مقالات

مسرحية (اهمس في أذني السليمة) رحلة في دهاليز الذاكرة والوجود / د. ميثم فاضل 

عالم من الأصوات المفقودة والذاكرة المتخيلة لشخصين متآكلين عاث عليهم الزمن، يشكِّل لوحةً دراميةً عميقة للصراع الإنساني داخل حلبة الصراع الوجودي، حيث تتحول الذاكرة من أرشيف للحقيقة إلى فضاء للصراع بين الواقع والوهم، بين الفقدان والتخيل . تضعنا المسرحية أمام عالمين متقابلين في غرفة واحدة: عالم (تشارلي) الذي يلعب دوره الفنان أحمد عباس، و(ماكس) الذي يلعب دوره الفنان محمد حسين حبيب ، كل منهما يحمل جراحاً وجودية مختلفة، على الرغم من اختلاف جراحهما، إلا أنهما يشتركان في السعي المحموم لتأسيس وجود في عالمٍ ينهار، (تشارلي) يبحث عن هذا الوجود في صوت غائب، و (ماكس) في قصة مخترَعة، وكلاهما يهمسان في أذن الوجود، راجيان أن يجدا أذن سليمة تسمعهما .

الشخصية الأولى (تشارلي) تمثل الأرشيف الحي للذكريات، والحارس الأمين لتجارب عمر طويل، تعيش في صراع مرير مع تآكل الذاكرة الذي يهدد بهويتها ، صراعها الأساسي هو مع النسيان، هذا العدو الخفي الذي يسلبها تدريجياً جوهر وجودها، ولم يَعْلَق في ذاكرتها سوى ذلك الجرح الوجودي الماثل بفقد الزوجة التي شكلت مركز عالمها العاطفي، والهاجس المهيمن: صوت الزوجة الذي يتحول من ذكرى إلى حضور شبه دائم، حيث يصبح الصوت وسيطًا بين العالمين. الشخصية الثانية (ماكس) مهندس الوهم العائلي ، الصدمة التأسيسية في قصة حياته: اكتشاف خيانة الأم الذي شكّل صدمة وجودية دمرت مفهومه للثقة بالأسرة، فكان القرار المصيري: العزوف عن الزواج الحقيقي خوفًا من تكرار الخيانة، واختراع عائلة وهمية (زوجة وأولاد) كحصن نفسي ضد الوحدة ، والمفارقة المأساوية أنه يعيش في وهم أسري كامل بينما هو الضحية الأولى لانهيار الأسرة الحقيقية .

الصراع مع الوحدة (استراتيجيتان للبقاء)، استراتيجية تعلُّق (تشارلي) بشبح الاعتماد على صوت غائب كبديل عن التواصل الحي، وتحول الصوت إلى كينونة شبه دينية، استراتيجية اختراع (ماكس) للجماعة: خلق عالم اجتماعي وهمي لملء فراغ العزلة، الفرق الجوهري: أنَّ (تشارلي) يستدعي ماضيًا كان حقيقيًا، بينما يبتكر (ماكس) ماضيًا لم يحدث أبدًا، وتنبثق الأسئلة الفلسفية مجترة عن هذا المعنى: أيهما أكثر إنسانية تصديق الوهم أم العيش في واقع مؤلم؟

تمثل الحلبة فضاءً فلسفيًا لدار المسنين، ومعادلًا جماليًا للصراع مع الزمن: سجينان في حاضر بلا مستقبل، حيث يذوب المستقبل في حاضر رتيب، بينما يطغى الماضي بثقل الذكريات، فتتحول الحلبة من مكان للرياضة والمنافسة الجسدية إلى فضاء رمزي عميق مآله النزال مع الذات المتعبة، الذاكرة الضائعة، والجسد الآيل .

امتاز الممثلان (أحمد عباس) و (محمد حسين حبيب) بقدرتهما على التقمص الفني وإقناع المتلقي بصدق المعاناة، رغم تسيُّد النص السردي على الصورة البصرية، ويعد ذلك تحديًا لمسرح ما بعد الدراما، لا سيما مقتضيات الأداء ومحمولاته الفكرية والجمالية التي تتطلب: عمقًا نفسيًا لفهم طبقات الصراع الداخلي ، تقنية جسدية لمحاكاة الشيخوخة بصدق دون مبالغة ، حساسية عاطفية لنقل معاناة متراكمة عبر عقود، ولا غبار أنَّ الممثل أحمد عباس قد برع في اتقان هذه المهارات وتألَّق بشكل خاص في دقة التعبير الصوتي: نبرة الصوت المتذبذبة بين قوة الذكرى وضعف الواقع الحالي، الإيقاع الزمني: بطء الكلام الذي يعكس ثقل الذكريات، الهمس الحميمي: تحويل الهمس إلى لغة كاملة المعنى، الذروات الدرامية: توزيع اللحظات الانفعالية بشكل مدروس، الهدوء المخادع: لحظات الصمت التي تعكس عمق الألم أكثر من الصراخ ، ولا ينفك الممثل (حبيب) يشاطر الدور في تجسيد التناقض الداخلي لشخصية (ماكس) باستعارة الوجه المتفائل والجوهر الحزين، ثمَّ التحول السريع من البهجة الوهمية إلى الكآبة الواقعية، برمزية مكثفة أضاء (المسدس) دلالاتها بإشارات تعكس اختلال موازين القوة والتهديد المحدق، والامكانية الدائمة للعنف المتأصل في وعي شخصية (ماكس) التي تعيش صراع وجودي واخلاقي .

مسرحية (اهمس في أذني السليمة) ، إعداد وإخراج د. محمد حسين حبيب ، عن نص (وليم هانلي) ، تمثيل (أحمد عباس، ومحمد حسين حبيب) ، الصوت: الفنانة القديرة (شذى سالم) ، المؤثرات الصوتية (علي عدنان التويجري) ، الاضاءة (علي زهير المطيري محمد حمودي) ، الادارة المسرحية (ظفار فلاح) ، انتاج نقابة الفنانين العراقيين في بابل، المكان (مديرية شباب ورياضة بابل) ، الزمان (7 9 /1/ 2026م) .

Related Articles

Back to top button