الكاتب المسرحي الزبير بن بوشتى يفتح قلبه للمتلقي المحتمل/ عزيز ريان

في إطار فعاليات مهرجان أيام الفنيدق المسرحية في دورته الخامسة، الذي ينظمه محترف الفنيدق للمسرح والتنشيط الثقافي، احتضن المركز الثقافي بالفنيدق جلسة حوارية فنية وفكرية وُصفت بالثرية والهامة، جمعت نخبة من الفنانين والمهتمين بالشأن المسرحي، واستضافت الكاتب المسرحي الزبير بن بوشتى، مؤسس أول مسرح نموذجي للقرب بالمغرب، مسرح رياض السلطان بمدينة طنجة.
وتندرج هذه الجلسة الحوارية ضمن أنشطة مشروع توطين مسرح المدينة الصغيرة شفشاون، المدعّم من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، برسم موسم 2025، وهو مشروع ثقافي طموح يراهن على ترسيخ ثقافة مسرح القرب، وتوسيع دائرة التلقي، والانفتاح على تجارب مسرحية مختلفة، بما يعزز الحوار الثقافي والتبادل الفني بين المبدعين والجمهور داخل المدن الصغرى وخارجها.
وقد أدار هذه الجلسة الفنان محمد بوغلاد بأسلوب تفاعلي سلس، مكّن الضيف من استحضار محطات بارزة من مساره الإبداعي، والحديث عن رؤيته للمسرح بوصفه فعلاً اجتماعياً وثقافياً، يتجاوز حدود العرض الفني ليغدو أداة للتواصل، وبناء الوعي، وطرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالإنسان والمجتمع. كما تطرق الزبير بن بوشتى إلى تجربته الرائدة في تأسيس مسرح رياض السلطان، باعتباره نموذجاً عملياً لمسرح القرب، وفضاءً مفتوحاً للاختلاف والتجريب، وملتقى لطاقات شابة ساهمت في دمقرطة الولوج إلى الثقافة والفنون، وجعل المسرح فعلاً يومياً مرتبطاً بالمدينة وساكنتها وقاطرة أساسية في السياحة الثقافية.
وشكلت الجلسة مناسبة للغوص في عالم الكتابة المسرحية عند بن بوشتى، من حيث المرجعيات الفكرية والجمالية، والاشتغال على النص، وعلاقة المسرح بالفضاء والمدينة والجمهور، إضافة إلى تسليط الضوء على عدد من أعماله المسرحية التي تركت بصمة واضحة في المشهد المسرحي المغربي المعاصر. كما فُتح باب النقاش أمام الحضور، الذي تفاعل بأسئلة ومداخلات عكست وعياً نقدياً واهتماماً متزايداً بإكراهات المسرح المغربي وآفاقه المستقبلية.
وفي هذا السياق، برز مشروع التوطين كآلية ثقافية فاعلة في الانفتاح على الآخر، سواء من خلال استضافة تجارب مسرحية متنوعة، أو عبر خلق فضاءات للحوار والتلاقي بين فنانين ينتمون إلى خلفيات فنية وجغرافية مختلفة. وهو ما يجعل من المسرح جسراً للتواصل الثقافي، وأداة لتعزيز قيم الاختلاف، والتعدد، والعيش المشترك، بعيداً عن المركزية الثقافية وهيمنة العواصم الكبرى.
وأكد المشاركون في ختام الجلسة على أهمية مثل هذه اللقاءات الحوارية في تقريب المبدعين من الجمهور، وتنشيط النقاش الثقافي والفني، خاصة داخل المدن الصغرى، انسجاماً مع أهداف مشروع التوطين الثقافي، الذي يراهن على جعل المسرح رافعة للتنمية الثقافية المحلية، ومختبراً لإنتاج خطاب فني منفتح على محيطه الإنساني والاجتماعي.
وبذلك يرسخ مشروع توطين مسرح المدينة الصغيرة بشفشاون موقعه كتظاهرة ثقافية وفنية تجمع بين العرض المسرحي والنقاش الفكري، وتفتح آفاقاً جديدة للتبادل والتفاعل بين الممارسين المسرحيين والجمهور، في أفق بناء مشهد مسرحي مغربي متجدد، منفتح، وقريب من نبض المجتمع.

