نقد

كتاب الخميس (الحلقة الرابعة والستون) / كريم الفحل الشرقاوي

سم الكتاب : “ الحداثة والتجريب في المسرح”

الكاتب: د. عبد الرحمن بن إبراهيم

الناشر: دار افريقيا الشرق/ عام 2014

***************

من أهم الإصدارات النقدية المغربية والعربية التي حاولت مقاربة خطاب الحداثة ومداهمة رهانات التجريب المسرحي والقبض على جمر أسئلتهما الحارقة والملتهبة والشائكة والمؤرقة.. كتاب “الحداثة والتجريب في المسرح” للباحث المغربي د. عبد الرحمن بن ابراهيم. حيث تكمن أهميته النقدية الرصينة في تناوله لخطاب التجريب المسرحي من داخل زوابع الحداثة وقطائعها الإبيستيمولوجية في الغرب، ومن خلال زلازلها وهزاتها التي أحدثتها في بنية الفكر العربي وارتدادات هاته الهزات على المسرح العربي.

الحداثة والتجريب في المسرح الغربي:
سيتناول الباحث وبكثير من الدقة المفاهيمية والمنهجية مفهوم الحداثة لغويا واصطلاحيا ومفاهيميا باعتبارها ظاهرة كونية لا زمانية ولا مكانية. تناقض كل خطاب مطلق، وتعاند كل موروث محنط، وتتحرر من كل حقيقة صنمية، وتفكك كل سردية متحجرة ومتكلسة. لتطلق العنان لدينامية السيرورة المتجددة والمتمظهرة في كل المجالات العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية والجمالية. هكذا ستفرض الحداثة خطابها كضرورة حتمية و”كتعبير بليغ عن المواجهة الحاسمة بين زمنين متعارضين: زمن أرسطي، وآخر حداثي، فكل ماهو أرسطي كالمطلق والثابت والجوهري والماهية أصبح مستهدفا (…) إن للحداثة دلالات لا حصر لها في شتى ميادين العلوم والفكر والآداب والفن، وأن مفهومها غير قابل للإمساك به. لأنها بكل بساطة ذات مفاهيم تتناسل باستمرار. ولأنها دائمة التغير فهي رؤية وتصور وموقف متجدد. وهي أيضا حضارة وإيديولوجية “(1) مهيمنة تكتسح كل الجغرافيات الثقافية. واستنادا لما سبق سيعمد الباحث الى مقاربة الحداثة على المستوى النظري-المعرفي مع اقتفاء أثر تجلياتها على المستوى الابداعي-التطبيقي، معتبرا أن الحداثة “نجحت في تأزيم النظريات النقدية ذات التصورات المطلقة القائمة على قوانين ثابتة. وأحالتها الى مجرد اجتهادات نسبية، ومحض قراءات حداثية للفن والابداع والمعرفة الانسانية”(2).
وإذا كانت الحداثة سيرورة وتجاوز وتخطي وتجدد مستمر فإن التجريب المسرحي كتمرد إبداعي يتضمن تطعيما وتخصيبا حداثيا سواء في شقه الفكري الجمالي أو في شقه الإجرائي المختبري. لهذا ستشكل مخاضات الحداثة وقطائعها الإبستيمولوجية مع الماضوي والتقليدي والمقدس والصنمي .. مرتكزا لفلسفات ونظريات التجريب في المسرح الغربي لتجاوز الأنماط المسرحية السائدة والمعاندة للتحولات السوسيوثقافية والسياسية المتسارعة. ما يفرض رهانات جمالية مغايرة قادرة على تثوير الوعي الفني في علاقته بالوعي النقدي الحداثي.
من هذا المنطلق سيحاول الباحث في تعاطيه مع أسئلة التجريب والحداثة تفكيك المفاهيم التي فجرتها النظريات النقدية الحداثية في اشتباكها فكريا وجماليا مع خطاب التجريب المسرحي بكل إشكالاته الفلسفية والفنية والتقنية-الركحية. لكون التجريب – حسب الباحث – يقتضي امتلاك وعي حداثي يدفع به نحو تأزيم الأسئلة وتفجير الأنساق الجمالية الراكدة والمغلقة. فالتجريب “بمثابة إعلان لقطيعة مع الأشكال التقليدية وبحث عن أنماط جديدة. ومن ثمة فالتجريب يتضمن نفسا حداثيا يتجلى في نفي ماهو قائم، ورفض ما أصبح مسلما به. إنه فعل التمرد والقفز على الثابث والتعاليم المطلقة والقبول فقط بما يمتلك قابلية التجديد وإمكانية التغيير”(3). من هذا المنطلق سيتصدى الباحث لتفكيك مصطلح التجريب على المستوى المفاهيمي و الجمالي والمعرفي باعتبار أن “المتعة الجمالية لا يمكن أن تتحقق في العملية المسرحية إلا إذا ارتقى الفعل المسرحي التجريبي إلى درجة الشرط المعرفي(…) لكون التجريب يعكس الشعور العام بحتمية البحث عن بديل أو بدائل تستمد مشروعيتها الفنية، ومصداقيتها الاجتماعية من كونها رسالة جمالية. آنئذ تكتمل شعرية الخطاب التجريبي المسرحي”(4).
من هذا المنظور سيحاول الباحث مقاربة خطاب التجريب المسرحي سواء على مستوى المكتوب الدرامي كنص أدبي لساني يحاول الانفلات من سلطة النسق الأرسطي الخطي والانفتاح على رهانات جمالية مختلفة ومتغايرة. أو على مستوى نص العرض كنسق فرجوي مفتوح يسعى للتنصل من سلطة الأدبي والاحتفاء بلغاته الأدائية الحية والحيوية في علاقتها بالمتلقي. لذلك سيتوغل الباحث في رصد العلاقة المركبة بين الشفاهي والكتابي، بين النص والعرض، بين الأدبي والمسرحي، وبين الدرامي والفرجوي. ورغم أن الكتابة الدرامية ستشكل حقلا مغريا للكتاب الدراميين الطليعيين – خصوصا الدادائيين والسرياليين ورواد اللامعقول – الذين سيفجرون ثورات نصية انزياحية متمردة على القوانين الأرسطية السائدة. إلا أن المنعطف الفرجوي الذي ستتشكل ملامحه مع مطلع ستينيات القرن الماضي سيجعل “ماهو أدبي / مكتوب يتراجع لفائدة لغة مسرحية فرجوية مفتوحة. وأصبح النص المسرحي المكتوب لا يشكل سوى جزء يسير من الثراء الدلالي للعرض المسرحي”(5) الذي سيتغذى من ثورات الحداثة التقنية وقفزاتها التكنولوجية التي ستسعف الخطاب البصري الركحي بآفاق تجريبية مبتكرة خصوصا على مستوى بلاغة الجسد وتقنيات الإضاءة وجماليات التفضية السينوغرافية. وعند تناوله لتيارات التجريب في المسرح الغربي سيسلط الباحث الضوء على أهم التجارب اللاأرسطية التي حاولت تلقيح وتطعيم حالة التأكسد والانغلاق التجريبي في المسرح الاوروبي الحديث بتثاقفها مع بعض الفرجات الشرق أسيوية كما هو الحال بالنسبة لمسرح القسوة لأنطونان أرطو، والمسرح الملحمي لبرتولد بريشت، والمسرح الفقير لجيرزي غروتوفسكي … حيث سيعمد الباحث إلى التوغل في مرجعياتهم الفلسفية والإيديولوجية في اشتباكها مع الأنساق الجمالية والإبداعية والتقنية التي شكلت ملامح تجربتهم الدرامية والركحية. مؤكدا أن الحركات الطليعية في المسرح الغربي راهنت على التمرد والتفرد والتجدد الدائم وتفكيك الأنساق المسرحية والفنية المتحفية المهيمنة، والانفلات من سلطة القوانين الأرسطية، وسلطة الدراما الخطية، وسلطة الجدار الرابع، وسلطة الفضاء المعلب، وسلطة اللغة الواحدة والحقيقة الواحدة …

فتح الصورة

الحداثة والتجريب في المسرح العربي :

عند مقاربته لسؤال الحداثة والتجريب في المسرح العربي سيشهر الباحث في وجهنا سؤالا مستفزا: “إلى أي حد نملك مشروعية الحديث عن حداثة عربية ؟ إنه تساؤل ينم عن تشكيك في مدى وجود حداثة بالفعل. وهو تشكك مشروع، لأن ما يصنف إبداعا حداثيا لا يعدو أن يكون في واقع الأمر إلا ركاما هائلا من الافكار والتصورات والاجتهادات التنظيرية التي أحدثتها في الثقافة الغربية في تحولها الحداثي”(6). انطلاقا من هذا السؤال المأزوم سيحاول الباحث بكثير من الحذر المنهجي تلمس بعض ملامح وإرهاصات الحداثة في الخطاب الإبداعي العربي التي سيشكل الشعر وبامتياز ساحة خصبة لتأجج إشكالاتها واشتعال أسئلتها واحتدام أطروحاتها، نظرا لحضور الشعر العربي بتراكماته ومرجعيته الثرية في الوجدان التراثي كديوان للعرب، وهو الأمر الذي يفتقده المسرح الذي وجد رواده أنفسهم مجبرين على محاولة ملء هذا الفراغ الإشكالي من خلال أوراق وبيانات تنظيرية وأرضيات نقدية تتوسل في معظمها بتجريب تأسيسي يراهن على تأصيل الفرجة المسرحية في التربة الثقافية العربية. هكذا سينطلق المشروع الحداثي للمسرح العربي محملا بأسئلة ومفاهيم مأزومة كالتأصيل والتأسيس والتجريب .. والتي انفجرت براكينها وحممها انطلاقا من الوعي الممزق بين الذات والآخر.. الهوية والغيرية.. الأصالة والمعاصرة. وفي خضم هذه التجاذبات ستنشط الكثير من الدعوات المسرحية، حيث سيدعو بعضها إلى حتمية تبني المسرح كفن وافد وجنس أدبي وفرجوي غربي خالص. في حين سيذهب البعض الآخر إلى ضرورة الانكفاء على أصالة المسرح العربي بالعودة إلى منابع ومصادر موروثه المحلي وفرجاته الشعبية لدحض الاستلاب والتغريب والانفلات من شرنقة الثقافة الغربية المهيمنة. “إلا أن سيرورة التعاطي الفرجوي مع موروثنا من منظور حداثي أصيل كما يذهب حسن المنيعي قد دفعت بمجموعة من المسرحيين العرب إلى بنينة جديدة وشاملة للتراث الشعبي الأدبي الغني. ومن الأكيد أن فاعلية هذه البنينة قد أدت إلى خلخلة الممارسة التقليدية للمسرح وإعادة النظر في مفهوم الفرجة “(7) من خلال رؤية ثالثة تراهن على ممارسة حداثتها التجريبية داخل مساحات البينية التي تتأرجح بين الذات والآخر .. الهوية والغيرية. من هذا المنطلق سيعتبر الباحث أن رهانات الحداثة في المسرح العربي ارتبطت بتجريب تأسيسي وتأصيلي يستحضر الذات في تفاعلها مع الآخر. إلا أن إمعان بعض الأطروحات في نفي وإقصاء الآخر/ الغرب جعلها تسقط في نوع من الأصولية المسرحية والاختلاف المتوحش. معتبرا بأن هذه الأوبة التراثية المنكفئة على ذاتها هي التي كانت “السبب في انطلاق المسرح العربي انطلاقة لا تاريخية، ولا حداثية، لأن الكتاب المسرحيين الأوائل اكتفوا فقط باقتلاع شخصيات تراثية من تاريخها الذي أفرزها، واقتطاعها من واقعها الذي أنشأها، ونقلها ميكانيكيا إلى واقع اجتماعي وظرف تاريخي مغايرين تماما، ولم تكن تبعا لذلك إلا إسقاطات تاريخية لشخصيات تراثية على واقع اجتماعي وظرف زمني مغايرين”(8). هكذا سيعتبر الباحث بأن المسرح العربي سيتلمس حداثته ليس من خلال الإنصهار في الآخر أو التماهي مع الموروث أو القطيعة معهما. وإنما من خلال امتلاك مسافة نقدية ووعي تفكيكي في علاقته مع ثقافة الآخر أوفي قراءته للموروث أيضا. حتى لا يصبح هناك “استبدال نموذج بنموذج وإحلال مرجعية التراث محل مرجعية الغرب. وفي كل الحالات، هناك استعارة النموذج لا إبداعه، والالتجاء إلى مرجعية تم إنتاجها في التاريخ وليس إلى مرجعيات تم تكوينها عبر حركية الواقع الآني وجدل ظواهره الاجتماعية. وكذلك هناك اختزال لمفهوم الغرب وابتسار تجربته الإبداعية في قالب واحد”(9).

من هذا المنظور سيستدعي الباحث أهم التجارب المسرحية العربية والمغربية التي راهنت على ممارسة حداثتها التجريبية داخل مساحات البينية التي تتأرجح بين الذات والآخر. مسلطا الضوء بالتخصيص على تجربة توفيق الحكيم والبحث عن قالب مسرحي، ويوسف إدريس والسامر الشعبي، وسعد الله ونوس ومسرح التسييس، وعبد الكريم برشيد والمسرح الاحتفالي، ومحمد مسكين ومسرح النفي والشهادة. محاولا إبراز الخصوبة التنظيرية والإبداعية لهذه التجارب وكذا مآزقها المنهجية في تعاطيها مع إشكالية الحداثة والتجريب.

هوامش :

1/ د.عبد الرحمن بن ابراهيم – الحداثة والتجريب في المسرح – منشورات أفريقيا الشرق – ص 21.

2/ المرجع نفسه – ص 23.

3/ المرجع نفسه – ص 119.

4/ المرجع نفسه – ص 129.

5/ المرجع نفسه – ص 135.

6/ المرجع نفسه – ص 38.

7/ كريم الفحل الشرقاوي – قراءة في كتاب ” المسرح والهويات الهاربة الرقص عل حد السيف” – خالد أمين – بيان اليوم –

– عدد 19-06-2020.

8/ د.عبد الرحمن بن ابراهيم – الحداثة والتجريب في المسرح – منشورات أفريقيا الشرق – ص 69.

9/ محمود نسيم – المسرح العربي والبحث عن الشكل قراءة للعقل التنظيري – مجلة فصول – المسرح والتجريب الجزء الثاني – ص 84.

Related Articles

Back to top button