذه الحقول، وتعين على تسليط الأضواء على عتماتها، وتوسع دوائر معانيها، وتجعل الباحث أقرب من كل المنظومات الفكرية، والفنية التي تزيل كل العراقيل عن كل فعل قرائي، وتخصّب مجالات الاشتغال والبحث بكل ما يكون سندا معرفيا يفتح مغالق القضايا المستعصية على الفهم والإدراك، لاسيما ما يتعلق بمجال العلوم الإنسانية، وكل الأجناس الأدبية، والفنية وخاصة المسرح.
تمثّل هذه الكلمات المفاتيح عنصرا حيويا من أجل الفهم، لإعطاء الموضوعية عمقها في البحث، دون تجاهل دورها الدافع لبناء المعرفة والتوجه نحو الأمام، وإنها أساس صياغة المصطلحات، والمفاهيم، إما وضعا، أو نحتا، ومن هنا نُعوّل على تقديم العديد من هذه المصطلحات (في الفصل الأول من البحث) التي تهم مجال البحث ويختلف حولها الباحثون، والنقاد وهو يسعون إلى إنتاج خطاباتهم في مجال اشتغالهم، ويسعون إلى توطينها في سياقهم الثقافي، دون الابتعاد عن خصوصيات المجال الذي يتحركون فيه.
لقد انتبه النقاد إلى القيمة المعرفية لهذه المصطلحات، واعترفوا بقيمتها، وبحثوا ـ أثناء غيابها ـ عن كيفية الدخول في مغامرة تأسيس ما يرونه مناسبا لكل قيمة تزيد المعرفة ثباتا، ومكانة في الفعل القرائي، وهو ما من شأنه أن يغير المناهج، ويحدد اشكال المقاربات النقدية لكل الأجناس الأدبية والفنية. جميع هذه العمليات القرائية كانت تنتج قراءتها بالجهاز المعرفي القائم على المصطلحات، وعلى المفاهيم، وعلى كيفية توظيف هذه المفاهيم بالشكل الذي يستجيب لإستراتيجية القراءة المعتمدة على العوامل الخارجية في تفسير الأدب. لكن مع مطالع القرن العشرين لاحت في الأفق المعرفي ذي العلاقة بالمناهج النقدية، ثورات على المناهج السابقة الموروثة، وترسخت أقدام الاتجاهات الجديدة للنقد اعتمادا على الدعوة إلى قراءة الأدب، والفنون من الداخل، أي الاعتماد على الثورة على القديم لبناء المغاير، والاعتماد على الرؤية الجديدة للممارسة النقدية اعتمادا على العلوم الحديثة وبخاصة علم اللغة العام، أو اللسانيات، وما تركه الاتجاه الألسني من آثار في تحليل النصوص مع الشكلانيين الروس، الذين بحثوا عن الخصائص التي تجعل من النتاج الأدبي أدبا، أي البحث عن البنية الحكائية، والأسلوبية.
هذا ما قدم به الدكتور عبد السلام المسدي بعض المفاراقات التي تحكم النقد في الوطن العربي وفي الغرب، وأبرز كيف أن هذا الغرب سيظل مرجعا لكل تحول في التعامل مع العلوم الإنسانية، وانتقد غياب الغايات الإجرائية ذات المرامي التحويلية التي تحول المجتمع المُفرز للأدب وتجعل منه مجتمعا مثقفا، ومفكرا، يأخذ، ويعطي، ويتفاعل بوعي مع كل المصادر، والمراجع الثقافية الرائجة في العالم. وفي تأكيده على سلطة النقد والمعرفة في المجتمع يقدم صورة هذه العلاقة قائلا : ” ولئن بقيت جل الممارسات النقدية الحديثة عند العرب سجينة الأخذ، محظورا عليها العطاء فما ذلك إلا لافتقارها إلى بعدين :بعد نقدي وبعد أصولي، فأما انعدام البعد النقدي فتفسره غلبة المناحى المذهبية في التيارات النقدية الحديثة، وهي ظاهرة يخصب بها الإفراز العقائدي وتشُل بها، الرؤية الفردية الواضحة، فإذا بالخلق ذوبان عمل الفرد بين أصداء وصايا المذهب الأمّ، وأما انعدام البعد الأصولي فلا مراد لها إلا الحواجز القائمة بين مصادر التفكير عند العرب ولاسيما المحدثين منهم، وأكبر حاجز آثم كاد يطغى على تاريخ الفكر العربي هو ذاك الذي قام بين الفلسفة والنقد، بل و لفلسفة المناهج نفسها، فقصر بذلك النظر ” الأصولي الإبستيمولوجي” فكان لزاما أن ترجح كفة الأخذ كفّة العطاء”
إن هذه الإشكالية التي حدد معالمها، وزوايا النظر إليها الدكتور عبد السلام المسدي تبقى ذات صلة بالنقد العربي ـ بعامة ـ والنقد في تونس ـ بخاصة، وقد تمتد آثاراها حتى تصل إلى الأجناس الأدبية وما تعرفه من تطور بفضل العلاقة الجدلية بينها وبين النقد. لقد صارت التغيرات في الأجناس الأدبية، دافعا قويا للمناهج النقدية كي تعيد النظر في شكل قراءتها لهذه الأجناس، وصارت الأنواع الأدبية عاملا مساعدا على تكوين مناهج نقدية تستجيب لهذه التحولات، ولنا أمثلة عديدة تتعلق بالتحولات التي طالت هذه المناهج تحت تأثير بنيات الكتابة الأدبية، كما أن هذه المناهج لعبت دورا هاما في إثارة الإنتباه إلى شعريات الإنتاج الأدبي بكل مكوناته التي تجعل منه أدبا.
لقد كان الغرب مصدر كل المصطلحات النقدية الفنية خاصة في علاقتها بالمسرح والفنون، ومصدر كل المفاهيم التي تشكل القوة الدلالية لكل مصطلح أُريد إيجاده لفعل القراءة، وترسيخه في سيرورة الإبداع المسرحي في الوطن العربي، لكننا ومع كل المحاولات نجد غيابا قويا للمناهج النقدية الجديدة، ونجد غيابا للمصطلحات، كما نجد تخبطا في ترجمة المصطلحات النقدية، أو وضعها، وهو ما يدفعنا إلى محاولة وضع بحثنا في سياقه الإشكالي، لا سيما حين يتعلق الأمر بالظاهرة المسرحية الطارئة على الثقافة العربية، ويتعلق الأمر بشبكة العلاقات التي نسجت وجود هذا المسرح وصاغته بمفاهيم مختلفة، وهذا ما طرح إشكالياته الناقد عبد الرحمن بن زيدان محدد قضايا المنهج، وقضايا التنظير في النقد العربي.
إن البحث عن نظرية نقدية مسرحية عربية مسألة تستوجب النظر والبحث، خاصة في ظل التجاذبات الفكرية حول وجود نقد مسرحي عربي، أو غياب له، أو إقرار بأزمته في أفضل الحالات. كما أن الغاية من كل هذا الطرح هو العمل على تحديد دلالات ومعاني بعض المصطلحات المتعلقة بمجال البحث، وإظهار التباين الموجود بينها، وكيف كان النقد المسرحي العربي ومعه النقد المسرحي التونسي يتأسس بهذا التباين، وهذا الاختلاف حيث كلما تعمقت المسافات المعرفية بين النقاد كلما زاد الموضوع استشكالا، ومن كل استشكال نريد أن نجعله مدخلا لفهم هذا الاختلاف، وضبط خرائطه وذلك بالرجوع إلى تعريف المصطلح كما عرفته معاجم المسرح، والمقارنة بينه وبين المفاهيم السائدة حوله في السياق النظري المسرحي العربي. وذلك من أجل ضبط الدلالات الابستيمولوجية والاستيطيقية والمفاهيمية للكلمات المفاتيح. ثم التوجه نحو البحث في واقع النقد المسرحي في العالم العربي باعتماد تونس كمثال ونموذج للبحث. فمن خلال رصد هذا الواقع يمكن تبين إشكاليات النقد المسرحي العربي وبالتالي البحث عن فرضيات من أجل تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي.
المعقب : أ. د. عبدالرحمن بن زيدان (المغرب)



