مقالات

عن “فلانة” نص مسرحي للكاتب هوشنگ وزيري / قراءة وتحليل صادق مرزوك

          (نص مسرحية فلانة) 

 

إن العتمة المفترضة التي أدخلنا فيها الكاتب هوشنگ لنص “فلانة” وكأنه يطلب منا الدخول في قراءة بصرية مستبصرة لهذا النص، فعل القراءة هنا كأنه تجسيد لرؤية إخراجية صورية بمنظور المؤلف الذي يمارس فعل المخرج في وصف المكان ودلالاته التكوينية واللونية، بالرغم من السرد المطول في المنلوجات الطويلة للشخصية الرئيسية وهيمنة المحكي لفلانة ولشخصية الأم والدة فلانة، وشخصية ثالثة أطلق عليها المؤلف المرأة الأخرى، وهي شخصية معتمة تماما تبدو وكأنها خارج مدارات الأحداث .. مع كل هذا السرد اللفظي، لكنه نص بصري، لأن المؤلف هنا وضعنا منذ الدخول في هذا العالم النسوي، أمام علامات بصرية للشخصيات الثلاث

فلانة: وهي الزوجة في آخر عقدها الثلاثيني

الأم: أم فلانة في آخر عقدها الخمسيني

المرأة الأخرى: شابة في العشرينات من العمر

ثلاث شخصيات تبتعد كثيرا لتقترب عند البوح بأسرار النسوية .. لكل واحدة منهن عالمها الافتراضي الخاص، برسم لنا هوشنگ وزيري شكل الحركة، وعتمة المكان، وشكل الازياء لكل واحدة منهن، ويوزع النساء على المكان وكأنهن اشياء منسية، بالمقابل يجعل من السلم الذي افترضه في وسط المكان والسلاسل المتدلية، وكأنها ترمز لثقل الهم والضغط النفسي في داخل فلانة وأمها، هو يؤنسن هذه الأشياء لينبؤنا بفاجعة قديمة وقادمة في آن واحد.

هذا العامل النفسي الذي ينتاب الشخصيات الثلاث، يحيلنا الى ذلك الخلط الجميل ونحن نحاول لملمة الخيوط، للوصول إلى الحقيقة .. تشابك بين شخصيات النص، ظاهرها تنافر .. وكأنها تبتعد بعد الافلاك عن بعضها، لكنها وبٱلامها وانطفائها تحقق اضاءات لبعضها، خصوصا بين فلانة والمرأة الآخرى، تداخل في الهم المشترك والإحساس الداخلي بالثورة ضد عطب الذكورة، وإن كانت تماري النفس بخلق الأعذار، ومرة أخرى بالشك بهذا العطب الذكوري المزمن ..النص يقترب من الأدب النسوي كونه يطرح قضايا المرأة وثقافتها ضمن النسق الشرقي، نص مقاوم للذكورة، يحرك فينا المؤلف التعاطف مع المرأة المستعمَرة، المرأة المستلبة التي تحاول إرضاء الرجل، المرأة الأم التي تشعر بذنب لم تقترفه يوما، وهي تحاول إرضاء الزوج الحالم بمولود ذكر فتنجب له أم فلانة بنات لا إسم لهن، يفقدن الهوية لتصبح كل بنت أنثى فلانة، وآلام يرافقها الذنب لأنها لم ترضي الزوج بمولود ذكر، وهنا الكاتب يستعرض الموروث الشعبي والارث الديني، بتكرار الدعاء من خلال أم فلانة وهي تنتقل بسجادة الصلاة من مكان الى آخر .

 

ام فلانة: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ، أني كنت من الظالمين..

هذا الذنب الذي يرافق أم فلانة وهي تتوسل الرب أن يرثها غلاما ذكرا وهو خبر الوارثين..

الأم: اللهم ياواهب الحيوات..ورافع السماوات..اللهم لا تذرني وأنت خير الوارثين.. اللهم امنحني من لدنك صبيا وأنت خير الرازقين..

المرأة الشرقية التي تحمل وزر غيرها.. وتجعل نفسها المسؤولة عن إنجابها للإناث دون الذكور.

فلانة : يكفي ياامي..حاج تموتي حالك

الأم : وذنوبي يابنتي

فلانة: يكفي إستغفار لذنوب لم ترتكبينها

الأم : يؤلمه وجود سبع نساء في البيت

وعند فلانة والمرأة الآخرى كذلك وكأنهن المسؤولات عن عطب الرجولة، بالرغم من الثورة النسوية المكبوتة في داخلها، لكنها تحاول إرضاء الرجل المعطوب..

فلانة: اسبوع كامل وهو غائب عن البيت..اشتقت ان احضر له العشاء، وأتجمل له، وألبس له أجمل الملابس التي أهدتها أمي الى اختي الكبيرة يوم زواجها، وهي تعلمها الحياة الزوجية… ،الابيض، الأحمر الأصفر، الازرق، وكل الألوان الكاشفة للجسد، ولكن عليك بالأحمر فحين يرى الرجل اللون الاحمر على جسد المراة، يصير ثورا هائجا ( تستكشف فلانة الملابس الداخلية وترميها واحدا بعد الآخر) اعطتني اختي بدورها الملابس حين تزوجت وقالت: مااشتغلوا معي ،بلكي بيشتغلوا معك

( فترة صمت) مااشتغلوا معي كمان..لا الأحمر، ولا الأصغر، ولا هم يحزنون

 

تحكي فلانة هنا وكأنها سبب عطب الذكورة عند زوجها، كأنها هي من كانت السبب في البرود الجنسي لدى الزوج، هكذا كان حالها قبل أن تثور ثائرتها النسوية لتنتقم لنفسها من الزوج الذي، لا بختلف عن والدها في الكثير من الأمور، وهذا التشابه الكبير حتى في الصوت في ذاكرة فلانة، إنما سببه عقدة الأب، الذي أنجبت له زوجته ست بنات وكانهن ست لعنات واللعنة السابعة هي أم فلانة، غالبا ما يقوم بجمع نساء البيت السبع فينهال عليهن باللعنات لحد الإعياء إلى ان ينهار على مقعده،

 

فلانة: كانت أمي تشعر بالذنب بالفطرة، كانت تفترض بأننا مذنبات في كل مايحصل، تطالبنا باستمرار أن نستغفر ربنا، ولم نكن نعرف نحن بناتها الصغار ماهو الذنب العظيم الذي اقترفناه، ذنبها انها فشلت في إنجاب صبي لأبي ثورة الأم على نفسها، هو شعور بالذنب الذي اقترفته بحق نفسها، ذنب لا يجدي معه أي استغفار، ثورتها أو انتحارها هو محاولة الخلاص من هذه النفس التي أفنت حياتها بالاستغفار على ذنب لم تقترفه ..

أم فلانة إنتحرت..لا لا ..لم تنتحر..هي لملمت سجادتها وخرجت من القبو المعتم

الأم: (وهي تلملم سجادتها ، وتضعها تحت إبطها وتهم بالخروج) وأنا كنت وحيدة..ويتيمة طوال عمري..

 

Related Articles

Back to top button