مقالات

محسن العزاوي سيد التجريب في المسرح العراقي المعاصر/ علي حبيب

يُعدّ المخرج المسرحي محسن العزاوي واحداً من أبرز أعمدة المسرح العراقي والعربي، لما امتاز به من نزعة تجريبية لا تهدأ، ورغبة دائمة في كسر القوالب السائدة والبحث عن أشكال مسرحية جديدة تُعبّر عن قضايا الإنسان والمجتمع. لم يكن العزاوي أسيراً للنصوص الكلاسيكية ولا مقلداً للتجارب العالمية، بل وظّف التراث المحلي، والنصوص العالمية، والخيال الشعبي، ليصوغ منها لغة مسرحية خاصة به، فيها من الرمزية والحداثة ما يجعلها حاضرة في ذاكرة المسرح العراقي حتى اليوم.

لقد مثّل العزاوي المسرح بوصفه مختبراً للتجريب، فكان النص عنده مادة خام يعيد صياغتها، والفضاء المسرحي مجالاً لتجسيد رؤى فلسفية وفكرية، والسينوغرافيا وسيلة للتعبير لا تقل أهمية عن الممثل. ومن خلال ذلك قدّم سلسلة من الأعمال التي تكشف عن ملامح مشروعه الفني.

في مسرحية “طنطل”، انطلق من شخصية أسطورية من التراث الشعبي العراقي، شخصية تثير الرهبة وتعيش في الذاكرة الجمعية. غير أن العزاوي لم يقدّمها باعتبارها خرافة للتسلية، بل بوصفها رمزاً للتمرد على الظلم وكشفاً عن تناقضات الواقع. عبر السينوغرافيا التي جمعت بين الغرائبي والواقعي، جعل من المسرح مرآة للصراع الإنساني الداخلي، ومختبراً للتجريب الذي يختزل المخاوف والأحلام.

أما في “حرم صاحب المعالي” فقد انتقل إلى نقد البيروقراطية والفساد الإداري بأسلوب ساخر يقترب من الكوميديا السوداء. هنا يظهر التجريب في تفكيك الحياة اليومية وتحويلها إلى مشاهد هزلية تكشف مفارقات السلطة، حيث تختلط الكوميديا بالتراجيديا، ويصبح الضحك وسيلة لفضح منظومة كاملة من التسلط والعبث.

في “العالم في ليلة” يقترب العزاوي من المسرح الفلسفي، إذ يضع الإنسان في مواجهة التحولات الكبرى التي يعيشها، مستخدماً تقنيات تداخل الأزمنة والأمكنة، ليجعل المشاهد في فضاء زمني متشظٍ يعكس قلق الوجود الإنساني. كان ذلك تجريباً في البنية الدرامية ذاتها، حيث الزمن ليس خطاً مستقيماً بل شبكة من المرايا التي تعكس صراع الإنسان مع ذاته ومع العالم.

ويكشف العزاوي جانباً آخر من مشروعه في “دعوة بريئة للحب”، إذ جعل من العلاقات الإنسانية مدخلاً للغوص في هشاشة الواقع الاجتماعي. عبر حوار مكثف وتوتر درامي داخلي، كشف كيف يتحول الحب، في ظل الظروف الصعبة، إلى مساحة للمواجهة وكشف المستور، لا إلى ملاذ رومانسي تقليدي. هنا بدا المسرح عنده أكثر حميمية، لكنه ظل تجريبياً في تعرية البُنى الخفية للعلاقات الإنسانية.

وفي “نديمكم هذا المساء” اختار السخرية الاجتماعية أسلوباً له، مقدماً مجموعة من الشخصيات التي تجتمع حول مائدة أو مناسبة، لتنكشف أسرارها وتناقضاتها. المسرح هنا يصبح مساحة اعتراف قسري، حيث يُفضَح المستور من خلال الحوار والمواقف اليومية، في صورة مسرحية أقرب إلى الكوميديا السوداء.

بينما في “نشيد الأرض” قدّم رؤية أكثر شمولية، جعل فيها الطبيعة نفسها شريكاً درامياً للإنسان. هنا يكتسب التجريب بعداً شعرياً، حيث اختلط الإنسان بالبيئة، وأصبحت الأرض كائناً ناطقاً يشارك في الصراع. لقد تحولت الخشبة إلى مسرح كوني، يذكّر المتلقي بعلاقة الإنسان بالوجود، وبتأثير البيئة على مصيره.

أما في “أرجوحة الزمن الضائع” فقد ذهب بعيداً في تفكيك الزمن وإعادة تركيبه. جعل من شخصية واحدة تتحرك بين الذاكرة والخيال والواقع، فخلق فضاءً درامياً متشظياً، حيث تتقاطع الأزمنة وتتداخل الذكريات. هذا العمل كان بمثابة مختبر لتجريب الزمن المسرحي نفسه، وكيف يمكن أن يتحول إلى مادة درامية تكشف عن هوية الإنسان وقلقه واغترابه.

ويبلغ مشروع العزاوي ذروته في مسرحية “الحريق”، حيث أعاد قراءة نص شكسبير “الملك لير” بعيون عراقية، محاكماً من خلاله السلطة والتاريخ والخراب. الحريق هنا ليس مجرد حدث مسرحي، بل رمز شامل لحريق السلطة والذاكرة والهوية، وحريق الحروب التي طالت جسد العراق. بالسينوغرافيا الموحية بالنار والدمار، وبالرمزية الكثيفة التي غلّفت الحوار والأداء، خلق العزاوي عرضاً تجريبياً بامتياز، يختصر مشروعه كله ويجسد رؤيته للمسرح كفن مواجهة وفضح وإعادة طرح الأسئلة الكبرى.

إن تجربة محسن العزاوي ليست مجرد مجموعة من المسرحيات المتفرقة، بل هي مسار متصل من التجريب والبحث عن لغة مسرحية عراقية حداثية. من الشعبي إلى الفلسفي، من الكوميديا إلى التراجيديا الرمزية، ظل العزاوي يفتش في النصوص والفضاءات ليبتكر شكلاً جديداً يتجاوز المألوف، ويضع المشاهد أمام مرايا متكسّرة تعكس الواقع بكل تناقضاته. لقد كان مسرحه صرخة فنية وفكرية، وفضاءً للتجريب المستمر الذي جمع بين العمق الفكري والابتكار الفني بذلك يستحق محسن العزاوي أن يُلقَّب بـ سيد التجريب في المسرح العراقي المعاصر، ليس لأنه جدد في الشكل المسرحي فحسب، بل لأنه جعل من المسرح أداة للمعرفة، ومختبراً للأسئلة، وساحةً للصراع مع الواقع والذاكرة والتاريخ.

Related Articles

Back to top button