كتاب الخميس (الحلقة الثامنة والستون) (ج:1) / محمد محسن السيد

اسم الكتاب : “ سردية النص المسرح العربي”
الكاتب: بيداء محي الدين الدوسكي
الناشر: دار الشؤون الثقافيه العامة/ بغداد 2006.
***************
الكتاب الذي بين ايدينا هو بالأصل اطروحة الدكتوراه مقدمة الى قسم اللغة العربية في كلية التربية للبنات، وهو من اصدار عام 2006 بغداد، وهو سردية النص المسرح العربي ومن تأليف الدكتورة بيداء محيي الدين الدوسكي، لهذا الكتاب كما هو معتاد بمقدمة قصيرة بينت فيها الباحثة اهمية وطروحات السردية في الدراسات الأدبية والنقدية ومكانتها المتميزة فيها، مؤكدة في الوقت ذاته ان غاية البحث هو الكشف عن اسس علم السرد وتمظهراته التقنية في النص المسرحي العربي، وجاء البحث بمدخل وثلاثة فصول حمل المدخل عنوانا هو (اشكالية تطبيق النظرية السردية على النص المسرحي) .
في حين كان الفصل الأول معينا بـ(ا لتبئير ) وشمل المواضيع الاتية :
( التبئير في المسرحية الكلاسيكية ) ( التبئير في المسرحية الملحمية ) ( التبئير في المسرحية المونودرامية ) .
أما الفصل الثاني فقد اهتم بـ( الصيغة ) التي تمفصلت في خطابات أربع هي: (الخطاب المباشر)،( الخطاب الذاتي المباشر)، (خطاب المسرود)، (الخطاب الذاتي المسرود) .
أما الفصل الثالث والأخير فتمظهر حول (الزمن) وشمل المواضيع التالية :
(الزمن في المسرحية الكلاسيكية)، (الزمن في المسرحية الملحمية)، (الزمن في المسرحية المونودرامية) وانتهى بخاتمة قدمت فيها أهم النتائج التي أسفر عنها البحث .
ففي أول المواضيع وهو ( مدخل البحث الذي حمل العنوان الآتي : اشكالية تطبيق النظرية السردية على النص المسرحي ) وهنا يقفز الى الذهن – بداهة – ماهي السردية أو علم السرد؟ لنرى الجواب حاضرا في سطور البحث الأولى: (علم السرد او السردية) مصطلحان متداخلان ومتشابكان، ويؤديان الى معنى واحد، اذ بعز ووضع مصطلح (السردية) الى (تودروف) الذي صاغه عام 1969 ميلادي ليدل به على (علم السرد) وهناك من ميز بينهما، فيرى أن (السردية) من مشتقات الأدبية وفرع منها، إذ تبحث عن مدى ما تعبر به الآثار الأدبية عن الشكل الأجوف العام الذي تنضوي ضمنه النصوص كلها، أما (علم السرد) فله مدلولات عدة أهمها دلالته على دراسة السرد والبنيات السردية، وقد نوه الناقد (فاضل ثامر) التشظي في المصطلح السردي الذي ينم عن عدم استقراره في الدراسات التحليلية، إذ وجد أن (مصطلح السردية تتقاسمه المقابلات الترجمية الآتية: (علم السرد، والسرديات، والسردية، ونظرية القصة، والقصصية، والمسردية، والقصيات السردلوجية، والنارانا لوجيا).
من المعروف أن المقومات التي تتوافر في الأجناس الأدبية السردية والتي تتحد بـ(وجود قصته، ووجود راويها، والتي تؤهلها لتقع تحت مجهر علم السرد، وهذه المقومات ذاتها يستند إليها النص المسرحي ولكن وفق بنائية مستقلة، وكينونة متفردة تشكل البناء الدرامي وتحدد ماهيته.
وحول السرد الدرامي في أصوله الاغريقية تؤكد الباحثة : “لقد مثل السرد الدرامي في أصوله الاغريقية ضرورة أساسية منذ نشأة المسرح مرتبطا وجوده بحضور الكورس – الجوقة – الذي يؤدي أكثر من وظيفة منها القيام بدور – شيوخ المدينة – والمشاركة في الحدث بشكل مباشر، والتعليق والتعقيب على الأحداث، والتنبؤ بمستقبل الأحداث التي تمر بها الشخصيات، والنقد والتجريح والتهكم والسخرية … وسوى ذلك، وإن وظيفة الجوقة تشير ضمنا الى طريقة التعبير المتبعة في الدراما، والتي تميل الى حضور السرد بوصفه حكائية الى جانب العرض الذي يعد ايضا صيغة حكائية مهيمنة في البناء الدرامي، وهذا الموضوع ( سردية النص المسرحي ) مثار نقاشا وجدل – كما تؤكد الباحثة – لكون النص المسرحي نصا محاكاتيا أكثر منه نصا حكائيا”.
وهنا تكمن ذروة الاشكالية في كون النص المسرحي فنا قائما على المحاكاة – العرض – أو التمثيل .
إن الاختلاف بين السرد والمسرح لا يستند الى الجانب اللغوي فقط بل يتعداه الى نشاطات فوق لغوية، فعندما نقرأ النص المسرحي نجده يمتلك مرجعين متميزين: إذا قرأناه بوصفه نصا أدبيا فإن مرجعه مثل مرجع السرد حقيقية تاريخية أو خيالية، وفي المقابل إذا قرأناه بوصفه نصا مسرحيا فإن مرجعه هو العرض المسرحي وما دام الخطاب المسرحي نصا أدبيا لسانيا فهو يختلف عن طبيعة العرض المسرحي الذي يتمركز حول محاكاة الأفعال والأعمال التي لا يستطيع المسرود إلا نقلها وروايتها.
… ولما كان الخطاب المسرحي ذو البعد اللساني خطابا أدبيا فإن البحث في أدبيته يحملنا على اتخاذ علم السرد السردية منقذ الاستكناه خصائصه التي تميزه عمن سواه من الخطابات الادبية، إذ تحيلنا السردية الى ضرب معين من القراءة وطريقة خاصة في وصف المادة وتنظيمها أي إعادة كتابتها إنطلاقا من فرضية مؤداها أن المعنى ليس معطى قبليا إنما يستخلص من فنون التآلف والاختلاف، والتقابل القائمة بين الوحدات التركيبية العاملية والتحولات المتتابعة في المحور السياقي، ولا تختص السردية بالخطاب الأدبي دون سواه، بل يجوز تطبيق مقولاتها على نصوص غير موسومة أدبيا كالنصوص الحضارية والفكرية والسياسية والقانونية). وعليه يمكننا الحديث – كما يرى سعد يقطين – عن سرديات عامة، وسرديات مقارنة تتخلل السينما، والمسرح، والصور المتحركة، وسواها من الخطابا الحكائية.
ومن الغني عن البيان أن مجال السرد قد توسع ليشمل الحياة الإنسانية في أنظمتها كافة حيث توسعت أبعاد علم السرد التطبيقية متضمنا الحكايات، والأساطير، والأحلام، والأفلام، والمسرحيات، فضلا عن ذلك فالحديث عن تداخل الأجناس الأدبية في الخطاب المسرحي قد غدا من البديهيات المحسوم أمرها، أذنبه كثير من الباحثيين الى توافر عناصر ملحمية وغنائية في الأدب الدرامي.
وفي خلاصة هذا المدخل تذكر الباحثة ما نصه: (لعلنا في خاتمة المطاف نكون قد توصلنا الى ما يؤازر فرضيتنا، ويفتد اراء معارضيها، فكما وجد مصطلح السرد الروائي، والسرد السينمائي، والسرد التشكيلي (ما هو إلا رواية تحكى عن طريق اللوحة) .
ظهر مصطلح السرد المسرحي، أو السرد المشهدي، أو السرد التشخيصي، أو السرد التمثيلي المختص بالخطاب المسرحي والذي اخترقت أثاره كذلك الرواية ولاسيما الرواية الدرامية، إذ يكون فيها الحوار بين الشخصيات في الصدارة، ويكتفي من القسم الحكائي بتعليق يحيط بالحوار ويشرحه بمعنى أنه يقتصر عمليا على الاشارات المتعلقة بالمشهد.
إن هذا النوع من السرد يذكر بالشكل المسرحي، ليس فقط بواسطة التركيز على الحوار، وإنما ايضا، بواسطة الخطوة التي تعطى لتقديم الوقائع لا للحكي، إننا لا نتلقى الأفعال كأفعال محكية – شعر ملحمي – وإنما كما لو كانت تتخلق أمامنا على الخشبة، أما فكرة البحث فتتركز حول اكتشاف القوانين السردية المتحكمة بالخطاب المسرحي في مبناه الحكائي، والتي تحقق أدبيته، فما يهم السرديين بشكل خاص هو الاختلاف المتعلق بالعمل الحكائي، ومكمنه في الخطاب، لأن المحتوى الواحد يمكن أن يقدم من خلال خطابات متعددة لكل منها فرادته، هناك سلسلة أعمال وأحداث قابلة لأي نمط تمثيل يهدف الى تحديد العنصر الجمالي الكامن في هذا الاختلاف، هذا العنصر الذي يصل عملية الحكي بالأدبية.
وهنا نصل الى الفصل الأول والذي جاء تحت عنوان (التبئير) والذي استهلته الباحثة بسؤال في غاية الأهمية وهو: أين تكمن بؤرة السرد في النص المسرحي؟ ومن هو السارد؟ .
ليأتي الجواب حاضرا : (لم تنل مقولات السرد الادبي الحظوة التي نالتها مقولة: ( وجهة النظر / التبئير ) بوصفها التقنية الاكثر فعالية في تحليل العلاقة بين الراوي / السارد وأحداث قصته من جانب وبينها وبين القارئ من جانب أخر محققة بذلك فعل التواصل.
ومن هنا فإن تقنية التبئير ذات أهمية مميزة في الخطاب الأدبي وبين الدراما / الخطاب المسرحي والأدب ثمة متشابهات كبيرة من حيث التأليف كما يذهب الى ذلك (اوسبنسكي) .
وهناك مسميات متنوعة لمفهوم واحد هو الزاوية التي ينظر من خلالها السارد الى أحداث قصته وشخصياتها، وموقعه منها، وهي: (وجهة النظر) مظاهر السرد / الرؤية / النظرة / المنظور / البؤرة السردية / التبئير / الموشور / الحقل المفيد / بؤرة السرد / زواية النظر / زاوية الرؤية / البؤرة / مركز السرد / الموقع / الوضعية السردية … إلخ. يرى ( جينيت ) أن ( التبئير ) أكثر تجريدية من باقي المسميات الأخرى، وينطوي على مديات اجرائية أوسع، حيث يقسم مظاهر السرد على: التبئير الصغر ( الحكاية غير المبأرة ) والتبئير الداخلي، والتبئير الخارجي وفي الانتقال الى موضوع (التبئير في المسرحية الكلاسيكية) .
ونقرأ في سطوره الأولى: ” تتناوب الشخصيات في الدراما الحكي من خلال الحوار الذي تتوزعه شخصيات المسرحية الكلاسيكية بحسب ما يتطلبه المشهد والموقف وبحسب موقعها (صوتها من الوقائع) الأحداث، ويمثل كل منها مصدرا للكلام.
هناك نمطان من الشخصية السارد في المسرحية الكلاسيكية احدهما: الشخصية المضطلعة بالحوار، والأخر، سارد غائب متوار خلف الشخصيات (فواعله) هو (المؤلف الضمني) الأنا الذاتية للمؤلف الحقيقي الذي يفترض بدوره حضور قارئ ضمني، وهما ينتميان الى العمل الأدبي لكن دون أن يكونا مشخصين فيه مباشرة; لأنهما لا يعبران عن نفسيهما أبدا بشكل مباشر وصريح) ويمكن عدهما بناء نصيا وعملية انتاج للمعنى، يخلقها الكاتب الحقيقي متخذا إياهما أداة للتعبير عن وجهة النظر، وتوسيع دفعة الأحداث وتحديد طبيعة بناء العمل الأدبي، وإن ما يصدق على المسرحية – الكلاسيكية – في هذا المجال – يصدق تماما على النصوص المسرحية المتفقة معها في الأطر العامة التي تحدد أجناسيتها، والقوانين البنائية التي تحكمها، ونعني ( النص المسرحي – الملحمي – والمسرحية المونودرامية) .
أما كيف نستدل على حضور صوت المؤلف الضمني فتؤكد الباحثة ما نصه : “يمكننا أن نستدل على حضور المؤلف الضمني اعتمادا على دلائل عدة أهمها: ما يدعى بـ (التوجيهات المسرحية) أو (النص الثانوي) الذي يشكل الاطار الذي يحوي النص المسرحي، ويقنن أبعاده، وإن ذهب بعض الباحثين الى عدّه اطارا هامشيا لا علاقة له بالنص الأساسي الذي يرسمه المؤلف ليوجهه الى المخرج.. إن التوجيهات المسرحية تزودنا ببدايات وجهة النظر الخاصة، والقصة المروية كلها بالحوار ستكون كذلك من غير وجهة نظر، ولكن ما أن تضاف عبارة وصفية من نحو : قال بقسوة، أو انتجت بضراوة، حتى نبدأ بامتلاك وجهة نظر خاصة والصوت الذي خارج الحدث يصلنا، ويشكل موقفنا من الحوادث المقدمة.
وحول المؤلف الضمني وعلاقته بالنص الثانوي نقرا : (إن المؤلف الضمني على الرغم من اختفاءه وصمته إلا أنه يفصح في اسلوبه عن طريق العلم بكل شيء فعليا، إذ يريد المؤلف الضمني منا الإيمان المطلق بإمكاناته الإستبصارية، ومن جانب أخر قد يحق لنا ادراج النص الثانوي تحت مقولة (الحوافز الحرة) كما يسميها توماشفسكي، أو (الوظائف الإدماجية) بحسب مفهوم بارت، وهي حوافز قارة لارتباطها بما يتصل بوصف البيئة، والوسط، والحالة، والمناخ، وطبائع الشخصيات، والأخبار المتعلقة بهوياتها، وأخيرا وصف الاطار العام الذي تجري فيه الأحداث، فهذه الوظائف أساسية المبنى الحكائي، لكونها المسؤولة عن الصياغة الفنية في العمل الأدبي.
إن المؤلف الضمني ما هو إلا راو عظيم ذو قابليات ووظائف متعددة، فعلى مستوى التوجيهات المسرحية يكشف الراوي العليم بكل شيء عن هويته في أول صفحة نطالعها في المسرحية الكلاسيكية، وكذلك نجد بصماته من خلال تدخلاته في وصف المكان ، مكان المنظر المشهد، كما نراه عاكسا ملامح الشخصية وانفعالاتها النفسية، وهناك ما يسمى بالوظيفة التوثيقية للمؤلف الضمني / السارد أو وظيفة (البيئة أو الشهادة) كما يسميها جينيت، وهي اشارة السارد الى المصدر الذي يستقي منه خبره، أو درجة دقة ذكرياته الخاصة. أو الأحاسيس التي تثيرها في نفسه مثل هذه الحادثة، ومثالها مسرحية (أهل الكهف) لتوفيق الحكيم استهل النص بآية قرآنية كريمة تتعلق بقصة أهل الكهف، اضافة الى ذلك فقد امتلأ النص بالتوجيهات المسرحية من حيث وصف المكان، وسلوك الشخصيات، وملامحها، وردود أفعالها نحو قوله : “ميليخا : ( مرهفا الأذن ) هذا صوت أناس عديدين !”.
مرنوش : ( ناهضا بقوة ) ويلنا .. هلكنا .. وقوله : ” لا تمضي لحظة حتى يشع من داخل الكهف ضوء، ثم يشتد اللغط ويدخل الناس هاجمين وفي أيديهم المشاعل ولكن، ما يكاد أول الداخلين، تبيين على ضوء المشاعل منظر الثلاثة حتى يمتلأ رعبا، ويتقهقر وخلفه بقية الناس في هلع وقد اضطرب نظامهم وهم يصيحون صيحات مكتومة” .
أثناء وصف سلوك الشخصيات وحركاتها، وهو ما يطلق عليه (اوسبنسكي) بـ(المشهد الصامت) وهو مصطلح يعود لـ(اوسبنسكي) في دراسته وجهة نظر على المستوى الحكائي قاصدا به الوصف التمثيلي الصامت لسلوك الشخصيات حيث يجري وصف الحركات والايماءات لا الكلمات.
وبالعودة الى موضوع الحوافز الإدماجية نقرأ : “أن النص المسرحي بموجبها – أي الحوافز الادماجية – ينشطر شطرين يفترضان فهما واحد للعملية الدرامية، فالشطر الأول يتعلق بالنص ذاته تركيبا ودلالة والمتمثل بالحوارات الملقاة على عاتق الشخصيات، والذي تجري فيه أحداث المسرحية، والشطر الثاني تجسده هذه التوجيهات التي ينبغي لها أن تكون مكثفة وموجزة ودالة في الوقت ذاته، وأن تترك للشخصيات المسرحية مهمة التعبير عن الوقائع من خلال أقوالها وأفعالها من دون التعكز عليها”.
وخير مثال للمشهد الصامت هو مسرحية ( الزنزلخت ) لعصام محفوظ حيث يتجلى المشهد الصامت في الوصف الموضوعي لحركات سعدون، ووصف مكانه : “… يسمع في العتمة صدى الدق على الباب … يبدأ الدق مترددا ضعيفا، ثم أكثر اكاحا وقوة وعصبية، حيث نرى سعدون يدق الباب في حين أن باقي الشخصيات في المسرحية جامدة في أماكنها سواء الواقفة أو الجالسة، وكل الوجوه نحو سعدون، يتعب سعدون من الدقة يتراجع يتلفت يمينا ويسارا، ينظر الى البوابة بصمت ثم يعود الى الدق … يتراجع يتحسس جبينه، يخرج عقدا من اللؤلؤ الأبيض يقبله، يرفع نظره الى الباب. ينزله، يتنهد، يطلق صرخة قصيرة).
وهذا ما يسمى بالسرد الموضوعي وهو السرد الذي يكون فيه المكاتب مطلعا على كل شيء حتى الأفكار السرية للأبطال وهو ما جعل تبئير المؤلف صفرا، لعلمه بكل شيء .
وحول موضوع التبئير الداخلي تذكر الباحثة : ( .. إذا كانت لمسات المؤلف الضمني تبقى شاخصة من خلال التوجيهات المسرحية، وهو النمط الأول من أنماط السارد الذي يواجهنا في الخطاب المسرحي، فإننا عند اطلاعنا على ما يضمه النص من حوارات متبادلة بين الشخصيات نقف عند النمط الثاني من الشخصية / السارد الذي يحقق له التبئير الداخلي.
من هنا يتميز النص المسرحي عن سواه من النصوص الأدبية المجاورة في كونه ذا مراكز متعددة، إذ تعبر كل شخصية في المسرحية عن خطاب ما، فتنطق باسم ذاتها، والى الحد الذي يجعلها دائمة التوق الى الظهور، وهو ما يحدث تنوعا في وجهات النظر فضلا عما يتضمنه النص من تقنيات حكائية تشكل جزء من بنية النص المسرحي، الكلاسيكية الداخلية التي تسهم بدورها في تعددية مستويات التبئير ) .
ومن النماذج التطبيقية على (التبئير الداخلي) نورد مسرحية “الأسوار ” لخالد الشواف، إذ تقول المغنية ( هرميا ) :
“وطني في الخليج يسأل عني، أين مني مهد الصبا، أين مني؟! أين بيتي فيه وشاطئ البحر كنت اغشاه في حداثة سني ؟! أين أمي وأخوتي وأبي الشيخ، وجار لي .. كان قرة عيني؟!. ليت أني نأى بي الموت عنهم قبل أن أعرف النوى.. ليت أني..لو سطا الموت بي كما فعل القرصان في حين غفلة، لم يبعني” .
هذا البوح الذاتي يعكس تبئيرا داخليا للشخصية نفسها التي تتداعى على ذهنها ذكريات مشاهد من حياتها بلغة شعرية غنائية.
وفي مسرحية ” أحزان أفريقيا – سولارا ” لمحمد الفيتوري، حيث يتبادل الخطاب (الحوار) بين نازاكي ( المغني غير المرئي ) وكورس الموتى، إذ يحاول المغني بعث الحياة فيهم من جديد بإذكاء روح الثورة والمقاومة في سرد موضوعي ذي تبئير صفر يقول :
عودوا أنى كنتم ..
عزباء كما أنتم ..
يا أحبابي الموتى عودوا
حتى لو كنتم قدمتم !
فيجيبه كورس الموتى مستفهما عن الطارق أبواب الموتى قائلا :
أيكون العالم ؟
لم يوقظ عالمنا هذا العالم
ماذا يبغي منا
يستجدي موتى مشنوقين
يستجدي موتى منفيين
يستجدي موتى مجلودين
لم يبق لدينا ما نعطيه
أعطيناه دمنا
أعطيناه حتى أعظمنا
وجماجمنا
ومضينا مقهورين، لا نملك إلا بعض التراب من ماضيه ) .
حيث قدم الكورس أهم الوقائع التاريخية – السياسية التي حدثت في (هاييتي) وما تبعه المستعمر من سياسة قمعية اتجاه الأفارقة الذين جابهوه بتضحيات جسام لم يحصدوا من خلالها إلا الموت، إن الكورس قد تبنى عملية السرد معبرا عن حال الجماعة في تبئير داخلي، ومؤديا وظيفتين : دور المشارك، ودور المراقب الذي يدرك الفعل ويقومه، وهو ما يدعوه اوسبنسكي بـ(وحدة الموقع الأيديولوجي) في حين أن شخص المغني غير المرئي صوت المبئر العالم بكل شيء، والمهيمن على مستويات الأحداث.
أما فيما يخص دور الجوقة فقد تكتفي بوظيفة سردية تلخص بواسطتها قصة ما، كما في مسرحية “عندما في الأعالي” لسعدي يوسف، إذ اختزلت الجوقة قصة الخليفة برؤية موضوعية.
الجوقة : عندما في الأعالي .
لم تكن زرقة أو سماء
عندما في الدواني
لم تكن لمسة الأرض
كان العماء .. العماء .. العماء
لم يكن غير ماء ،
غير تهويلة من ضباب وماء
لم تكن غير تلك الآلهة
تلك التي لها ماء وضباب
وماء الضباب .. وماء وماء وماء ) .
حيث نجد أن الجوقة قد تحولت الى فاعل داخلي ذي تبئير داخلي متوجهة الى المتلقي رغبة منها في عدّه شاهدا على ما تميله عليه من أسرار خفية بشان الآلهة أبان عن وظيفة اتصالية وتفسيرية (وتعني رغبة السارد في المشاركة في عالم قصته، وادماج القارئ واقناعه بما يحدث فيها من خلال تعليقات السارد وتوجيهاته) نحو قولها :
الجوقة :
هذه الآلهة
كلها
سواء لها
متذل الأرض
أو معرج في السماء
هذه الآلهة
كلها .. لا تطاق ..
انظروا : إنهم يسكرون
دون أن يخجلوا من أحد
دون أن يخجلوا
منكمو ، أيها البشر العابرون
إنهم يسكرون
ليقولوا لكم : إننا الآلهة .. إننا الخالدون !.
دعوهم فأنتم هنا ، وحدكم تعرفون
أي شيء يخلد ، أي شيء يمجد ، أي شخص يهون
هذا فضلا على ما ينم من منظور السارد الأيديولوجي .
وفي مسرحية “ثورة الزينج” لمعين بسيسو نلمس تنوعا في السارد الذي قام مقام الكورس في تمهيده للحدث الرئيس، واجمال فكرة المسرحية، فضلا عن وظيفة التعليق ، والتعقيب ، والشرح والتفسير ، وسوى بيد أن التنوع في السارد قد خلق تنوعا في الرؤية الأيدلوجية إذ مثلت كل منها موقف السارد من العالم ، الذي أرى الى تعدد في الأصوات :
الرجل ( صندوق الدنيا ) :
صندوق الدنيا والتاريخ على حبل غسيل ..
كل التاريخ على حبل غسيل ..
من يملك أن يدفع حفنة قمح أو حفنة ملح .
أو خيطا في ابرة .
فليتفرج
من لا يملك أن يدفع شيئا فليتفرج
صندوق الدنيا والتاريخ على حبل غسيل ..
من يتفرج منكم يا سادة …
كلكم مغسول ، كلكم مصبوغ
كما يتحسس ثوبه .. ولي على كل النماذج المسرحية الكلاسيكية المتقدمة قد كشفت عن تنوع وجهة نظر السارق داخل الخطاب المسرحي بين تبرير الشوقة الكورس الخارجي من خلال قيامها بالمراقبة والرصد والنقل والتفسير والتبذير الداخلي في صيرورتها أهداف أو وعي للخطاب وتبيينها وظيفة الفعل والتأويل وتتعلق هاتان الوظيفتان بالشخصية المشاركة في الحدث والمعبرة عن موقفها الذاتي وتنمية الحدث وهي بهذا تخلق ما يعرف بالرؤية الثنائية وهي الرؤية المتمخضة عن المزج بين الرؤيتين الداخلية والخارجية في تقديم المادة الحكائية الى جانب وظائف الكورس الأساسية المتمثلة بمهمة الوسيط بين الحكاية والمتلقي والعودة بالمسرحية الى خطاب الجماعة مع تحديد الجو العام للمسرحية .
أما بخصوص راوي المشارك فين اقرأ الراوي المشاركة والراء والضمير الأناء وهو الشخصية الموجودة في مكان الحدث وهو البطل الذي يروي قصته وله على الفعل القدرة على الفعل الأمر الذي يجعل حضوره ضروريا في دفع الحدث وتطويره ) ومثالها مسرحية ( جثة على الرصيف ) لكاتب ياسين حيث يطالعنا ( الأخضر ) الفاعل الداخلي المشارك في الأحداث كـ( يوسف ) في ( طلاق بغداد ) الفريد فرج، متعهدا برواية قصته رواية مقترنة بالفعل والتأويل، فرؤيته منطلقة من داخل الحكي :
( الأخضر : هنا شارع الوندال، إنه شارع في مدينة الجزائر، أو قسطنطينية، في سطيف، أو غلمة، في تونس، أو الدار البيضاء، لا فرق .. آه .. أن الفسحة لتضيق عن اظهار شارع الشحاذين والمقعدين بجميع أبعاده، وزوايا رؤيته، لتضيق عن سماع نداءات العذارى المسنات، لتضيق عن السير خلف توابيت الأطفال .. هنا ولدت .. هنا وما زلت أزحف لأتعلم الوقوف على قدمي، حاملا نفس جرح ( الصرة ) الذي فاته زمن خياطته منذ أمد بعيد .
أنا الرجل القتيل لغير ما سبب واضح . وسأبقى كذلك ما دام موتي لم يعط أي ثمرة، كحبة قمح صلبة سقطت تحت ضربان المنجل، لتتموج الى الأعلى، وتستعد من جديد لتلقي الضربة التالية على البيدر، هنا شارع الوندال .. شارع الأشباح، شارع المجاهدين، حيث أستطيع أن ألفظ الروح فيه. دون أن أفقدها، لم أعد جسما .. إني الآن شارع …) .
ومن هذا المقطع نتعرف على بانوراما سيرية للفاعل الداخلي في تبئير داخلي، وللشارع الذي عدّ رمز للجهاد والمقاومة، إذ انطلق الأخضر من منبع الأحداث وتطورها متعهدا بوظائف عدة، بين توثيقية، وتصويرية، وإبلاغية، وانفعالية، وتفسيرية، ووظيفة أيدلوجية، ويبدو لنا أن صوت الكاتب قد انصهر مع صوت الأخضر، بمعنى أن الأخضر كان الشخصية المركزية التي تبنت وجهة نظر الكاتب، ولا يمنع من أننا نسمع أصواتا أخرى الى جواره.
وبالعودة الي مسرحية”حلاق بغداد” والتي نرى فيها أن الشخصية المحورية قد تتكفل بالمشهد الاستهلالي، إذ تسرد الأحداث من وجهة نظر داخلية، يتبناها البطل / الفاعل الذاتي الذي عايش الأحداث وتفاعل معها، وغالبا ما يستشف من تبئيره وجهة نظر المؤلف الضمني المتواري خلف شخصياته متوسلا (الحوار .. أو المونولوج الداخلي أو كل هذا معا بحيث نكون شاهدين مباشرين على ما تقوله الشخصيات أو عليه هو كواحد منها :
يقول ( يوسف ) الشخصية المركزية في مسرحية “حلاق بغداد” : ( أنا يوسف الموصلي ابن شاهبندر تجار الموصل، ولي قصته لوكتبت بالإبر على آمات البصر صارت عبرة لمن يعتبر، لما رأى أبي أني شببت عن الطوق أراد أن يدربني على التجارة والسفر فأوفدني الى بغداد مع رسالة من أثواب الموصليين، فرحب بي الشيخ فبينما نحن نتجاذب الحديث إذ وقع بصري على وجه ما رأيت في حياتي أجمل منه، وقع في قلبي حبها، أضناها الشوق وطول السهر، فاتفق رأينا على أنه لا حياة لنا في هذا العالم، العشاق يموتون جيلا بعد جيل في مثل هذه القصة ..) فيوسف يتحّدث بضمير المتكلم، لأنه يبئر قصته بنفسه فرؤيته داخلية وصوته داخل الحكي .
وحول موضوع تعدد الشخصيات / الساردين، نقرا ما نصه : ( هناك نماذج مسرحية تميزت بتعدد الشخصيات / الساردين، إذ تتكفل كل منها بحكاية الواقعة بشكل متناوب محدثة تعددية في الرؤى بتعدد للفواعل / الساردين أو ما يسميه تودورف بـ( الرؤية المجسمة ) كما في مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) لسعد الله ونوس، فتفصيلات الحادثة تكتمل لدى القارئ من خلال مجموع الحكي الذي تمارسه شخصيات المسرحية ( رجل1 ، رجل2 ، رجل 3 ، رجل4 ، رجل5 ) حيث يأخذ كل منهم موقعه في أحداث القصة ويحكيها من وجهة نظره الخاصة به ولاسيما أن كل منهم كان مراقبا – راصدا للواقعة وصوته انبثق من داخل الحكي. وهذا الموقع قد سوغ لهم تبئير الحدث تبئيرا خارجيا لكنه لم يكن موضوعيا بذاتيتهم وهو نفسه ما نلمسه في وصفهم لكيفية مقدم الفيل وما تبعه من دهسه الطفل، ووصفهم حالة الذعر التي إنتابت الأخرين ولا سيما والدة الطفل، وفي مسرحية ( الصخرة ) لفؤاد التكرلي تتجلى الرؤية التعددية المجسمة في الخطاب المعروض المتبادل بين ( منتظر رحمة الله ) الشخصية الرئيسية التي فاجأها ظهور الصخرة في بيتها ومجموعة الجيران المؤلفة من ( الجار العالم، والجار المهندس، والجار المخطط، والجار الذي يفهم كل شيء) إن أبعاد الرؤية المتعددة تتضح من خلال التعرف على هوية الشخصيات المساهمة في أحداث المسرحية الكلاسيكية وهو ما تفصح عنه ايضا الألقاب المهنية التي تحملها الفواعل فلكل منهم تبئيره المستقل الذي يوحي بمرجعيته الثقافية العلمية تحديدا إبان ما يدلي به من وجهة نظر داخلية تمثل بدورها وجهة نظر الحقل العلمي الذي ترمز إليه الشخصية، وما محاولة المؤلف تجريد الشخصيات من اسمائها إلا دليل لذلك، والذي ينبغي ذكره هنا من الصخرة – كما يراها أحد الباحثين – رمز لمأساة جماعية اقتربت فكرتها من مسرحية ( اميديا ) ليوجين يونسكو التي ترسخ مفهوم الدمار الذي تسرب الى أهم وحدة اجتماعية وهي العائلة موحية بالضيق من الوضع البشري بكامله، هذا الضيق الذي يرجع الى عوامل ميتافيزيقية تدخل في طبيعة الوجود، وليس فقط الى فقدان العدالة داخل المجتمع البشري نفسه، وحول مفهوم تعدد الأصوات تذكر الباحثة : ( إن مفهوم تعدد الأصوات يتبلور حين تحضر وجهات نظر مستقلة متعددة في داخل العمل وتوضح كلمة (بوليفوني) التي تعني تعدد الأصوات نفسها، فضلا عن وجوب انتماء وجهات النظر في العمل المتعدد الأصوات مباشرة الى الشخصيات المشاركة في الأهداف المروية في الفعل، بعبارة أخرى يجب أن لا يوجد موقع ايديولوجي مجرد خارج شخصيات الشخوص، وكذلك الحال مع مسرحية (الحر الرياحي) لعبد الرزاق عبد الواحد، حيث ضمت عدة أصوات (صوت المسيح، صوت جيفارا، صوت من خلف المسرح، الحر، يوحنا، كورس، رجل مقطوع الرأس) حيث أفرزت هذه البوليفونية التعددية في الموقف، والتجربة، والمعاناة، والمجابهة … التي تبنتها هذه الأصوات. تعددية في الرؤية التبئير الداخل الذاتي، ولكل شخصية صوت يسهم في بلورة الصراع ودفعه الى مواقف متوترة قادرة على صياغة انتصار إحدى القوانين وتعددية الأصوات للشخوص تقرن بالدرجة الأساس بالحدث الدرامي الذي يكون بمثابة الإحتكاك المباشر للشخصيات المتعددة، المنجزة أو تلك التي تكون في طور الصيرورة.
وحول ما يتعلق بالمناجاة الدرامية تذكر الباحثة: “من المؤكد أنه تبئير الشخصية السارد يكون داخليا ذاتيا حيث الضمير – أنا – فأنه ينقلنا الى الداخل كما في مسرحية ” الحسين ثائرا ” لعبد الرحمن الشرقاوي الزاخرة بالمونولوجات الداخلية نحو مناجاة سيدنا الحسين عليه السلام لله سبحانه وتعالى ومنها نقتطف :
( ربي ، الى من توكل العبد الضعيف ؟
أنا ذا أدعوا مثل جدي
حين طارده رجال من ثقيف
قد أتاهم بالهداية :
إن لم يكن بك من غضب علي فما أبالي !
إني فزعت إليك من دنيا يزيد
وهرعت نحو رحابك القدسي بالخير الطريد
أنا ذا لجأت إليك يا ذا الحول والجبروت يا رب الجلالة .
أما بخصوص التبئير على المستوى التعبيري فنقرا : ( في المسرحية الكلاسيكية يطالعنا نمط آخر من التبئير على المستوى التعبيري، والمقصود به الحالات التي يستخدم فيها المؤلف لغة مختلفة لوصف الشخصيات المختلفة أو حيث يستفيد من شكل أو أخر من الكلام المنقول أو المبدل في وصفه نحو مسرحية المهرج لمحمد الماغوط وهي مسرحية انعكاسية لكونها تعالج موضوع المسرح وتتخذه أداة للفعل الدرامي، ففيها نلمح التبئير تعبيريا محملا على لسان المهرج متمثلا بالأخطاء النحوية التي تثير الانتباه، نحو قوله : “وأهمية هذه الظاهرة أن القائمون عليها المدرس محتجا أن القائمين عليها ..
المدرس : ( محتجا ) أن القائمين عليها، وليس القائمون، وقوله مؤديا دور (عطيل) أيها الليل أيها النهار أيها العصر أيها المساء اشهد على حبي.
المدرس : (محتجا) اشهدوا .. اشهدوا. وقوله : “طالما الموضوع معلقا بيننا، وبعد أن يحتج عليه المدرس مصححا قوله:( غلط ، طالما أن الموضوع معلق) يصر المهرج على خطئه، فيقول : ( طالما الموضوع معلق ) إن خطاب المسرحية الانعكاسية هو في حقيقة الأمر رسالة موجهة مقصودة – أي – شفرة تشير في ثناياها الى اطار التفسير حيث يسعى اسلوبه الى تفكيك العملية المسرحية وكشف حقيقة المتلقي بوصفها اسطورة بالمعنى الذي يستخدمه، ولأن بارته أي مجموعة من العناصر الواقعية تم انتظامها في لغة مجتمع معين فاكتسبت معانيه لا تتصل بها بصورة طبيعية بل تستخدم أغراضا أخرى تتصل بأيديولوجية هذا المجتمع وتتجلى وجهة النظر على المستوى التعبير كذلك في مسرحية “الغريب ” لمحمود دياب الحافظ المؤلف على شخصيتي الغريب الألمانية من خلال جعله يتحدث بلغته التي لا يجد سواها مع الفلاحين لقد بلور هنا الخطاب المسرحي الكلاسيكي إنموذجا أخر لوجهة النظر على المستوى التعبيري تمثل في توظيف لغة أجنبية الى جانب لغة المسرحي الأساس لتعزيز حضور الشخصية الغريبة إذ أنها تجسد المستوى الوحيد في العمل الذي نستطيع أن نضبط فيه التغييرات في موقع المؤلف وتميز الشخصية السارد على المستوى التعبيري في وجهة نظرها يوحي لنا بأن هناك شخصية واحدة فقط تؤدي وظيفة حامل له لوجهة نظر المؤلف في العمل بكاملة وخلاصة موضوع التبئير في المسرحية الكلاسيكية هو أن التنوع في الشخصية السارد في المسرحية الكلاسيكية من حيث صوته موقعه داخل الحكي أو خارجه قد تمخض عنه في الأغلب التبئير الداخلي حيث الاناء المشارك في الحدث وأن لم يمنع ذلك من حضور الاناء الراصد المراقب في السرد الموضوعي والرؤية الخارجية وهذا يمثل حضورا ضئيلا مقارنه بالنمط الأول فضلا عن الرؤية الثنائية الشخصية السارد ذاتها ونعني بها الرؤية الداخلية والخارجية الى جانب الرؤية التعددية المجسمة نتيجة تعدد الشخصيات، الساردين للحدث الواحد أو لمجموعة أحداث يتعلق كل واحد منها بشخصية السارد، ولم تكن وجهة النظر على المستوى التعبيري، والنفسي، والأيديولوجي شيئا جانبيا، بل تخللت تبئير الشخصية – السارد بحسب غايته – هذا كله لم يخلق لولا وجهة نظر السارد الضمني، ولمساته التي تتراءى للقارئ بين الحين والأخر إبان التقنيات الدرامية المتعددة.
هنا نصل الى موضوع ( التبئير في المسرحية الملحمية ) وجاء في سطوره الأولى: ” إنما زهدا النمط من البناء المسرحية عن سابقه بتقنيات انشائية مبتكرة أهمها تقنية ( الراوي ) – في اللفظ الصريح للكلمة – الذي يتوخى منه أحداث التغريب البريختي، ففيه دعوة للمتلقي الى أن يتوقف بإزاء الأحداث معيدا النظر فيها فاعلا ومغيرا أن تقنية الراوي الذي يقوم بدور الوسيط بين الشخصيات المسرحية والمتلقين .
أما عن وظائف الراوي فنقرا : (.. امتلاكها تأملات خاصة اسعار من وراءها الى الغاء عنصر الإيهام من ذهن القارئ، وهي وسيلة من الوسائل التي تولد الدهشة والغرابة، وتزود المتلقي بخلابة للأحداث وتصرف أفكار لشخصيات ودوافعها، لتتيح القارئ فرصة التفكير والحكم، كما أنها قناع هدفه إبراز الشخصيات وتوضيحها بحسب مكانتها في النص وقدرتها الابداعية والحركية، وبدلا من عرضه للأحداث – أي الراوي – فهو يتلوها ويرويها، وكمثال على ما تقدم، نقدم مسرحية ” آه يا ليل يا قمر” لنجيب سرور حيث يهتم الراوية على الرغم من أنه غير مرئي مفهوم الحائط الرابع، ونؤكد للجمهور ليس بالكلمات وإنما بمجرد وجوده أن ما يراه مسرحية وليس واقعا وذلك يمنع الجمهور من التوحد مع الشخصيات أو الحوادث، ويشجعه على التفكير والحكم.
يستهل صوت الراوي المسرحية مركزا تبئيره على (بهية) وإن كان صوته خارج الحكي بيد أنه جريته في امتلاك الضمائر وتقييم المواقف من خلالها فضلا عن اقحامه وجهة نظره الأيديولوجية قد أو ما الى كونه مشاركا في الأحداث الى جانب مراقبته إياها على الرغم من محدودية ظهوره في تضاعيف المسرحية :
صوت الراوي : هي تدري أننا حين نموت .. لا نعود ..
لم يعد من الموتى أحد .
لبهوت .
رغم هذا فالبذور .. ليس تفنى حين تدفن
ربما الإنسان ايضا ليس يفنى حين يدفن !.
ولهذا قد يعود
هو ياسين لها ..
ذات يوم ! ذات يوم !
في فراشه .. أو حمامة .. أو يمامة ..
هكذا الناس جميعا يؤمنون في بهوت بالتناسخ !.
ولهذا تنظر تحت ظل النخلتين .. كل ظهر
عندما يأتي القطار في الآذان .. لتغني
ثم يصفر
بل ويصرخ مثل ما لو كان يسأل :
يا بهية وخبريني على اللي قتل ياسين !.
فتجيب وهي تبكي .. قتلوه .. من فوق ظهر الهجين !.
أما راوي ( مسافر ليل ) لصلاح عبد الصبور فقد تنوع تبئيره هو الآخر، إذ يستهل المسرحية في دور الأنا الراصد – المراقب أفعال المسرحية – وتحركاتها مصورا إياها برؤية خارجية يتخللها كلام تقويمي للراوي يقول :
( بطل روايتنا ومهرجها رجل يدعى ..
يدعى ما يدعى
ماذا يعني الاسم ؟
والوردة تحت أي اسم تنشر عطرا ..
صنعته أي صنعة
ولنحكم في هيئته وثيابه
وهو يسافر في أخر قاطرة ليلية .. نحو مكان ما
ويعد عواميد السكة .. واحد .. اثنين .. ثلاثة .. اربعة .. خمسة .. مائة .
ويستمر الراوي بوظيفة التصوير، والمراقبة، والتفسير واصفا ( الراكب ) :
( الراكب تسري الدهشة في فكيه وعينيه
وجه مرسوم في اعلان
بل هو خائف للإنصاف، قليلا وهو يقول لنفسه ) .
هذه الرؤية الخارجية لا تخلو من رؤية أو منحاز في قوله : ( للإنصاف قليلا ) وتنم عن رغبة في استنطاق الداخل في قوله : (بل هو خائف) حيث محاولة الراوي استكناه مكامن الشخصية ويتضح ذلك أكثر عندما يروي ما قالته الشخصية في نفسها على هيئة مونولوج مباشر بضمير الشخص الثالث :
قال الراكب في نفسه
ما يدريني ، فلعل الرجل هو الاسكندر
ولعل الموتى العظماء
ما زالوا أحياء
وعلى كل ، فالأيام غريبة
والأوفق أن نلتزم الحيطة
ولعلي إن لنت له أن يتركني في حالي
قال الراكب في نفسه .. فلا تذلل له ) .
إن هذا النسق في السرد يسمى بـ ( أنا الراوي الغائب ) أو ( الشخص الثالث الذاتي ) فقد امتزجت رؤية الراوي مع رؤية الشخصية في سرد ذاتي مباشر منطوق، وما تكراره عبارة ( قال الراكب في نفسه ) إلا تأكيد على أن للراكب وقد جاء في صيغة حوار داخلي يفترض أن يكون صامتا ( إن الراوي الذي يسرد الأحداث بضمير الشخص الثالث هو الراوي الموضوعي، إلا أن السرد أو القص يصبح ذاتيا عندما يتحول هذا الراوي الى راوية للأحداث من وجهة نظر شخصياته، بل يرى بأعينها ويعي العالم بوعيها وادراكها ) وقد تعهد الراوي نفسه بوظيفتي التوثيق والتعليم حينما قاطع الشخصيتين ليقحم صوته قائلا :
( إني أحفظ هذه الكلمات فيما أحفظه من درر القول مثل : جوّع كلبك يتبعك .. سيدنا النعمان بن المنذر ، ومثل : عندما أسمع كلمة الثقافة أتحسس مسدسي .. سيدنا هرمان بن جورنج ، ومثل : إني أربى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها .. سيدنا الحجاج الثقفي ) .
وهاتان الوظيفتان تشعران بالرؤية الأيديولوجية الذاتية للراوي ) .
وفي مسرحية ( السؤال ) لمحيي الدين زنكنة نجد توظيفا آخر للراوي، فهي مسرحية مستلهمة من التراث (الف ليلة وليلة) تستهل بإنقسام الممثلين الى فريقين أخذا على عاتقهما مهمة التصوير، والابلاغ، والتفسير، إذ يقول الفريق الأول: نحن هنا نروي لكم حكاية، هي واحدة من ألف حكاية وحكاية نسجتها شهرزاد سياحا .
تحلم خلاله أن تخنق عطشا سيف مسرور
وتسكن أجفان شهريار .. ألف ليلة وليلة !.
الفريق الثاني : ولكننا لا نرويها كما روتها شهرزاد
فنحن لم نعد نخاف سيف الجلاد
بالرغم من أن أحفاد مسرور .. مازالوا يذبحون السرور .
فإنا لا نفرش حكاياتنا .. مضاجع وأوهام ) .
بعد هذا التشخيص الموجز لفكرة المسرحية تتقدم الممثلة مخاطبة المتلقي ، ومغربة الحدث بالإشارة الى مرجعية الحكاية : ( فليرجع الى المجلد الأول من ألف ليلة وليلة حيث حكاية الخياط والأحدب واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع بينهم ، وهذه هي الوظيفة التوثيقية .
لقد تولى الفريقان السرد بضمير ( الأنا ) المشارك في الأحداث، فالتبئير داخلي، ثم يتقدم الراوي متعهدا سرد الحكاية سردا موضوعيا وبرؤية خارجية، حيث صوته خارج الحكي مكتفيا بمهمة ربط الأحداث وروايتها، وإيصالها الى المتلقي فهو راوٍ محايد ينقل للمتلقين ما يقرأه من كتاب الحكايات قائلا : (.. من بغداد العجيبة الغريبة هذه نروي لكم الليلة، ياسادة يا كرام، حكايتنا، حكاية الطبيب صفوان بن لبيب وما جرى له من العجيب والغريب تقول الحكاية : كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان كان طبيب يدعى صفوان …الخ ) .
إن الراوي الناظم الخارجي لا يتكفل بالسرد وحده، بل يختفي أحيانا تاركا الشخصية المشاركة بالحدث تتحدث باسمها عن نفسها، وهذا اسلوب جديد من شأنه جعل الأحداث مبأرة من الداخل، نحو شخصية (الحمّال) في قوله : (.. أنا أحمد بن سنان الحمال انوء دوما تحت الأحمال والأثقال، في رأسي صداع نغص عيشي سمم حياتي، وكم فكرت بالانتحار للتخلص من الفقر والعار، لولا الصغار ).. ثم يظهر الراوي الناقل للحكاية ليكمل رؤيته لها جزئيا جاعلا الشخصية / السارد تستأثر بقصتها، وتحكيها إبان الفعل والحركة المجسدين بالحوار الذي يوشح الخطاب المسرحي .
وبالإنتقال الى نموذج مسرحي أخر هو ( لكع بن لكع ) لأميل جيبي نراه قد اعتمد الراوي والحكواتي بالإسلوب القصصي ليمتزج مع الشكل المسرحي فإنه قد استخدم تقنيات الحديثة في البنية القصصية والدرامية، وقد أفاد من المسرح الاحتفالي والغنائي مثلما قد أفاد من شكل المقامة والخبر والسيرة الشعبية ونحوها، وقد أتاح له شكل صندوق لعجب أن يعتمد على اسلوب الراوي الذي يتمثل في المؤلف / الراوي حينا وقد يتمثل في المهرج وغير حينا آخر، فيقول المهرج مخاطب المتلقين :
قم تفرج يا سلام على شيء ما كان ولا كان
شوف بوزيد الهلالي كان يعزف بموالي
شوف ذياب بن غانم ، غانم ايش وهو نايم ؟
قم تفرج يا سلام على عجايب الزمان
صندوق العجب ! صندوق الدنيا !.
حيث كان ما كان ، في غابر العصر والأوان
وكنت اطل على الحارة بصندوقي
كان الصغار يتحلقون حوالي كالهلال الخصيب، ويتناوبون النظر في عيني صندوقي ) .
إن دور المهرج ( الراوي داخل هذه الحكاية المسرحية جاء للتعليق على الأحداث، ولطرح الأسئلة على المتلقي لتوجيهه، وإيقاظ عقله للتصادم مع المحكي والمشخص، وهو في هذا يمارس دورا تعليميا، لا يشبه دور الراوي التقليدي، ولكنه يضطلع بمهمة سياسية وفكرية، وفنية في حركية النص، وبناءه، لأنه يفتح الحوار مع الجمهور أثناء التحول من حالة الى أخرى، ومن موقف الى آخر، إنه أداة تحفز على التفكير والتعرف في أخر كل حركة، أو بداية أخرى، فهو يربط ما بين الأحداث ليخلخلها – بعد ذلك – داخل ذهنية المتلقي الذي ارتبط بالنص عن طريق المشخص الذي جعله في علاقة صوتية وبصرية مع الفرجة) .
والخلاصة هنا بخصوص المسرحية الملحمية المتضمنة تقنية الراوي وما يقوم مقامه وهو إذ يروي حكايته في تبئير داخلي حيث الأحداث يحكيها من الداخل ينقل للمتلقي تجاربه التي اختزلها صندوق الدنيا، وما أن ينتقل الى الآخرين حتى يبدأ بوصف حالاتهم وسلوكهم في تبئير خارجي، وسرد موضوعي تاركا الشخصية، السارد تبئر أحداثها داخليا.
وعليه فإن تقنية الراوي وما ينوب مقامه إليه سردية مغايرة تماما لمفهوم الراوي في الرواية – مثلا – إذ ينجم التغاير عن استقلالية الراوي في الخطاب المسرحي وظيفة وموقعا، وشكلا، فقد يكتفي بوظيفة السرد وتقديم موجز عن أحداث المسرحية مع الربط بين الوقائع وتفسيرها، وعقد اتصال بينها وبين المتلقي .
وهنا يكون ذا تبئير خارجي وسرد موضوعي، ويمكن أن تدعوه بالراوي (غيري القصة ) أو ( المفارق مروية ) أي السارد الغائب عن القصة التي يرويها، وقد يشتط عن كونه راويا فقط الى المشاركة في الأحداث في الآن ذاته خالقا رؤية ثنائية خارجية وداخلية متحولا الى الشخصية / السارد، وقد تنزاح هذه الأخيرة عن موقعها لتؤدي دور الراوي لما تقوم به الشخصية ذاتها، وما تفكر به وتشعر في تبئير داخلي، هذا من جانب ومن ناحية أخرى، تتضافر الشخصية المشاركة في الوقائع مع الراوي في تبئيرها داخليا وقد يتعهد أكثر من راوٍ واحد، وأكثر من شخصية واحدة بمهمة الحكي وتبئيره في شكل متناوب خالقين تعددية في الرؤى ) .
وهنا نصل الى الموضوع الأخير في هذا الفصل وهو ( التبئير في المسرحية المونودرامية ) وقي مقدمتها نقرأ : ( في هذا النمط من البناء المسرحي لا نجد سوى التبئير الداخلي – الذاتي – إذ يدعى السارد بالصيغة الشخصية للحكاية، أو السارد المتماهي بمروية، فالفاعل الذاتي / الشخصية، السارد هو الراوي المبئر تبئيرا داخليا في سرد ذاتي الى جانب رؤية المؤلف الضمني الموضوعية المتجسدة في الارشادات المسرحية في مونودراما ( لقمة الزقوم ) لوليد اخلاصي يتمظهر الساردان : (لقد اختفت إذن هل يمكن لها أن تختفي بمثل هذه السهولة (يثور فجأة) أنا أعرفهم جيدا، أعرفهم فردا فردا (يهدأ فجأة) المعرفة تجربة والتجربة معرفة وأنا أعرفهم، يستمعون إليك يستمعون بإخلاص، ثم تنكشف الحقيقة، فإذا هم يسرقون الكحل من العين، من يدري فقد يكون السارق أكثر من واحد، قد يكون كاذبا، من يدري، بل هو كاذب حتما، الكذب ورم عقلي بل ويرى بالعين المجردة، لماذا يكذبون ويسرقون، لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ فالنص المونودرامي – في الأغلب – يعتمد السرد المباشر بضمير المتكلم لا بضمير الغائب، وهذا ما يمنحه زخما دراميا، وهنا يكون السرد ذا طبيعة درامية قادرة على مسرحة فكر الشخصية وعرضه بصورة درامية من خلال ممارسة الشخصية المونودرامية لعملية المسرحة الذاتية، أي مسرحة أعماق الشخصية ودواخلها ) .
وبالإنتقال الى عينة أخرى هي مونودراما ( النظارات ) لبول شاؤول نتعرف على نمط جديد من البناء الفني الدرامي، حيث التبئير يتم بواسطة الراوي أو الراصد والمراقب لما يقوم به الشخصية / البطل من أفعال وسلوك ويصف تحركاتها، ويشخص بعديها الجسمي والنفسي من دون أن نسمع صوت الشخصية / البطل تماما في تبئير خارجي / موضوعي، وإن كان صوته داخل الحكي، نحو قوله: ( يمشي من السرير حتى النافذة يتوقف ثم من النافذة الى.. يعود بنظارتين أخريين، يعبر قرب الخزانة الحائطية قرب المرآة، النافذة، السرير، ينزع النظارتين اللتين يضعهما على عيني، ينحني يريحهما على الكومودينا، ينهض يضع النظارتين اللتين في يده على عينيه، يستدير نحو رفوف الكتب يمد يده، يسحب كتابا يحدق الى غلافه، ينفضه من الغبار بيده، ثم يمسحه ببنطلون البيجاما، يفتحه، يقرب عينيه يسوي نظارتيه ) .
وبالإنتقال الى عينة ثالثة هي ( انهزامية حزينة ) لجليل القيسي، يتحدث البطل بصيغة ضمير المخاطب مع شخصية ساكنة لا تتحرك، والفاعل الذاتي من خلال مخاطبته الثاني، يكشف عن ذاته في تبئير داخلي ( أرجوك .. أرجوك دعني أتكلم .. لا .. لا تقاطعني، أعرف أن المتفائل الحقيقي تستسلم له المشاكل وتحل نفسها بنفسها .. أنت تحاول إغرائي، وتسمعني كلما جلسنا نشرب، كلا ما مجردا، أنا معك إن فرصة الحياة الحقيقية هي عندما يوظف الإنسان جميع طاقاته قبل أن يرمى مع النفايات ) وهذا ما يمكن أن ندعوه ( وجهة النظر المقيدة ) حيث المؤلف يقدم كل شيء من خلال ذهن شخصية واحدة، وهي ذهنية الفاعل الذاتي حتما ذي الرؤية الداخلية، وتجنبا للإطالة نكتفي هنا بالنموذج الأخير وهو ( ليلة دفن الممثلة جيم ) للكاتب جمال أبو حمدان حيث تسترسل ( الممثلة جيم ) في سردها المبأر داخليا مستسلمة لتهويمات ذاكرتها، وافرازات لا وعيها، وصراعها الذاتي مع نفسها وخلجات شعورها إبان ما ينثال على لسانها من فيض كلامي يكشف عن الأزمة الذاتية التي تنتابها، والتي شكلت لها عقبة كبيرة في حياتها جعلتها في حالة إنكفاء مستمر وعزلة واضطراب نفسي، لنقرأ :
( لا مسرح الآن .. وأنا خارجة ، لا شيء .
لا أقدر أن أنقذ ذاتي .
قمت بأدوارهن ، حتى فقدت نفسي ودوري .
لم أعد الإنسانة جيم ، ولا الممثلة جيم .
من قال إن مأساتي ، أخفّ من مآسيهن ؟!.
كن عظيمات في التاريخ، شخصيات الأدب والفن والخيال، وأنا لست الآن إلا امرأة منزوية في عتمة نسيان أقسى (تصم اذنيها) .
– لا أريد أن أسمع صداء تصفيق ( تدور في المكان ) .
– لا أريد هذه الأقنعة ، لا أريد ذكرى ، تعبت ويحق لي أن أرتاح .
صنعت .. وأريد أن أجد نفسي ، آه من هذا الزمن المرّ الطاحن .
.. يردنني أن أنقذهن، لو يعرفن مأساتي، مثلما عرفت مآسيهن، وعشتها ( تجلس متخاذلة ) آه لو أنهن لا يأتين .. لا يأتين أبدا .
لا فائدة، صرن في الداخل، في داخلي، ولا فائدة، من يحمل همي أنا ؟
وأنا أحملهن كلهن في داخلي، من يخلصني من عذابي بهن ؟ .
(تصرخ موجهة كلامها الى الأقنعة المبعثرة، وكأنها تخاطب الشخصيات الوهمية، وكأنهن ثلاث أمامها من خلال الحوار بينها وبينهن .
– نعم عذابي بكن أخلصكن من عذابكن ، فمن يحمل عذابي أنا ؟
كم تعذبت معكن ومن أجلكن .

