بيت أبو عبدالله.. دراما ما بعد الفوضى/ ياسر اسلم

شهدتُ عرض “بيت أبو عبدالله” لأول مرة في مهرجان المسرح العربي في دورته المقامة بالعراق. آنذاك، لم يمضِ على بدايته سوى ربع ساعة حتى غادر صديقي القاعة، غير قادر على مواصلة مشاهدة ما بدا له في لحظاته الأولى غامضًا ومربكًا. وحين انتهى العرض، فوجئ بأن معظم الحاضرين أثنوا عليه بإعجاب شديد، فازداد حيرته تجاه ما فاته.
واليوم، في مهرجان الدن العربي تحت شعار “أهلًا بالعالم” في سلطنة عُمان، تكرر المشهد بصورة أكثر طرافة. التقيتُ صديقي مجددًا، ودعوته إلى إعادة مشاهدة العرض قائلاً له: “اصبر هذه المرة على الدقائق الأولى فقط”. وبعد انتهاء العرض، سألته عن رأيه، فابتسم وقال: “لقد قلب العرض الموازين.”
قدّم “بيت أبو عبدالله” نفسه عبر فريق جمع الأداء والرؤية في بنية واحدة. فالعمل من تأليف وإخراج وسينوغرافيا أنس عبدالصمد، وقد جسّد أدواره كلٌّ من ثريا بوغنامي، محمد عمر، ماجد درندش، سجاد حمزة، يوسف وعل، حسام معتوك، وأنس عبدالصمد. جاءت الإضاءة بتصميم علي السوداني، والموسيقى بتوقيع رشوان فؤاد، وقدّمته الفرقة الوطنية العراقية للتمثيل.
يقدّم “بيت أبو عبدالله” تجربة لا تنتمي بدقة إلى مسرح ما بعد الدراما كما تنظّر له الكتابات الأكاديمية، رغم استفادته الواضحة من أدواته. فهو يذهب باتجاه صيغة مغايرة يمكن تسميتها: دراما ما بعد الفوضى. ذلك النمط الذي يحافظ على تصاعد الحدث، لكن دون الاعتماد على تناسل الحوار أو منطق السرد، تاركًا للفوضى أن تكون نقطة الانطلاق ومحرك الوعي.
فالصمت هنا ليس خلوًّا من الصوت؛ هو طبقة خفيّة تتخمّر فيها الفوضى، تبدأ في الجسد كارتباك صغير، وتمتد إلى الجدران كحركة تضيق وتتسع دون استقرار، وتتكثّف في تفاصيل يومية تفقد براءتها حين تتزاحم بلا معنى ظاهر. وفي هذا النوع من العروض، تتشكّل الدلالة من الارتباك الأول، ومن التشظي الذي يباغت المتلقي قبل أن يمنحه فرصة لالتقاط ما يحدث. تظهر الدراما هنا كارتجاج بصري يوقظ الوعي، ويضعنا أمام عالم يتشكّل معناه من حطامه، لا من بنائه.
يمهّد العرض لفوضاه الأولى بزمن ممتد يقترب من الملل؛ ملل يصنعه المخرج قصدًا عبر حركة دائرية رتيبة يكررها الممثلون كأنهم محاصرون داخل إيقاع لا يتبدل. هذا الدوران البطيء، وتشكّل الغرفة خطوة بعد أخرى، واصطدام الأجساد بإيقاع ثابت لا يتغيّر، كلها عناصر تُستخدم لجرّ المتلقي إلى الإحساس نفسه الذي تعيشه الشخصيات. فالملل هنا ليس فراغًا، وإنما طبقة من طبقات الفوضى، يبدأ منها الإدراك قبل أن يتكوّن أي معنى واضح. وكأن العرض يضع المشاهد داخل التجربة نفسها: الشعور بالاختناق أولًا، ثم محاولة الفهم لاحقًا. وبهذا يتحول الملل إلى مدخل حسيّ يهيئ الوعي لتلقي الدراما التي تنشأ من الارتباك، بعيدًا عن أي بناء حكائي تقليدي.
تتشكل الفوضى المادية في “بيت أبو عبدالله” من خلال السينوغرافيا التي تعمل كجهاز يحرّك الدراما ويكشف طبقات من المعنى عبر تصادم الأشياء مع أجساد الممثلين. فالجدران الثلاثة المتحركة لا ترسم حدود المكان، وإنما تعيد تشكيله مع كل حركة، كأن البيت نفسه يضيق ويتنفس ويتقلص تبعًا لاختناق شاغليه. وعلى هذا الإيقاع، تظهر الأشياء اليومية -المرحاض، الغسالة، صحن الجبن، اللابتوب- داخل فضاء يبدو منزليًا، لكنه سرعان ما يتحول إلى مسرح للفوضى.
وتبلغ السينوغرافيا ذروتها حين يدخل الطبيب حاملًا غسالة الملابس، ويضع معطفه الأبيض داخلها، ثم يقف أمامها ببدلته الأنيقة كمن يتخلى طوعًا عن دوره العلاجي. لا يكتفي المخرج بجعل الطبيب يرمي معطفه إلى الغسالة، وإنما يجعله يستخرج منها ملابس وأوراقًا وكتبًا تتساقط على الأرض، كأن الآلة تفرز ما تبقّى من ذاكرة البيت، أو كأن الأشياء نفسها تعلن انهيار وظائفها. وفي الوقت ذاته يعاني الممثل الرئيسي من حكة وصراخ متصاعد، كأن الجسد يتفاعل مع ما يجري داخل الغسالة، أو كأنها تحولت إلى مركز عدوى وتسميم يبدأ منه الانهيار ويتمدّد إلى الأجساد.
هكذا تتحول السينوغرافيا من مجرد تنظيم للمشهد إلى فوضى مادية تدفع بالقصة نحو التشظي، حيث تفقد الأشياء وظائفها، وتتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى أدوات ضغط تُذكّر بأن البيت لم يعد ملاذًا، بل حقلًا تتكاثر فيه العلامات المهددة.
يطلّ الفأر في “بيت أبو عبدالله” بصورة لا تكتمل من اللحظة الأولى؛ رأس يتقدّم قليلاً في ضوء البروجيكتور ثم يختفي، نصف جسد يلمع في العتمة ثم يتراجع، قبل أن يظهر كاملًا كأنه وجد الشجاعة ليعلن حضوره. هذا التقطّع طريقة هادئة يقول بها المخرج إن الفأر ينتبه لما لا ينتبه إليه البشر، ويرى التشققات التي تتسلّل في جدران البيت قبل أن يفهمها من يعيشون داخله. ومع امتداد الفوضى، تظهر صورته في شاشة اللابتوب، فيبدو وكأنه يحاول تحذيرهم من شيء يتقدم، أو كأنه يذكّرهم بأن البيت الذي يأوونه لم يعد قادرًا على حمايتهم.
وتتكاثر إشارات الفأر كلما اشتد اضطراب المكان، حتى تصل النهاية حيث يتكاثر حضوره في البروجيكتور والشاشة معًا، ويركض سرب كبير من الفئران في مشهد صاخب، كأنها تستلم المكان بعد أن فقد ساكنوه قدرتهم على البقاء فيه. البيوت التي ينسحب عنها البشر تتحوّل بطبيعتها إلى مأوى للكائنات الأصغر، تلك التي تملك حاسة النجاة أكثر مما يملك الإنسان حين يتشبّث بوهم الأمان.
بهذا الضوء يظهر الفأر ككائن يقرأ المصير أسرع من البشر؛ الشاهد الأول على السقوط، والآخر الذي يخرج سالمًا منه. يراقب انهيار البيت بعيونه الصغيرة، ثم يدخل إليه عندما يدرك أن الإنسان أصبح عاجزًا عن السكن داخله.
يحضر الطبيب في “بيت أبو عبدالله” كأنه الأمل الأخير الذي قد يعيد للبيت توازنه المفقود. يدخل بثياب العلاج، حاملاً حقنة تعيد الحركة إلى الأجساد الواهنة، فتترائ لحظة قصيرة يمكن فيها للاضطراب أن يهدأ. يتغير هذا المشهد سريعًا حين يضع معطفه الأبيض داخل الغسالة، ويقف أمامها ببدلة رجل أعمال، كأنه يغادر مهنته القديمة ويتّجه نحو مصير لا علاقة له بالإنقاذ. مشهد الغسالة يقدم إعلانًا صريحًا بانسلاخ الطبيب عن دوره العلاجي، وتخليه عن رمز المهنة التي كانت تمنح البيت قدرًا من الأمان.
وفي منتصف العرض، يرفع حقنة جديدة بثياب تحمل ملامح رجل سلطة، لا بهدف معالجة أحد، وإنما لحقن الوسادة، تلك التي صُممت للراحة، فتفقد وظيفتها وتتحول إلى مصدر للإجهاد. تتجاوب الأجساد مع هذا التحوّل؛ تظهر الحكة والصراخ والارتباك كأن الجسد يلتقط إشارات انهيار لا يستطيع تفسيرها.
ومع اتساع الفوضى، يطلّ الطبيب من خلف الجدران مراقبًا اللحظات الأخيرة لهذا البيت. ترتفع رؤوس جنود مختبئين معه، وينطلق الرصاص على ساكني الغرفة في لحظة واحدة، فيسقطون بلا قدرة على الاعتراض. يتقدّم الطبيب بعدها بهدوء، خطوة بعد خطوة، بوجه يحمل ملامح من أنهى مهمته، وفي أثناء خروجه تنسحب الجدران إلى خارج المسرح كأن البيت فقد قدرته على الوقوف، تاركًا المكان مكشوفًا على فراغ كامل. هذا التحوّل من طبيب إلى منفّذ عنف يختصر سقوط السلطة.

مع هذا الانسحاب، تندفع الفئران عبر ضوء البروجيكتور والشاشة، تركض وتنتشر وتملأ المسرح، كأنها تستلم بيتًا لم يعد أهله قادرين على الدفاع عنه. هذه اللحظة تُرى كذروة الدراما؛ لحظة تولد من قلب الفوضى، وتمنح المشهد جماله القاسي الذي لا يظهر إلا حين يكتمل الانهيار.
يتعامل “بيت أبو عبدالله” مع الجسد بوصفه الحاسة الأولى التي تلتقط اختلال البيت. تبدأ الإشارات منذ اللحظة التي يتسلل فيها الممثل الرئيسي من المرحاض مع تشكّل الجدران؛ حركة حذرة تكشف أن المكان نفسه صار غريبًا على ساكنيه. يرفع الممثلون أيديهم ثم ينزلونها على وجوههم في إيماءة تبدو كبحث عن أثرٍ مفقود، أو كحركة تفضح ندمًا يتردد في الجسد قبل أن يجد له اسمًا. وكأن الجسد هنا يسبق العقل في التقاط اضطرابٍ لم تتضح معالمه بعد. وتتحول ضغطة واحدة على لوحة مفاتيح اللابتوب إلى رجفة جماعية في جسدي الرجلين، فتغدو التكنولوجيا امتدادًا للارتباك الداخلي.
تتصاعد اللغة الجسدية مع الفوضى المادية: الفتاة تلبس قفاز الملاكمة وتضرب الجدار كمن يحاول فتح منفذ للهواء، والآخر يأكل الجبن بشراهة كأنه يتشبث بما تبقى من متعة صغيرة، وثالث يتشبث بالجدار قبل أن يبدأ بقصّ آلة التشيلو لاحقًا، في فعل يشبه تمزيق النغمة الأخيرة التي يمكن أن تهدّئ هذا المكان.
وتبلغ الحركة الجسدية ذروتها حين تضيق الجدران على الممثلين حتى يُحاصروا بين جدارين يقتربان منهما بثبات؛ صورة تكثّف شعور البيت الذي يتحول إلى فم يغلق على ساكنيه. وعندما يتحدثون بلغة غريبة تتقاطع مع الصراخ وبتشنّج واضح، تظهر اللغة كأنها فقدت قيمتها التواصلية، وكأن الكلام تخلى عنهم وتركهم يواجهون العالم بأصوات مكسورة.
وفي مشهد الجلوس أمام الجمهور، يخرج سؤالهم الجسدي قبل صوتهم: لماذا يحدث كل هذا ونحن لم نفعل شيئًا؟ تظهر هنا مفارقة مرئية خفية: تلك العين التي راقبتهم من الخلف عبر البروجيكتور تنتقل رمزيًا إلى موقع الجمهور؛ نحن الذين ننظر إليهم الآن بالصمت نفسه، من دون أن نتدخل أو نغيّر مصيرًا يتكرر أمامنا. في هذه اللحظة يصبح الجسد نصًّا مختصرًا للفوضى كلّها، يقف في منتصف البيت كأنه يعكس حقيقة أكثر قسوة: الانهيار الذي نشاهده في الداخل ليس سوى صورة مكثفة لما نصنعه نحن الذين في الخارج.
يخرج “بيت أبو عبدالله” من حدود الغرفة التي قدّمها على الخشبة، ويتحوّل تدريجيًا إلى صورة للعالم الذي نعيش فيه؛ عالم تختلط فيه الأشياء حتى تفقد وظائفها، وتتحرك جدرانه دون استئذان، ويغيب فيه المعنى تحت طبقات من الفوضى المادية والذهنية. لم يكن البيت هنا مكانًا للسكن، وإنما نموذجًا مصغرًا لكوكب يتداعى من الداخل: سلطة تتخلى عن دورها، بشر يحاولون الصمود بحركات متوترة، كائنات صغيرة تراقب من الهامش وتشهد على السقوط، من غير أن نلتفت نحن إلى إشاراتها.
ومع تراكم هذه العلامات، يتضح أن الفوضى ليست عارضًا طارئًا في العرض، وإنما طاقة قادرة على توليد الدراما نفسها، ومن خلالها يكشف المخرج عن جوهر التجربة التي يريد إيصالها. إن ما يحدث داخل البيت، من اختناق الجدران إلى تفتت اللغة، يعكس ما يحدث خارج المسرح في العالم الحقيقي؛ كلّما ارتفع منسوب الفوضى، فقد الإنسان قدرته على الإصغاء والكلام معًا، وترك المساحة للكائنات الأصغر كي تتقدّم إلى المكان الذي غادره البشر دون وعي منهم. وهكذا يظهر مشهد الفئران الأخير كإشارة إلى لحظة يخلي فيها الإنسان موقعه، تاركًا خلفه فراغًا لم يعد قادرًا على ملئه.
يقدّم العرض بهذا كله قراءة قاسية ولكنها دقيقة لحاضرٍ يتقلّب تحت ضغط لا يُرى؛ حاضر يتآكل من الداخل بينما تمتد أسبابه إلى الخارج أيضًا. ويذكّرنا “بيت أبو عبدالله” بأن الانهيار لا يبدأ من جهة واحدة، وإنما من شدٍّ متبادل بين الداخل والخارج، يسقط فيه الأول حين يتخلّى الثاني عن دوره. وفي هذه اللحظة يضعنا المخرج أمام جدران البيت المتداعي، ويطلّ علينا بسؤال يخرج من عمق الفوضى: هل نحن في بيت أبو عبدالله؟



