مقالات

الشهداء يعودون.. ليسألونا: لماذا قتلتم ذكرانا؟/ د. علي خضير محمد

مسرحية الشهداء يقتلون من جديد

المقدمة
بين حافة الذاكرة وهاوية النسيان، تقف التضحية كسؤال وجودي ينتظر إجابة قد لا تأتي أبدًا. فما معنى أن تموت من أجل وطن، ثم يعود هذا الوطن ليقتل ذكراك من جديد؟ في فضاء مسرحي مكثف، حيث تتحول المقبرة إلى منصة للخطاب والأكفان إلى أردية للحقيقة، تطل علينا مسرحية “الشهداء يُقتَلون ثانية” لتخلخل يقينياتنا حول الذاكرة والوطن والتضحية.
كأنما انشق جدار الصمت، ليعود من ورائه من دفعوا حياتهم ثمنًا لوطن، فيجدونه قد تحول إلى غريب لا يعترف بهم. هذا السؤال المؤلم هو ما تدفعنا المسرحية لمواجهته، ليس من خلال خطاب تبجيلي، بل عبر حوار درامي عميق يكشف الهوة بين تضحيات الأمس وواقع اليوم. إنها تحول خشبة المسرح إلى مختبر أنطولوجي تختبر فيه علاقتنا بالتاريخ وبالقيم وبأنفسنا.
المسرحية لا تروي ماضي الشهداء بقدر ما تحاكم حاضر الأحياء، وتزرع أسئلة كالأظافر في جدار الوعي الجمعي، معلقة عليها أكبر قضايانا المصيرية. إنها استفهام فلسفي جريح يخترق صمت المقابر ليسأل: أي وطن هذا الذي صرنا إليه؟ وأي أحياء نحن الذين نستحق كل هذا الموت؟
مسرح اللامكان: أنطولوجيا الغياب في عرض “الشهداء يُقتَلون ثانية”
لا يقدم هذا العرض المسرحي مجرد حكاية عن شهداء عائدين، بل يخلق أنطولوجيا خاصة بالغياب. فالمسرح هنا يصبح فضاء للوجود اللامحسوس، حيث يتحول الموتى إلى كائنات خطابية تطرح أسئلة تخص طبيعة الواقع نفسه.
الاستعارة الكبرى: الموت كحالة وعي متجاوزة
الفرضية الأساسية في العمل – عودة الشهداء – ليست مجرد أداة درامية، بل هي مدخل إلى فلسفة الوعي. الشهيد العائد لا يمثل فردًا، بل يمثل حالة وعي جمعي تبحث عن معنى في عالم فقد القدرة على فهم اللغة الرمزية للتضحية. إنه الوعي الذي يظل حيًا رغم موت حامله المادي.
المقبرة كفضاء ميتافيزيقي
تتحول المقبرة في هذا العمل من مكان للدفن إلى فضاء ميتافيزيقي للحوار بين الوجود والعدم. إنها الـ(هنا) و(الآن) الفلسفي حيث تتعطل الزمنية التقليدية، ويصبح الماضي حاضرًا، والحاضر غائبًا. الشهداء في المقبرة ليسوا أمواتًا بالمعنى التقليدي، بل هم كائنات وجودية تقيم في حيز وسطي بين الذاكرة والنسيان.
جدلية الحضور والغياب
يخلق العمل فلسفة خاصة للحضور من خلال الغياب. فالشهداء، رغم غيابهم الجسدي، يحضرون بقوة في الخطاب الأخلاقي. بينما الأحياء، رغم حضورهم المادي، يغيبون أخلاقيًا وفكريًا. هذه المفارقة تخلق أنطولوجيا مقلوبة، حيث يصبح الغياب شكلًا من أشكال الحضور النقدي.
الجسد المسرحي كوسيط أنطولوجي
أداء الممثلين يتحول إلى وسيط أنطولوجي ينقل إشكالية الوجود في عالم فقد مرجعياته. حركاتهم، نظراتهم، صمتهم – كلها أدوات فلسفية لتجسيد أزمة المعنى في الزمن الحاضر. الممثلون لا يمثلون شخصيات فحسب، بل يمثلون أفكارًا تجسدت، وأسئلة تتجسد.
الفضاء المسرحي ككون مصغر
العلاقة بين الممثلين والفضاء تخلق كونًا مصغرًا تعكس أزمة الوجود الجمعي. الازدحام على الخشبة ليس تقصيرًا تقنيًا، بل هو تعبير بصري عن ازدحام الأسئلة الوجودية في وعي يرفض النسيان. كل ممثل يصبح كوكبًا في مجرة الذاكرة، يدور حول نواة من الأسئلة المصيرية.
اللون الأبيض كاستعارة للغياب المشخص
الأكفان البيضاء لا تمثل الموت فحسب، بل تمثل حالة من النقاء الأخلاقي المعلّق في زمن الفساد. إنها الغياب الذي يظل حاضرًا، والصمت الذي يصرخ من عمق الضجيج. اللون الأبيض يصبح لغة بصرية تعبر عن البراءة في عالم فقد براءته.
الموسيقى كصوت اللاوعي الجمعي
لا تخدم الموسيقى في هذا العمل الغرض الانفعالي التقليدي، بل تصبح تجسيدًا صوتيًا للاوعي الجمعي. إنها صوت الذاكرة العميقة، والإيقاع الوجودي الذي يربط بين الماضي والحاضر في نسيج واحد من القلق الوجودي.
المسرح كحيز للوجود الممكن
يقدم هذا العمل رؤية للمسرح كحيز للوجود الممكن، حيث يمكن للأسئلة المصيرية أن تجد مساحة للتجلي. المسرح هنا لا يروي حكاية، بل يخلق واقعًا موازيًا أكثر صدقًا من الواقع اليومي. إنه فضاء حيث يمكن للموتى أن يتكلموا، وللأحياء أن يصمتوا ويستمعوا.
الخلاصة: فلسفة الصدى الوجودي
“الشهداء يُقتَلون ثانية” ليس مجرد عرض عن الموتى، بل هو تأمل في طبيعة الصدى الوجودي. كيف تظل الأفعال الكبرى تتردد في مساحة الوعي الجمعي حتى بعد موت فاعليها؟ وكيف يصبح الغياب وسيلة لإثبات الحضور؟
العمل يذكرنا بأن أعظم المآسي ليست في الموت، بل في موت المعنى بعد الموت. وأن المقاومة الحقيقية قد تكون في الحفاظ على حيوية الأسئلة، حتى عندما تموت الأجساد.
الخاتمة:
في الختام، يمثل عرض “الشهداء يُقتَلون ثانية” الذي قدّمه للمسرح المؤلّف جميل ماهود، وأخرجه د. فيصل عبد عودة، نموذجاً للمسرح الجاد الذي يخاطب العقل والوجدان معاً. وقد نجح العمل، الذي قدّمته نخبة من ممثلي وممثلات مدينة الناصرية، في تحويل خشبة مسرح قاعة النشاط المدرسي إلى فضاء للتفكير والتأمل.
هذا العمل، الذي قُدّم تحت رعاية نقابة الفنانين العراقيين – فرع ذي قار، يؤكد أن الإبداع الحقيقي قادر على تجاوز كل التحديات التقنية والمكانية، ليقدم رؤية فنية وفلسفية تلامس هموم المجتمع وأسئلته الوجودية. لقد أثبت هذا المشروع المسرحي أن المحافظات العراقية تزخر بطاقات إبداعية قادرة على إنتاج أعمال تعيد تعريف دور المسرح كمنبر للحرية وفضاء للحوار الوطني العميق.
بهذا يكون “الشهداء يُقتَلون ثانية” قد نجح في تحويل فكرة افتراضية إلى تجربة إنسانية مؤثرة، تترك في نفس المتلقي أثراً طويلاً، وتبعث فيه روح التساؤل عن ذاكرته الجمعية وعلاقته بماضيه وحاضره.

* علي خضير محمد/ العراق

Related Articles

Back to top button