مقالات

كيف تدار ذائقة الجمهور؟ /د. نورة العتال

كان مسرح راسين بعد الثورة الفرنسية 1789 – الكلاسي قد أصبح أسطورة يدعمها الكثير من الفلاسفة والفنانين في ذلك العصر، الا أن أمرا طارئاً جاء ليهز هذا الصرح الشامخ الذي اعتز به الفرنسيون

وكذلك فعل شيللر يجهد في انشاء مسرح قوى يكون فيه من لهيب شكسبير بألمانيا مع مساعي جوته فى الحفاظ على كيان مسرح قوى أداره كمسرح دوقية وسيمار بألمانيا بإيعاز وتكليف من الدوق كارل أو جست لمدة خمسة وعشرون عاماً حتى جاء الوقت الذي تقرر عرض مسرحية ناحجة ذات جماهرية عالية على مسرح يديره واحداً بمكانة جوته، العرض القوي الغريب الذي كان بطله كلباً مدرباً دو مهارة عالية في الأداء!

فأن تكون البطولة المسرحية لكلب لم ترق أبدا لجوته، فقد قدم استقالته فورا واعتبرها المؤرخون نادرة طريفة والبعض الآخر اعتبر استقالته هذه غير مبررة، فهل كانت ردة فعل جوته تجاه قرار العرض محقة؟

فقد نرى ألارديس نيكول غير هذا حيث قال :” رغم أننا ننعطف تلقائيا إلى موقف جوته فإن الحق يبقي مع المؤلف فهو أدرى من جوته بطبيعة العصر”

هل كان الحكم في  العصر أم بذائقة الجمهور في ذلك الوقت؟ وخاصة أنه تعود مراراً  على مشاهدة عروض يمثلها نجوما كباراً لمسرحيات وأعمال أدبية عظيمة كأعمال مولير، وشكسبير ، وشيللر، وراسين، وکورنی. فكيف يأتي اليوم الذى يتقبل نفس الجمهور ان يكون بطل عمل يعرض هذه الليلة لكلب مدرب على التمثيل؟ هل كان  هذا العرض بداية لعصر الجماهير التي تغيرت ذائقتها ودفعها الفضول لمشاهدة عرض جديد يشبه السيرك؟؟

لقد كان جمهور جديدا يتطلع إلى تحقق شعارات الثورة “حرية ، إخاء، مساواة”، بينما جوته الألماني كانت تهمه القيمة الفنية أكثر ..، وأن يحافظ على ترات المسرح اكثر من اي شيء آخر .

والغريب انه بعد عرض هذا العمل الذي كان  لجيلرت دي  البيييكيريور  الذى كتب هذا العمل الذي حمل عنوان (كلب مونتا جريس ) قُدر له أن يكون أشهر كُتاب النصف الأول من القرن التاسع عشر و يصبح المنافس الأول لوليام شكسبير بعد أكثر من مائتي عام من احتلال الاخير لعرش التراجيديا في العالم، كانت حجة هذا الكاتب أنه كان يكتب لجمهور الشباب في ذلك الوقت الذي لا يقرأ ؟ فهل كان حقاً  جمهور الشباب آنذاك لايقرأ ايضا؟

وبهذا  الذكاء الفني لبيكسبيويور  أصبح ملكاً أو خلفاً بنظر النقاد وجمهور ذلك العصر لعرش الميلودراما، وغدا هذا النوع من الفنون التعبير الأساسي لروح وذائقة جمهور ذلك العصر الذي كان يتطلع لروح متجددة فالعروض مختلفة وأكثر مرحاً وتشويقاً ومختلفة عن دموية هاملت، وغيرة عُطيل، فلم تعبأ الجماهير بإستقالة جوته بينما فرحت وأشادت بجماهرية وبراعة الكاتب الجديد، فلم يغفر الجمهور استعلاء جوته، ولم تستطع أن تغفل عينها عن فن جيد وجديد  يمكن أن يُمثل له على الخشبة، ويشعره بالرضا على حساب القيمة الفنية أو موروثات المسرح التليدة، ولكن الشي الجيد انه و رغم نجاح هذا العمل جماهيريا إلا أنه مع الزمن قد لفه النسيان، فلم يعد أحد يتذكر ذلك الكاتب المغمور بينما خلّد التاريخ شكسبير الذي انتصر بعبقريته على كل هؤلاء المنافسون له وذلك لأنه كتب للإنسان في كل مكان و وضع فى فنه شيئا أكبر بكثير من مطالب الجمهور ومراعاة ذائقته الوقتية، الا وهو كتابة أعمال بها من العبقرية الفنية وقربها من إلى حياة الإنسان وطبيعة نفسه المعقدة المُلغزة .

 

Related Articles

Back to top button