مقالات

علبة كبريت.. هل نحن أعوادها؟/ ياسر أسلم

في الليلة الأخيرة من مهرجان دبي للفنون الأدائية قدّمت فرقة مسرح العين عرضها “علبة كبريت” في فضاء خارجي مفتوح، لكن العرض سرعان ما التهم هذا الفضاء.. والتهم الحضور بدهشته وحرارته. وبعد انتهاء العرض، وجدتُ نفسي أصعد إلى الخشبة مصافحًا الفريق الذي اعتبرني جزءاً لا اتجزأ منه، ممتنًا، وممتلئًا بمحبة صادقة، قائلاً لهم: “لقد أعدتم لي الشغف.”

هذا الفضاء الخارجي الذي تحوّل إلى مدينة كاملة؛ مدينة يشكّلها الفقر، وتعيد صياغتها السلطة، ويعيد تمثيلها أولئك البشر الذين يعيشون في أطراف الصورة. قدّم المخرج مازن الزدجالي نصّ محمد صالح السيدي في قراءة بصرية جميلة، حيث استغل الفضاء بشكل درامي يتحرك، ويتحوّل، ويعيد تشكيل مصائر الشخصيات لحظة بعد أخرى.

اشتغل الزدجالي على مشهدية قائمة على مجموعة من المكعبات، صاغها مع السينوغرافي عمير أنور بدقّة واضحة؛ مكعبات قابلة للرمي، والسحب، والبناء، والهدم، لكنها كانت، في العمق، ترسم هندسة الطبقات داخل هذا العالم. كل حركة للممثلين فوقها أو حولها كانت بمثابة إعادة كتابة لواقع جديد، وكل تكديس لها فوق بعضها كان يصنع هرمًا طبقيًا حيًا يقف “الرئيس” على قمّته، بينما ينحني المتشردون تحت ثقلها. وفي بعض المشاهد، نراهم ينامون فوق هذه المكعبات، ليمرّ الرئيس بينهم وفوق أجسادهم الهشّة، في تجسيد بصري مرعب لثنائية السلطة والخضوع. هكذا تحوّلت المكعبات إلى لغة بصرية موازية للنص، لغة يتداخل فيها اللعب بالعبث، والبناء بالانهيار، والوجود بالعدم.

أما الأزياء، الممزقة والممزوجة بمخلّفات القمامة والمخيّطة بالجرائد، فقد جاءت كعلامة سينوغرافية ثانية؛ ملابس تصرخ بأن أصحابها لا يملكون جلدًا خاصًا بهم، ويغطّون هشاشتهم بما يُكتب عنهم وما تخلّفه المدينة فوق رؤوسهم. ومع حضور موسيقى حيّة صُنعت من أدوات القمامة نفسها -كالأنابيب والعلب والأوعية البلاستيكية- تحوّلت هذه العناصر إلى جزء من السينوغرافيا، فأصبح الصوت امتدادًا للفضاء. وكأن العرض يؤكد أن الجمال، مثل زهرة اللوتس، قادر على أن ينبت داخل مستنقع من النفايات.

ومع ذلك، كان يمكن لهذه الموسيقى أن تكتسب بعدًا دراميًا أقوى لو أُشرك الممثلون داخل مشهدية تتفاعل معها كما تفاعل معهم “الموسيقي” في مشهد ما، أو لو أضيف على لسان أحد المتشردين حوار بسيط مثل:

“ألا يكفي أن هذا لا يعمل معنا؟! حتى يستغل مواردنا ليبني فنًا موسيقيًا تافهًا كما يدّعي!”

عندها كانت الموسيقى ستتحول من عنصر جمالي مدهش إلى حدث درامي يتجاوز الدهشة ويعمّق التوتر ويمنح الصوت وظيفة داخل الصراع نفسه.

ويكتسب المشهد الافتتاحي للمسرحية أهمية خاصة، إذ يبدأ العرض بصوت الجرذان الذي يصنعه الممثلون بأنفسهم؛ صوت أوليّ يسبق اللغة والحركة، كأنه إعلان بأن العالم ينشأ من القاع قبل القمّة، ومن الهامش قبل المركز. ويأتي الحوار المبكر “للجرذان صوت.. مثلما للعود حق” كإشارة رمزية تُساوي بين المهمَّش والمهمل، بين الجرذ وعود الكبريت، فكلاهما يملك حق الوجود وإن كان عمره قصيرًا وهشًا. ومع هذا الاستهلال، يضع العرض المتفرج أمام حقيقة أن الشخصيات، وهي تطارد الجرذ، إنما تطارد انعكاسها الخاص في فضاء لا يمنح أحدًا صوتًا إلا حين يضيع.

أما المبنى التراثي الحقيقي خلف الخشبة فقد استثمره المخرج بذكاء.. كجزء حيّ من الفضاء المسرحي. ظهرت فتحاته المقوّسة وإضاءاته كشرفات طبقة عليا تطلّ من بعيد على عالم المتشردين، لتتحول العمارة الواقعية إلى امتداد درامي للصراع. وكانت لحظات سقوط القمامة من أعلى الشرفات لحظات اكتشاف مؤلم؛ فما يراه المتفرج لا يبدو مؤثرًا بصريًا فحسب، وإنما حياة كاملة تتساقط أمامه على الخشبة. وهكذا يتقدّم العرض نحو المتفرج كواقع يتّسع ليشمل المدينة بأكملها، مؤكّدًا أن المسرح هنا عالم متصل بها لا منفصل عنها.

لم يكن العرض نصًا عن الفقر والمزبلة فحسب، فقد تجاوز ذلك إلى تنصيبة بصرية–فلسفية مكتملة؛ تنصيبة جعلت من القمامة فضاءً إنسانيًا يتنفّس، ومن المكعبات نظامًا سياسيًا قائمًا بذاته، ومن الأجساد سردًا حيًا يعيد تكرار العلاقة الأزلية بين من يملك ومن لا يملك.

يقوم العرض على بنية درامية بسيطة في ظاهرها، معقّدة في طبقاتها الداخلية: شخصان يعيشان على هامش المدينة، يتنازعان على الفتات.. بينما يمارس الزبال ورئيسه سلطة مطلقة على مصيرهما. هذه البنية التي تبدو مألوفة.. صراع على البقاء.. سرعان ما تتجاوز إطار الواقعية لتغدو حكاية عن نظام طبقي كامل يعيد إنتاج نفسه داخل مكب النفايات.

العلاقة بين المتشرد 1 والمتشرد 2 ليست صداقة، ولا خصومة مطلقة؛ إنها علاقة مبنية على التبعية والهيمنة. المتشرد 2 يملك خبرة أكبر وحدبة مختزنة في ظهره، ما يجعله “السلطة الصغيرة” التي تشبه الأنظمة القمعية التي تتوارث أدواتها عبر الألم. أما المتشرد 1 فهو الوجه الآخر للعبة: الضحية التي تريد التحرّر، لكنها تعيد إنتاج العبودية بمجرد حصولها على فرصة. وهنا يشتبك النص مع جوهر العبث، إذ يبدأ الصراع من الداخل؛ من عطب الإنسان نفسه، لا من ضغط الواقع الخارجي

ومن الذكاء أن الصراع لم يُبنَ عبر الحوار فقط؛ بل عبر الجسد والفضاء والمكعبات. كل رمية مكعب، كل تكديس، كل إعادة ترتيب كانت تأخذ شكل صراع آخر بينهما: صراع على المكان، على السلطة، على البقاء، وعلى “علبة الكبريت” بوصفها احتمالًا للحرق أو الخلاص. ومع تصاعد المشاهد، يتحول الصراع من مادّي (على القمامة والشراب) إلى رمزيّ (على الأمل، على الحرية، على من يملك الحق في تحديد مصائر الآخرين).

بلغ هذا الصراع ذروته لحظة دخول الزبال وابنه؛ ففي تلك اللحظة ينكشف المعنى الحقيقي للعرض:

ليس المتشردان سوى خدم لسلطة أعلى، وسلطتهما المؤقتة ليست إلا امتدادًا للقمع ذاته.

ليتحول المتشرد 1، الذي كان يهدّد بإشعال الثورة، إلى عبد جديد يحمل ابن الزبال على ظهره.. في تكرار أبدي لدوامة الصراع.

وهكذا يكشف العرض أن لعبة القوة لا تنتهي: ما ينهار في قاع المجتمع يُعاد بناؤه في القمامة، وما يخرج من يد جلّاد يعود إلى يد جلّاد آخر.

لم تعتمد المسرحية على تعدد الشخصيات بقدر ما اعتمدت على ثقل حضور كل شخصية في بنيتها الداخلية. فالمتشردان، والزبال، وابنه، وزبال آخر، يكوّنون دائرة مغلقة من القيم والسلوكيات، دائرة تعيد إنتاج القهر والاستغلال بصورة مستمرة. غير أن هذا البناء لم يكن ليستقيم لولا أداء تمثيلي قادر على التقاط التحوّلات الدقيقة بين السلطة والخضوع، وبين الوهم والحقيقة. وهنا يبرز الأداء باعتباره القوة المحرّكة لجسد العرض وروحه في آن واحد.

وقد قدّم الممثلون جميعًا حضورًا متينًا شكّل العمود الفقري للعمل:

هزاع المقبالي في دور المتشرد (1)،

سيف اللمكي في دور المتشرد (2)،

أحمد مستهيل في دور الزبال،

مؤيد الشكيلي في دور ابن الزبال،

محمد الحبسي في دور الزبال،

وسلطان العريمي في دور الزبال العازف.

وبرغم هذا التنوّع في الشخصيات، فإن ثقل الأداء توزّع بوضوح بين محورين أساسيين هما هزاع المقبالي وأحمد مستهيل، اللذان حملا الجانب الأكبر من العبء الدرامي للشخصيتين.

أما سيف اللمكي (المتشرد 2) فقد شكّل حضورًا داعمًا لحركة الصراع، ونسج مع المتشرد 1 علاقة متوترة حافظت على تماسك المشهد الثنائي، وأسهمت في إبراز الفوارق الطبقية والنفسية بين الشخصيتين دون افتعال.

قدّم هزاع المقبالي (المتشرد 1) شخصية متقلّبة بين الغضب والانهزام، بين حلم الثورة واستسلام الواقع. ما يميز أداءه هو التجاوب العضلي لملامح وجهه؛ إذ تتحرك ملامحه مع كل كلمة ومع كل انفعال، وكأن جسده يكتب السطر الموازي للحوار. وحتى صوته.. خصوصًا في لحظات الغناء أو ارتفاع النبرة.. كان يحمل اهتزازًا داخليًا صادقًا يكشف هشاشة الشخصية وخوفها العميق من التحوّل إلى نسخة أخرى من المتشرد الثاني.

أما أحمد مستهيل (الزبال) فقدّم قراءة تمثيلية لافتة، لم يكتفِ فيها بإظهار سلطة الشخصية، بل منحها خِفّة ظلّ مرتبكة و”ثِقَلًا خفيفًا” جعل الشخصية أقرب إلى كاريكاتير اجتماعي حيّ. خطواته، وطريقة التفافه حول المكان، وحضوره الصوتي، حملت جميعها توازنًا بين السخرية والجدّ، ما جعل الجمهور يتجاوب معه فور ظهوره. وتُعدّ قدرته على خلق شخصية ثقيلة دون أي افتعال من علامات الممثل الذي يحضر جسديًا ونفسيًا داخل الدور.

وهكذا، وبفضل أداء الممثلين وتوقيع الموسيقى الحية، تحول النص من حكاية عن الفقر إلى تجربة حسية كاملة، يعيشها المتفرج عبر أصوات الارتطام، وتنفس الشخصيات، وموسيقى الخردة الحية، وملامح الغضب والانكسار التي لم تتوقف لحظة عن الحركة.

استند عرض علبة كبريت إلى منظومة رمزية كثيفة تتحرك داخل فضاء مكب النفايات كما لو كانت قوة موازية للنص. وفي قلب هذه المنظومة يبرز الكبريت بوصفه المفردة التي تمنح العرض اسمه، وهويته، ومصيره. فعود الكبريت في النص دلالة على استعارة لوجود الإنسان نفسه: لحظة اشتعال قصيرة تُبهِر، ثم انطفاء مؤكد، يتبعه رميٌ في القمامة. هكذا يُختزل مصير المتشرد 1 والمتشرد 2، وهكذا تتحوّل الحياة إلى شرارة لا تملك حتى حق الاستمرار.

وتعمل القمامة كرمز آخر لا يقل قوة. فهي ليست نفايات مادية، بل طبقة اجتماعية كاملة تعيش تحت طبقات أخرى لا تراها. كل ما يُرمى من الأعلى.. حرفيًا من عمارات الأغنياء.. يسقط على رؤوس من في الأسفل، لتصبح القمامة شكلًا من أشكال السلطة، تُمارِس حضورها عبر الفتات والأصوات والروائح. إنها ترسيم هندسي للطبقية: الأعلى يرمي، والأسفل يتلقى. وهكذا يتحول المكب إلى نموذج مصغر للعالم.

ومع اقتراب العرض من نهايته، تتكشّف الطبقة الأعمق من بنيته الفكرية، حيث يتبيّن أن الصراع لا يدور بين شخصيات متفرّقة، بل داخل منظومة تستنسخ نفسها عبر الجميع.

بهذا الطرح، يقدم العمل واحدة من أكثر القراءات صدقًا وجرأة لعلاقة الإنسان بالسلطة، وللدوامة التي يعيشها الفقراء في عالم يشبه المكبّ، لكنه في الحقيقة نظام واسع يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية. وفي نهاية العرض راودني سؤال: هل نحن أعواد كبريت تشتعل لحظة ثم تنطفئ؟ أم أننا جزء من العلبة نفسها.. علبة يفتحها الأقوى ليحرق من يشاء؟

Related Articles

Back to top button