مسرحية “سباق الخبز” والتداعي الحر/ صبيح عفوان

مسرحية “سباق الخبز” لمؤلفها ماجد درندش ومخرجها ابراهيم حنون تنطوي على قدر كبير من أنماط التعبير غير المتوقعة بدا من الايحاء المكثف الذي شكلته بداية العرض وهي لحظة دخول الممثلين خشبة المسرح بعد هبوط الطائرة وهم حفاة على الرغم من ارتدائهم للزي الرسمي، وهذا ما جعلنا نصغي بشغف لهذه المغامرة التي يوحي بها هذا الحضور العصابي المركب الذي زعزع تصوراتنا الأولية التي شكلها عنوان المسرحية.
استثمر المخرج ابراهيم حنون طاولة القمار لتكون البؤرة الرئيسة التي ينطلق منها العرض ليعطي التصور الكامل عن السيد والاجير ( العبد) لان الرهان والمغامرة هو الهدف الذي ضخ العرض بالسؤال وهو النموذج الذي يجعلنا نتصفح التداعيات الحرة للشخصيات واهوائهم التي تنجذب للاشعور تارة وللشعور تارة اخرى، وبهذه العلاقات الدينامية جعلنا العرض نصغي للعمق الإنساني المتباين في المواقف والروى لان طاولة القمار جسدت بشكل رمزي مجموع الرغبات الإنسانية التواقة للظهور والرغبة الرئيسة هي السلطة لهذا تمثل العرض النرجسية كسيرورة ثابتة تتماثل مع رغبة الفرد في واقعنا المزري، ايضا والتشكيلات السيكولوجية لدى الشخوص تظهر مكشوفة بعد تبادل الأدوار الذي تحققه المقامرة وهو ما يستدعي جبريا استحضار روى وافكار مجاورة عملت على خلخلت البنية النفسية والفكرية لعلاقة السيد والعبد وأهمها ما طرحه الفيلسوف الألماني هيغل .
عمد حنون إلى بث تشكيل بصري ينتمي إلى التجريد التعبيري الذي اطر المكان وتفاعل مع حركة الممثل نتيجة تنوع الأداء وهي القيمة الجمالية المركبة التي تشحن العرض بالعلاقات المتنوعة التي تتوافق مع حركة الممثل ورغباته المؤجلة. والعرض يجعلنا ايضا نستدعي مسرحية “القاعدة والاستثناء” لمؤلفها “بريخت” والتي تقوم على الفكرة التي انتجتها الرأسمالية في ظل السلوك المتعالي الذي يجعل القضاء يبتكر سبلا قانونية تجعل السيد في ما من من العقاب بالرغم من القتل العلني الذي يقوم عليه النص، وهذه الرؤية يتفق عليها جميع النقاد اللذين حللوا النص لان الروى الثابتة التي تنتج هذه المرونة القانونية هي ان الاجير ( العبد) على الدوام يحمل نوايا عدوانية يشكلها حتميا الضغط الهائل والكبير للسيد وهذه الرؤية تشكل الرصيد القانوني الذي جعل السيد في مأمن وخارج العقاب .

في مسرحية “سباق الخبز” يستثمر الكاتب ماجد درندش الإطار العام لهذه المسرحية، لكنه جعل المكبوت هو الفاعل الرئيس في علاقة الشخوص فيما بينهم الى الحد الذي معه تتفكك القوانين لتكون الرغبات هي الفاعل الرئيس. وتأكيد الأنا وحضوره الطاغي هو الذي يجعل ذروة الصراع متاحة للتلقي، لهذا نستطيع القول ان المتن الذي استثمره درندش في “سباق الخبز” يختلف ويتناقض تماما مع آليات الصراع في الاستثناء والقاعدة والعامل الحاسم لهذا الاختلاف هو الاشتغال على النفسي عبر التداعي الحر الذي كان سببا رئيسا في كشف الانوات التي تدير حلبة الصراع، لكن لابد من القول ان درندش استثمر الآليات والبنى الواقعية لبلوغ الفكرة التي يروم الوصول إليها الا وهي التطابق والتماثل بين شخصيات المسرحية والواقع، ما يعني ان البنى النفسية التي تتحكم في “الاستثناء والقاعدة” تختلف عن البنى التي تتحكم في “سباق الخبز” وهذا ما حققه العرض، لان المخرج ابراهيم حنون ذهب لتأطير هذه الحكاية وجعلها تتشظى خارج الاقنعة لأنه حرص لان يجعل الدلالة مكشوفة وخارج الرمز. وهو بذلك اراد ان يجعل اللاشعور في العرض مكشوفا ومهيمنا عبر تقنيات جمالية بعيدة عن المبالغة والغموض ليستهدف السيرورات اللاشعورية الفاعلة في الأنا البشرية التي لم تطالها وتشذبها الحضارة وتجسد ذلك عبر العلاقة مع العالم الخارجي، الذي يدار بالمقامرة.
واستهدف المخرج ابراهيم حنون فعل الغرائز ليمنحنا الفرصة في تصفح تنوعها عبر شخصية السيد وهي غريزة التملك والعدوان وغريزة البقاء والتسلط ومنحنا الفرصة الكافية في مقارنة ما نعيشه الان وما يستوي عليه العرض من خفايا نفسية تتماثل تماما مع رؤيتنا وحضورنا في الواقع ليجعل لحظة التلقي لحظة شاقة لانه ينتهي بنا في السوداوية. وكشف لنا ايضا المضمر الذي يخفيه الاجير (العبد) الا وهو المكبوت الضاغط الذي هدفه تصفية الحساب والبحث عن الفرصة لانطلاقه.
اذن التدمير هو الهدف وتبادل الأدوار سمح لنا بأن نتصفح هذا الفعل ليكون الواقع مكان فاعل لتصفية الحساب، وهي القيمة التي جعلها حنون ذروة العرض حيث الذل والمهانة في عالم تسوده المصالح وتحقيق الرغبات حتى ليبدو الواقع ما هو إلا حلبة للسباق. ولا يتحرك خارج الرهان وهو لحظة عابرة تنطوي على المصادفة التي تتجسد عبر لعبة القمار التي تجعل الفرد مهيا ان يكون سيدا وعبدا في الان نفسه، ما يعني ان السادية والمازوخية حاضرة والتلذذ في إيذاء النفس والآخر فاعلة ومهيمنة ليكشف لنا حنون ان الأنا التواقة للسلطة على الدوام مصابة بالنرجسية المرضية والمفردات التي بثها العرض تتضمن أفعال نفسية تغدو في النهاية ممثلة للمكبوت الذي يساهم بشكل حيوي في نسق السلطة، وهو ما جعل العرض يمضي في نسق الاشتغال السيكولوجي حتى تتضح كل الأفعال وكأنها تداعيات لمرضى نفسيين والتي توحي وكان العرض نفذ في مصح نفسي.

والمشهد الاخير الذي جسده الممثل حسن هادي ببراعة فائقة يعد ذروة النسق الاخراجي الذي اسسه حنون ومخرجه المساعد نظير جواد لمعالجة الوقائع رمزيا لان الرقصة الفلكلوية ( الهجع) تحولت إلى مصدرا رمزيا يجسد الخيوط الخفية للعرض بعد ان كانت هذه الرقصة ممثلة وبجدارة للجسد وما يحمله من أسرار جمالية أضحت مصدرا يختزل ما نحن عليه الآن، لان هذه الرقصة وبأداء الممثل المتألق حسن هادي جسدت خيباتنا ورحلتنا الشاقة في هذا الواقع الذي يتماثل مع العرض.
وخبرة الممثلين مازن محمد وحسن هادي وماجد درندش وتجربتهم الطويلة كان لها الدور الكبير في تأدية الأدوار المركبة برشاقة عالية، وتناسق الإضاءة والديكور كان لهما الوقع البالغ والرئيس في صناعة البيئة المناسبة للحكاية. تحيه كبيره لصانع الديكور محمد النقاش ومهندس الإضاءة عباس قاسم وتحية لكل العاملين خلف الكواليس اللذين كان لهم السبب الرئيس في المتعة الكبيرة التي حققها لنا العرض.
* صبيح عفوان/ ناقد مسرحي



