نص مسرحي: “صيد الغزال” / تأليف: عباس منعثر

المؤلف: ” نحن في سجن صيدنايا أو بوكا أو أيّ مكانِ اعتِقالٍ جسديّ أو روحي. تحبسُنا الدّيكتاتوريّةُ الحقيقيةُ أو الوهميّةُ أو الجنونُ في مكانٍ ضيقٍ بحجمِ مترٍ في متر. سجنُنا ينتقلُ معنا، يُحيطُنا، قد يتكوّنُ من جدرانٍ كونكريتيةٍ تحتَ الأرضِ بثلاثةِ طوابق، أو شاشةٍ شفافةٍ يعزلُنا عن العالم. بالنتيجةِ، قمةُ البشاعةِ والانحطاطِ: أن نسبّبَ الألمَ والخوفَ والجنونَ للآخرِ، بوسائل الطّغاةِ الخشنةِ أو بحيلِ التّكنولوجيا النّاعمة”.
الشخصيات:
الرّجل، الشّاب.
(سجن انفرادي كأنه صندوق ضيق، الجدران صلدة، والسقف منخفض، يجبر الجسد على الانحناء، الهواء مثقل بالرطوبة، والارضية أشبه بطبقة من الماء البارد، لا نافذة تطل، ولا فتحة تهوية، سوى شق صغير في الباب الحديدي يتسلل منه خيط ضوء شحيح، رجل يقف في الزّنزانة، يُفتح الباب، يُرمى شاب إلى الدّاخل، ويُحشر في المكان. يُغلق الباب).
الرّجل: يجبُ أن يسقطَ الدّيكتاتور.
الشّاب: أيُّ ديكتاتور؟
الرّجل: كان هناكَ شيء… واختفى!
الشّاب: ما بك؟!
الرّجل: مكسورٌ كالمرآة… ترى شيئاً، لكن لا تراه.
الشّاب: الرّائحةُ خانقة..
الرّجل: يجبُ أن يسقطَ الدّيكتاتور.
الشّاب: ماذا يعني هذا؟
الرّجل: يعني أنني في لحظةٍ عاقلٌ وفي أخرى أسبحُ في بحرِ الجنون!
الشّاب: كنتَ وحدكَ هنا دائماً؟
الرّجل: لا. لم أكنْ.
الشّاب: من كان معك؟
الرّجل: رفيقي… توأمُ روحي.
الشّاب: أخذتُ مكانَه..
الرّجل: لا أحدَ يأخذُ مكانَه، في يومٍ ما، قذفونا هنا معاً. في البدايةِ، كان الصّمتُ سيدَنا.. هو ساكتٌ، وأنا ساكت.
الشّاب: كعادةِ الغرباءِ في أوّلِ لقاء..
الرّجل: هو يبكي بحرقةٍ، وأنا أضحك..
الشّاب: البكاء معقول؛ لكن الضّحك؟
الرّجل: هو يبكي لأنهم سحقوا روحَهُ أفرغوها من المحتوى.
الشّاب: وأنت؟
الرّجل: كنتُ أضحكُ على مقالب قديمة… إخوتي الصّغارُ يحبّونَ الإيقاعَ بي. أتذكرُها، وأضحكُ، كالمجنون.
(صمت)
الرّجل: يجبُ أن تنجحَ خطتُنا في إسقاطِ النّظام..
(صمت)
الرّجل: هل تحفظُ السّرّ؟ أنا أتصّنعُ الفوضى لسببٍ وألتزمُ الهدوءَ لسبب!
الشّاب: ما هو؟
الرّجل: أي تمرّد يعني عقوبة. إهانة. ألم لا يُطاق. أنت لا تعلمُ ما تسببهُ غرفةُ الملح. زنزانةٌ كاملةٌ فيها ملحٌ فقط، وقوفاً لأيام.
الشّاب: طيّب..
الرّجل: أما الفوضى فتأتي حين تتداخلُ أسلاكُ عقلي مع بعضِها..
(صمت)
الشّاب: أحاولُ أن أجلسَ منذُ قدمتُ، لكنّني لا أقدر.
الرّجل: العقابُ هنا ألا تجلسَ أبداً.. يُرادُ من السّجينِ أن يبقى على وقفةٍ واحدة..
الشّاب: ألا يمكنُ التّعاون؟
الرّجل: أتعتقدُ أننا لم نحاول؟
الشّاب: والنتيجة؟
الرّجل: أحلامُنا كانت بسيطة… أنا ورفيقي.. أن نجلس.. لحظةً واحدةً فقط. أنا وصاحبي… كان حلمُنا يكبرُ معنا. أن نجلسَ ذات يوم!
الشّاب: وهل تحقّقَ الحلم..
الرّجل: يبدو أنكَ غبيّ.. دعنا نجرّب..
الشّاب: هيا..
الرّجل: الجلوسُ ليس مسألةً ميكانيكية. كان يتوّجبُ أن تكونَ اجسادُنا طيعةً جداً أولاً. هو نحيف وأنا سمين. مع الأيام، صرتُ أنحفَ منه. وبذلكَ خَدَمَنا الجوعُ في السّجن. صرنا نمارسُ المشي لمسافاتٍ طويلة.
الشّاب: هنا؟
الرّجل: نعم. اخترعنا فكرةَ الحركةِ بالإيحاء.
الشّاب: كيفَ ذلك؟
الرّجل: نتخيّلُ أننا في غابة، نسبحُ في نهر، ونركبُ على ظهورِ الخيل.
الشّاب: إنَّني أتخيَّل… أتخيَّلُ أنَّني في بُستانِ جدّي…
الرّجل: تخيّل!
الشّاب: أصطادُ السّمكَ على ضِفافِ النّهر..
الرّجل: تخيّل!
الشّاب: أُلقي بنفسي إلى الماءِ ثمّ أسبَحُ وأسبَحُ وأسبَح..
الرّجل: تخيّل!
الشّاب: أعتلي النّخيلَ والأشجار..
الرّجل: تخيّل!
الشّاب: أتسابقُ مع الكلابِ وأُحاولُ اصطِيادَ الطّيور..
الرّجل: تخيّل!
الشّاب: سأركضُ وأركضُ وأركض.
الرّجل: عضلاتُنا تستجيبُ لخيالِنا..
الشّاب: (يكمل) فتتوّهمُ أنها تتحرّك..
الرّجل: وتتوّهم أنها اقوى..
الشّاب: وتتوّهمُ أنها تستطيع..
الرّجل: بمرورِ الوقتِ، تُصبحُ أكثرَ قابليةً على الالتواء..
الشّاب: هكذا؟
الرّجل: تقريباً..
الشّاب: نعم..
الرّجل: كان كلُّ واحدٍ مِنّا يتراجعُ إلى الخلف..
الشّاب: ها أنا أتراجع..
الرّجل: أحدُنا يرتفعُ إلى أعلى ما يستطيع..
الشّاب: يرتفع..
الرّجل: فتحدثُ تحتـَهُ فجوةٌ صغيرة..
الشّاب: أين الفجوة.. لم يرتفعْ أيّ واحدٍ منّا إلى أعلى ما يستطيع..
الرّجل: نلجأ إلى الخطةِ الثّانية..
الشّاب: هل فشلت الخطّةُ الأولى؟
الرّجل: ألم أقلْ إنكَ غبي؟! المكانُ كما ترى بنفسِكَ مصممٌ بطريقةٍ يستحيلُ الجلوس!
الشّاب: وهذا الجحيمُ سيستمرُّ معي بقيةَ عمري؟
الرّجل: كلا، طبعاً. سيتحوّلُ إلى نعيم!
الشّاب: وكيف؟
الرّجل: بالتمنّي.
الشّاب: وماذا تتمنون؟
الرّجل: الذّهاب إلى هناك؟
الشّاب: المنتجع؟ الجبال الفسيحة؟ الحرية؟
الرّجل: بل إلى غرفةِ التّعذيب…
الشّاب: لماذا؟
الرّجل: إنها خدعة، سرُّنا الصّغير.. هكذا، نغادرُ الزّنزانة… نمشي. نجلس…
الشّاب: على الإبرِ، أو على الزّجاجِ، على الكرسيّ الكهربائيّ..
الرّجل: يا غبيّ هو تغييرٌ على الأقل!
(صمت)
الرّجل: حين يزولُ الألم… نحاولُ أن نستذكرَ لذّةَ الجلوس. لكنّها تختفي. الألمُ يمحوها.
الشّاب: أكيد أنّ خلايا دماغِك تذوب. واحدةً تلو الأخرى..
الرّجل: كنتُ أحاولُ الحفاظَ على الخليةِ الباقية..
الشّاب: ورغم قلعِ الأظافرِ، والتعليقِ بالمقلوبِ، والحرقِ الجزئيّ..
الرّجل: (يكمل) والحُرّاس والتواليت…
الشّاب: صمدتَ حتى الآن..
الرّجل: مهمتي واحدة.. أن أعيش.
الشّاب: ونجحت..
الرّجل: أنا لم أصمدْ ولم أنجحْ؛ بل ماتَ الإحساس!
(صمت)
الشّاب: كم مرّ وأنتما على هذهِ الحالة؟
الرّجل: أربعُ سنين..
الشّاب: أربعُ سنينٍ تقولُها كأنها مجرّدُ كلمة، ولكنّها عُمرٌ بأكملِه.. كم يوماً فيها؟ كم ساعةً تختبئ في طياتِها؟ كم ثانيةً تحترقُ دون أن نشعر؟ أنت رجلٌ قوي!
الرّجل: أن تكونَ قوياً شيءٌ جيد.. أليس كذلك؟
الشّاب: تعتمدُ على مع مَنْ تصطفّ.
الرّجل: أو مِمَّ تهرب..
(صمت)
الشّاب: كم أحنُّ إلى أهلي!
الرّجل: احفظْهم. كلَّهم. كلَّ شيء.
الشّاب: هم في ذاكرتي دائماً..
الرّجل: غرورٌ أحمق! ستصلُ إلى مرحلة… يتبخرونَ فيها..
الشّاب: لا أريدُ أن أنساهم.
الرّجل: إذن ردّدْ أسماءهم. استحضرْ صورَهم. اجعلِ الرّائحةَ في مخّك، لا أنفك! رائحةَ أمِّكَ، رائحةَ الحليبِ، رائحةَ المرأةِ، رائحةَ الأسواق…
الشّاب: أكادُ أشمُّهُم..
الرّجل: تسعُ سنين… أنا ورفيقي، نكرّرُ الذّكرياتِ نفسَها يومياً.
الشّاب: لا أظنني أنجو تسعَ سنين!
الرّجل: استذكرَنا أهلَنا. حكاياتِهم الصّغيرة. نُعيدُ رسمَ ملامحِهم في الهواءِ، كأنّنا نصنعُ ذاكرتَنا من جديد. لكنَّ الأمورَ اختلطتْ أحياناً.
الشّاب: بأيةِ طريقة؟
الرّجل: كنتُ أحدّثهُ عن أمي وأبي، فيقاطعُني ويقولُ: هؤلاءِ أهلي، وليسوا أهلَك. هو أيضاً يتحدّثُ عن أهلي كأنّهم أهله..
الشّاب: سلامٌ على أرواحِكم الضائعة!
الرّجل: علّمتهُ كلّ شيءٍ من جديد… بدأنا بالحروف… نُرّددها يومياً، كأنّنا أطفالٌ في بدايةِ دراستِهم. ثمّ اخترعنا ألعاباً… لعبة “الشقلوب المقلوب”!
الشّاب: وكيف تلعبونها؟
الرّجل: الكلمةُ تبدأُ بما انتهت به الكلمةُ السّابقة.
الشّاب: علّمني!
الرّجل: سأقول كلمةً لتكن سجن. تنتهي بالنون؟ ابدأ منها أنت..
الشّاب: نار.
الرّجل: ربّ.
الشّاب: بلبل.
الرّجل: ليل.
الشّاب: لحد.
الرّجل: دليل.
الشّاب: لقمة..
الرّجل: اخترعنا كلماتٍ لا معنى لها. خارجَ اللّغة. الجدارُ عندنا قيتاح، ويتكئُ هي فيصاح، وكلمة أنت صارت مرداح.
الشّاب: لماذا؟
الرّجل: لكي نبني عالمَنا الخاصّ، لكي ننجو، لكي نقتلَ الوقت!
الشّاب: وهل نجوتما؟
الرّجل: مَن؟
الشّاب: أنت ورفيقُك؟
الرّجل: كنا نقولُ: مرداح فيصاح قيتاح، ونضحك. كنّا نتكئُ على الحائطِ، فرحينَ بأننا اخترعنا لغتَنا..
الشّاب: وماذا عن الأشياءِ من حولِكم؟
الرّجل: كانت قليلة. لكننا منحناها أسماء. الحارسُ: بيراح، بساط الرّيح: منراح. والزنازينُ الضّيقةُ: فيساح.
الشّاب: بساطُ الرّيح؟
الرّجل: لم نحبَّ تلك الجملةَ أبداً. بيراح يسحلُنا من الفيساح إلى منراح. كانت لحظةً مرعبة… بساطُ الرّيحِ يسرقُ منا كلَّ شيء. كنّا نعودُ منهُ كطبلٍ أجوف! ننسى كلَّ ما حفظناه. سبعُ سنواتٍ تذوبُ في العدم.
الشّاب: بساطُ الرّيح مؤلم؟
الرّجل: ماذا تعرفُ عن منراح؟ يربطونَكَ عليهِ ثمّ يُطوى جسدُكَ في اتجاهينِ متعاكسينِ كأنّكَ سجّادة. تخيّلْ الألم!
الشّاب: إنهُ يعصرُني الآن..
الرّجل: صعقةُ كهرباء.. فجأة.. كلُّ شيءٍ يختفي… الوجوهُ، الأماكنُ، الأسماء… في لحظةٍ واحدة.
الشّاب: لم يبقَ شيءٌ على الإطلاق؟
الرّجل: الكلماتُ بقيتْ. لكنّها خاوية. أنا أحفظُها فقط. أقولُ شجرة، وأظنُّني تحتَ ظلِّها… لكنني أبقى في الشّمس! أقولُ كناري، وأنتظرُ الرّيش… لكنني لا أطير!
الشّاب: والأب والأم؟
الرّجل: حينَ أسمعُ كلمةَ (أب)، دفءٌ يسري في عروقي. حين أسمعُ (أُم)، شيءٌ يشبهُ الحنين. لكن… من هوَ الأب؟ ما تكونُهُ الأم؟
الشّاب: إنّهم الوطن.
الرّجل: لهذا أقول… احفظْهم. احفظْهم.
الشّاب: أليسَ هذا هو الجنون بعينِه؟!
الرّجل: لكنّهُ يبقينا على قيدِ الحياةِ أيها الأحمق!
(صمت)
الشّاب: لماذا سجنوك؟
الرّجل: أنا سيء..
الشّاب: أم أنكَ أذنبْتَ في مكانٍ لا يَغفِر؟
الرّجل: أنا، مغتصبُ نساء، قاتلُ أطفال، قاطعُ طريق، أنا مجرمٌ يستحقُّ هذا وأكثر.
الشّاب: لكنّهم يستطيعونَ قتلكَ وينتهي الأمر..
الرّجل: اشششش! للحيطانِ آذان، وللعقوبةِ أسنان!
الشّاب: أقصدُ ماذا وجّهوا لكَ من اتهام؟
الرّجل: لابدّ أنّني كنتُ اعذّبُ ضحايايّ فوجبَ عقابي بالطّريقةِ نفسِها!
الشّاب: العقابُ جريمة!
الرّجل: ولماذا أنت هنا؟
الشّاب: لا أدري.. لكنّني منذ سنواتٍ انتقلُ من سجنٍ إلى آخر كروحٍ هائمةٍ لا تستقرّ!
الرّجل: في عمرِكَ، كان الأملُ ينامُ في جيبي!
الشّاب: هذا هو السّبب، أنني كنتُ أحملُ الأملَ في جيوبي!
(صمت)
الرّجل: يجبُ أن تنجحَ خطتُنا في إسقاطِ النّظام..
(صمت)
الرّجل: (بتوسل) انظرْ إليّ.
الشّاب: لماذا؟
الرّجل: صِفْني.
الشّاب: ماذا تقول..
الرّجل: خمسُ سنوات… لم أرَ وجهي. لا أعرفُه. وجهي شخصٌ غريبٌ عنّي.
الشّاب: لكن..
الرّجل: أرجوك! هل لونُ شاربي أبيض أم أسود؟ لحيتي… رماديةٌ أم بيضاء؟ لديَّ شامة؟ هل أنا أشهب أم حنطي؟
الشّاب: في الحقيقة…
الرّجل: لونُ عيني؟ عسلي؟ بني؟ رمادي؟ هل أنا أصلع؟
الشّاب: ألا تعرفُ نفسَك!
الرّجل: لا أتذّكرُ هذهِ الأشياء.. حتى حينَ تُصادفُني المرآةُ أراني مشوشاً. أخذوا نظارتي منذ سنتين.
الشّاب: لونُ بشرتِك يميلُ إلى السّواد؛ لكنّها بالأصلِ فاتحة. عيناكَ زرقاوانِ رغم أنهما تغرقانِ في دوائرَ غامقة. لو تعودُ بضعةَ سنين إلى الوراءِ، ولو يُضافُ إلى وجهِكَ بعضُ اللّحمِ لكنتَ تُشبهُ، تُشبه..
الرّجل: من؟
الشّاب: تُشبهُني!
(صمت)
الرّجل: يجبُ أن تنجحَ خطتُنا في إسقاطِ النّظام..
(صمت)
الرّجل: أخيراً، مات…
الشّاب: رفيقُك؟
الرّجل: أخذوه إلى المكبسِ ليلاً. كلّ أسبوعٍ في منتصفِ اللّيل، يُقتادونَ، إلى المشنقةِ، خمسينَ شخصاً على الأقل. لم أُكوّنْ جملةَ المكبس لأنّهُ لم يكنْ هنا ليسمعَني. الآن استطيعُ أن أقولَها لك: نطراح مشلاح فركاح.
الشّاب: وما يعني ذلك؟
الرّجل: رفيقي سحقوهُ في المكبسِ البشري.
الشّاب: كابسةُ العظام؟
الرّجل: وضعوهُ بين أسنانِ المكبس، طقطقتْ عظامُهُ تحت الضّغط.
الشّاب: هل هو خَطِر إلى هذه الدّرجة؟
الرّجل: كان رقيقاً جداً حتى إنني لسّنين لم أشعرْ بوجودِهِ لحظةً واحدة. لم يضايقْني. بل كان يقلّصُ نفسَهُ وينكمشُ كي أتمّددَ في المكانِ كما أشاء. لم يقاسمْني قطعةَ الخبزِ أبداً. يقول إنهُ يستطيعُ أن يجوعَ ويموتَ من أجلي.
الشّاب: وكيفَ ظلَّ صامداً؟
الرّجل: (يضحك) لا أعرف. لا أعرفُ الدّنيا. فقط الوقوف… دخولُ الحمام… قطعةُ الخبزِ الصّغيرة… تُرمى لي.
الشّاب: تكفيك؟
الرّجل: أحياناً يتبقى منها جزءٌ صغير. أقسّمُها على يومٍ كامل… حتى لا أموت.
الشّاب: لذلكَ أنت جلدٌ وعظم!
الرّجل: لكنّ العدالةَ غائبة.. العدالةُ تتهادى في عباءتِها المزيفة، تمنحُ الحياةَ السّعيدةَ والمجدَ لمن لا يفقهونَ معناها، وتبني عروشاً على الجماجمِ البريئة. العدالةُ ليست سوى مرآةٍ محدّبة، تعكسُ وجوهاً خادعة.. العدالة… العدالةُ تقتضي أن يعدموننا سوية. فلماذا أبقوني وحدي؟ ولمن؟
الشّاب: ربما أفرجوا عنه..
الرّجل: من يحبسونهُ هنا… تكونُ خطوتُهُ التّاليةُ أن يذهبَ إلى المكبسِ البشريّ ثمّ يُذوّبَ في حوضِ الأسيدِ او يُحرقَ بالنار.
الشّاب: يبدو أنّهم اخذوهُ إلى فركاح!
الرّجل: (يصرخُ فجأة) أنت الذّي وشى برفيقي!
الشّاب: لا.
(صمت)
الرّجل: الغريب، انهم يسمعونَ حتى أفكاري!
الشّاب: أتظنُّ أن أفكارَكَ في رأسِك، ولا أحدَ يسمعُها؟!
الرّجل: نعم.
الشّاب: أفكارُكَ في حنجرتِك!
الرّجل: تقصدُ أنّ نفسي هي جاسوسةٌ عليّ.
الشّاب: ربما سمعوكَ وأنتَ تقولُ يجبُ أن تنجحَ خطتُنا في إسقاطِ النّظام.
الرّجل: هل قلتُ ذلك؟
الشّاب: (يهزّ رأسه أربع مرات).
الرّجل: لكنّني كنتُ أهمسُها لرفيقي بتحريكِ شفتي فقط!
الشّاب: مادامَ الأمرُ كذلك، رفيقُكَ هو من كان يوصلُ لهم معلوماتٍ عنك.
الرّجل: يوصلُ لهم ماذا؟
الشّاب: أنك تقولُ، يجبُ إسقاطُ النّظام..
(صمت)
الرّجل: أنت لستَ سجيناً.
الشّاب: ماذا؟
الرّجل: يفوحُ منك… عطرُ الصّابون. نظيف. كلُّ ليلة… تنامُ خارجَ هذا المكان. منذُ جئت.. أنت جاسوس..
الشّاب: هل أنت جاد؟
الرّجل: نعم أرسلوك… أرسلوكَ لمراقبتي..
الشّاب: من هم؟
الرّجل: الآخرون!
الشّاب: من؟
الرّجل: هم!
الشّاب: لماذا أرسلوني إليك؟
الرّجل: يخافون! يحتاطون!
الشّاب: لأيّ شيءٍ يحتاطون؟ أنت… مجردُ جسدٍ بلا روح..
الرّجل: وجودُكَ هنا ليس صدفة. كيف تشرحُ حضورَكَ الغريب هذا؟ هل أنتَ ملاك؟ هل هبطتَ من السّماء؟ تكلّم! كيف تكونُ هنا، مع كلّ هذه السّنوات؟ كيف تكونُ معي وهذه الزّنزانةُ انفرادية، لشخصٍ واحدٍ فقط؟ أنت لا تُقدّرُ مدى حاجتي إليكَ، لكنّهم أرسلوكَ كي تُراقبَني.
الشّاب: سمعتُكَ تقولُ كان معكَ رفيقٌ قبل قليل…
الرّجل: (يقاطعه) لم يكنْ معي أحد. ستُ سنين وحدي، أتحدّثُ مع نفسي. لم يكنْ معي أحد.
الشّاب: وكلامُكَ عن منراح قرداح سرداح؟
الرّجل: لا… لا… أنت هنا لتدمِّرَني. لأنني أفكّرُ في أشياءَ قد يكتشفونَها.
الشّاب: كفّ عن خنقي!
الرّجل: لكنّك… لا تبتعد! كلما ابتعدتَ… شعرتُ أنني أسمعُك. أسمعُ خطواتِك… همساتِك…
الشّاب: يا رجل، كلُّ شيءٍ في رأسِك.
الرّجل: أنا ضائع، أنا مجنون، أنا لا شيء، أليس كذلك؟
(يهجم الرّجل على الشّاب، لكن الحركة محدودة بضيق المكان، أيديهما تتشابك. يُسمع صوت اصطدام جسديهما بجدران الزّنزانة. صراخ متقطع، أنفاس ثقيلة).
الشّاب: أتركْني!
الرّجل: سأقتلُك!
(يعود الصّمت فجأة، إلا من صوت تنفُّس متسارع. في الخارج ضجة وصخب. يُفتحُ الباب بقوّة وبعدها نسمع صوت فتح أبواب أخرى مع نداء يبتعد).
صوت: (من الخارج) سقطَ الدّيكتاتور! أنتم أحرار… اخرجوا من هنا!
(الشّاب يذوبُ في الهواء.. يبقى الرّجل ثابتاً في مكانه، صامتاً. ببطء شديد، يتكئ على الحائط، ويقترب من الجلوس على الأرضية)
الرّجل: (تخرج كلماته بصوت منهك) أووووووف! أخيراً… سأجلس!
انتهــــــــــــــت



