مقالات

يوم المسرح المصري… من مأساة بني سويف إلى مشروع للإبداع الآمن/أحمد محمد علي

في الخامس من سبتمبر 2005، وقعت واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ المسرح المصري. عرض مسرحي بعنوان من منا، مأخوذ عن نص إدوارد ألبي “قصة حديقة الحيوان”، كان يُقدم في قاعة الفنون التشكيلية بقصر ثقافة بني سويف. ثواني قليلة فصلت بين الفينال وصوت السوكسية وبين اندلاع حريق هائل التهم القاعة وأودى بحياة عدد كبير من الفنانين والجمهور، ليبقى ذلك اليوم شاهدا على غياب أبسط إجراءات السلامة في فضاء يفترض أن يكون ملاذا للإبداع والفرجة.

التحقيقات الرسمية أكدت أن سبب الكارثة كان شرارة من شمعة ديكور أشعلت مواد سريعة الاشتعال، فانتشرت النيران بسرعة وسط ستائر وسجاد وديكورات من الخيش والورق. السقف المصنوع من الفوم ذاب متحولا إلى كتل نارية سائلة سقطت فوق الرؤوس. الحوائط الخشبية أغلقت مسارات النجاة. سيارات الإطفاء وصلت بعد خمسين دقيقة، دون ماء كافٍ لإخماد الحريق، والإسعاف لم يصل إلا بعد ساعات. المشهد لم يكن حادثا طارئا بقدر ما كان نتيجة تراكمية لغياب التخطيط والرقابة. أعقاب الكارثة، صدرت أحكام قضائية بحق مسؤولين في هيئة قصور الثقافة. وفي 2011 أعلن وزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازي أن الخامس من سبتمبر سيكون يوما للمسرح المصري. القرار منح المناسبة بعدا رمزيا، غير أن المشكلات التي كشفتها الحادثة لم تُعالج جذريا!

دراسة استقصائية حديثة أجريت مع 128 من الممارسين المسرحيين تعكس بدقة صورة الوضع الراهن. ٧٤٪ لم يتلقوا أي تدريب في إجراءات السلامة. و٨٥٪ لا يعرفون إن كان هناك مسؤول محدد عن هذا الجانب في مسرحهم، وأكثر من نصفهم يجهلون مواقع طفايات الحريق وخطط الإخلاء. ما يقارب ربع المشاركين تعرضوا بالفعل لإصابات أو حوادث خلال عملهم. هذه الأرقام تكشف أن الخطر يتربص بكل تجربة مسرحية.

المسرح بطبيعته فن جماعي معقد تتداخل فيه عناصر الإضاءة والصوت والديكور والحركة الجسدية. أي خلل في ضبط هذه العناصر قد يتحول إلى تهديد مباشر لحياة الممثلين والجمهور. الممثل الذي يؤدي دوره وسط كابلات كهربائية مكشوفة، أو أمام وحدات إضاءة شديدة السخونة، أو على خشبة بلا تجهيزات وقائية، يعيش تجربة أقرب إلى لاعب سيرك غير مدرب. النتيجة تراجع في الأداء بسبب الخوف المستتر والمخاطرة، إرهاق نفسي يخصم من طاقة الإبداع.

معالجة هذا الوضع لا تقتصر على إصدار بيانات أو إعلان أيام تذكارية. المطلوب انتقال حقيقي من حالة الاستثناء إلى حالة النظام. أي مسرح يحتاج إلى منظومة سلامة تبدأ بتأمين البيئة المادية، مرورا ببرامج تدريب إلزامية للعاملين والممارسين، وصولا إلى نظام إدارة متكامل يربط النشاط المسرحي بالمعايير الوطنية والدولية فى السلامة والصحة المهنية . تطبيق هذه الخطوات كفيل بتحويل السلامة من أمنيات إلى واقع.

يمثل الخامس من سبتمبر مناسبة مزدوجة المعنى. فهو من جهة ذكرى حزينة تستدعي مشاعر الفقد، ومن جهة أخرى فرصة للتفكير في بناء مستقبل مختلف. إذا كان المسرح فن المخاطرة في المعنى والشكل فهو التجريب، أما المخاطرة بالحياة فهي التخريب، والانتقال للإبداع الآمن تحد مصيري للمسرح المصري والعربي والعالمي.

حين نتوقف عند هذه الذكرى، فإننا لا نكتفي بالحداد على ضحايا الماضي، وإنما نضع أنفسنا في قلب المسؤولية. فالمسرح الذي لا يضمن سلامة مبدعيه وجمهوره يفقد جوهر رسالته. واليوم، بعد عقدين على الكارثة، يبدو الطريق واضحا! إبداع آمن، خشبة محمية، وجمهور مطمئن. تلك هي المعادلة التي تمنح المسرح المصري القدرة على الاستمرار والتجريب والتجدد.

 

Related Articles

Back to top button