مقالات

حين يصبح المسرح موسماً… والجمعيات واجهة للفراغ!/ محمد زيات

في مشهدنا الثقافي والمسرحي، لم يعد يخفى على أحد ما تعانيه الساحة من اختلالات صادمة، لعل أبرزها ظاهرة “الجمعيات الورقية”، تلك التي تأسست ـ في ظاهرها ـ لأجل ممارسة المسرح، غير أنها تحولت في الواقع إلى هياكل جامدة، بلا أثر، لا حضور لها في التكوين، ولا مساهمة في الإنتاج، ولا أثر تربوي أو اجتماعي يذكر.

تظل هذه الجمعيات غائبة طيلة السنة، لا تنخرط في أي حركية فنية أو فكرية، لا تفتح ورشات، ولا تنتج عروضًا، ولا تساهم في تأطير أو تنمية الكفاءات المحلية… لكنها وبمجرد الإعلان عن دعم حكومي، أو تخصيص ميزانية من مجلس بلدي ، تتكاثر فجأة، وتُعلن عن “أنشطة” هي في الغالب باهتة، صورية، لا تتعدى كونها غطاءً لتبرير صرف المال العام.

هي ممارسات تُفرغ المسرح من مضمونه النبيل، وتُكرس الريع الثقافي عوض الإبداع. لا يكفي أن نضع كلمة “مسرح” في اسم الجمعية لنصبح فاعلين في الحقل، فالفعل المسرحي الحقيقي يقتضي حضورًا، التزامًا، تكوينًا مستمرًا، وانخراطًا في قضايا الناس والمجتمع.

والمُقلق أكثر أن هذا النوع من الجمعيات يزاحم الفرق الجادة، ويحصل أحيانًا على نفس الدعم، بل أكثر منه، فقط لأنها تُجيد فن العلاقات والانتهاز المناسباتي. وهنا نكون أمام إهانة مزدوجة: إهانة للفنان الحقيقي، وإهانة لعقل المواطن الذي يُفترض أن يُخاطَبه بمحتوى فني راقٍ، لا بعروض ارتجالية تُقام على عجل، وتُنَفذ في غياب أبسط شروط الاحتراف أو الاحترام.

إننا بحاجة إلى وقفة تقييم جماعي. فالدعم العمومي ليس غنيمة موسمية، بل التزام اجتماعي، هدفه تمكين الثقافة من أداء دورها التنويري. ولا يمكن لأي سياسة ثقافية أن تنجح في ظل استمرار تسرب هذه “الواجهات الكاذبة”، التي تستغل الفن لتبرير الفراغ، وتستنزف المال العام دون مردودية تُذكر.

وعليه، فإن الضرورة تقتضي:

– ربط الدعم بالمنجز الفعلي لا بالنوايا المكتوبة.

إخضاع المشاريع المسرحية للتقييم قبل وبعد التمويل.

تحفيز الفاعلين الحقيقيين، ومواكبة التجارب الجادة ميدانيًا.

 إعادة الاعتبار للفنانين الذين يشتغلون خارج دائرة الأضواء، بإمكانيات بسيطة وإرادة حقيقية.

فالمسرح ليس لافتة ترفع كلما اقترب موسم الدعم، بل هو ورشة يومية، يتطلب تعبًا، واستمرارية، والتزامًا أخلاقيًا قبل أن يكون التزامًا فنّيًا.

المطلوب اليوم ليس فقط تمويل المشاريع، بل تمويل الأثر. والمطلوب أكثر هو حماية الحقل المسرحي من الطفيليات التي تسيء إليه باسم القانون… وبدعم من المال العام.

 

**  محمد زيات / ممثل و مخرج مسرحي

Related Articles

Back to top button