سراب التجريب…/ حافظ خليفة

من كل اول شهر سبتمبر تطل علينا تساؤلات حائرة حول مفهوم التجريب و حاله , بحلول دورة من دورات مهرجان المسرح التجريبي بمصر , و كعادتنا نحن العرب نهتم موسميا او مناسبتيا بكل موضوع يطرح حول الفترة بفكرنا الرمضاني و الهجري او العاشوري ..تحفزنا هويتنا المدهشة و الموغلة في مناسبات الموالد و الاعياد الى اجترار ما قيل و يقال حول التجريب و او المسرح عموما بهاته الفترة بالذات من كل سنة.
و انا في الهند و يتواجدي بمهرجان لا يعتبر كبيرا حجما و ضخامة و لكنه مهم في محتوى و شكل عروضه التي صراحة لم ارها بمهرجان التجريب او حتى قرطاج و لا بغداد و هي غاية في التجريب و المعاصرة بالتوجه و الشكل ..و انا على تلك الربوة من بلاد الهند و السند قرات مقترحا مهما و هو المحافظة على دولية هذا المهرجان مع تغيير المسمى كي يكون اشمل و اعم.
لقد كانت لي تجربة مع هذا المهرجان بمناستين و لاحظت و لاحظ العديد من المسرحيين الوافدين امثالي عزوف الجمهور و خلوه من العروض التجريبية خاصة..و لعمري هو مقترح مهم و جرىء لانقاذ هذا المهرجان من الورطة التي وضع فيها نفسه و اذكر اهم الاسباب:
– ان برمجة عروض تجريبية يحتاج الى ادارة متحركة و مندوبين في العلاقات الدولية للبحث عن اهم التجارب التجريبية العاليمة التي تستحق المشاركة و البرمجة و التقديم.
– مالم يفهمه مديري مهرجاناتنا العربية ان العروض الاجنبية الهامة و المتقدمة في تجربتها شكلا و مضمونا و تجريبيا لا تشارك بالمجان فهي فرق محترفة و مختصة في الصناعات المسرحية و الثقافية و لا تشارك للمتعة و للشغف او لحب المشاركة لان المسرح مهنتها و قوت يومها.
– التجريب عادة يكمن في التجارب الشبابية الجديدة التي لم تعلب بعد و لم تحاصر بالصدأ المشهدي و النماذج الممسوخة او الاصنام المسرحية ..هي مهج متمردة و افكار مستنيرة و لم تدخل بعد في خانة التوازنات و المسرحة على القياس كما يفعل غالبية مسرحيونا العرب استعدادا لهذا المهرجان أو ذاك..و في الحال ما نراه هو تكرار عقيم لاسماء شاركت بالمهرجان عديد المرات حتى سئم الركح من خطاهم و مقاعد قاعات الندوات من جلوسهم ,
– يحتاج التجريب الى ضخ دماء جديدة في الادارة , في الرؤى و المحتوى و الشكل و اختيار الامكنة للخروج من الاجترار الذي يدفع بالمهرجان الى الخلف و الرتابة كشكل قاعة الندوات الحلزوني الذي لا يضيف شيئا و لا يغير شيئا..مع حظور الوجوه التنظيرية العابسة و المعلنة عن ازمة المسرح العربي او عالمي في كل مرة و هم اول اسبابها عن جراء سفسطتهم.
قلت دائما و اعيد ان احب المهرجانات الى قلبي و اجداها هي المهرجانات الصغرى: التي تتمكن من خلالها الى مشاهدة الكيف اكثر من الكم و تجد فيها الوقت كي تتعرف عن باقي المشاركين معرفيا و انسانيا و تكتشف المكان بتايخه و هويته..انها مهرجانات ذات حميمية صادقة ..(دون لهاث وراء الجوائز و المحاباة و النفاق الاجتماعي في التعامل)..و خاصة منها تلك التي تكون بعيدة جدا عن مهرجانات عالمنا العربي ..فتكتشف نفسك من خلالها و تكتشف ان العالم ارحب و ان المسرح الذي نقوم به هناك باوطاننا متشابه و مجتر و مقنن ..و ان ذوقنا قد اعتراه الصدا لكثرة ما شاهدناه من مسرح مستهلك..مسرح مطمئن ..مقنن..دون حرية..مسرح محاصر بالرقابة..مسرح دون جدوى.
ان مهرجاتنا المسرحية سجينة البيروقراطية فهي غير مستقلة لا اداريا و لا سياسيا و لا ثقافيا و غير قادرة للتجاوز و غير جاهزة ماديا لجلب تجارب عالمية فارقة نرى من خلالها شمس الحرية و التجديد و التجريب بليالي مهرجناتنا المعتمة الحزينة,فاتركوا التجريب لاوطانه و شعوبه و انقذوا مهرجانكم و حرروا انفسكم من وهم بني على سراب التجريب ..
** حافظ خليفة/ مخرج مسرحي



