مقالات

قدرية الصدفة والاحتمال في عرض مسرحية “سباق الخبز” / يوسف السياف


يبدأ العرض بظلام تامّ يخترقه صوت مروحية (الهليكوبتر)، يقترب تدريجيّاً مع اهتزازات صوتيّة تحاكي تحليقها وانخفاضها، يرافق ذلك الصّوت شعاع ضوئيّ (لايت) يخترق العتمة ويحدّد موقع هبوط المروحيّة، (ميلاد السلطة من العدم)، وعبر هذا التّرقب يفتح باب المروحيّة (إطار باب)، يهبط السّلم ببطء مع صوت ارتطام وانقلاب متقن. وبالمعنى الميتافيزيقي/ القدري، جاءت السلطة فرض على الأرض من علٍ لا من داخل المجتمع ذاته. وهنا نقترب من المفهوم (الفوكوي) فلسفياً، كون السلطة من وجهة نظره لا تنتج من الداخل فقط، بل تسقط وتمارس كجهاز يسيطر منذ لحظة ظهوره.

لا يتوفر وصف.

يبدأ نزول الممثلين الثّلاثة الغرباء القادمين من الخارج واحداً تلو الآخر بخطوات محسوبة، على وقع موسيقا تصاعديّة، وعبر هذا الاستهلال المبهر اقترب مخرج العرض (إبراهيم حنون) من لغة السينما، وأضفت رؤيته الإخراجيّة بُعداً جماليّاً مختزلاً أغنى المشهد وفسّر مرجعيّات الشّخصيّات. وقد عزّز هذا التّفسير لعبهم للورق، وشربهم للسيكار، وارتداؤهم البدلة الرّسميّة، لكنّهم بلا أحذية (حفاة)، وهنا يُقصد واقعنا السّياسيّ، ويكشف العرض هنا عن نفسه ليس بوصفه مجرد لعب، بل خطاب فلسفي حول السلطة الحرية والوجود الإنساني.

إذْ استمر المخرج في تكثيف أبعاد الشّخصيّات عبر مشهده الاستهلاليّ الذي أجد بأنّه كان أعمق المشاهد وأكثرها اختزالاً وتكثيفاً على مستوى الشّكل والمضمون، وهنا يمكن القول بأنّ التّكوين والتّشكيل السّمع بصريّ قد هيمن على خطابيّة الأداء، رغم احتراف الممثلين وعمق تجربتهم المسرحيّة، إذْ إنّ الصّورة البصريّة دائماً ما تفرض حضورها، وهذا ما كان على المخرج التّأكيد عليه، والاستمرار في بثّه والتّركيز عليه، وهذا لا يعني أنّ الممثلين لم يكن لهم حضور مقارنةً بحضور التّشكيل البصريّ، لكنّ الأخير دائماً ما يهيمن ويفرض نفسه.

لا يتوفر وصف.

الفوز والخسارة مفهومان تحكّما بمسار الأحداث وسير الشّخصيّات، فالخاسر في اللّعب هو من يأخذ شخصيْة (الحمّال/ العبد)، فقد خسر (مازن محمد مصطفى) في الجولة الأولى، وفوز (حسن هادي) بأعلى رقم (20) نقطة، حصل على منصب (السّيد)، أمّا (ماجد درندش) فقد فاز لكنّ مجموع ورقتيه (18) نقطة، فبدأ الفائز الأعلى بإملاء تعاليمه على الآخرين (افتحوا أعينكم جيداً.. المهام كثيرة)، وفي الجولة الثّانية، خسر (مصطفى) وفاز (درندش) بجمعه (20) نقطة، وحصل (هادي) على (18) نقطة، ليمهّد (درندش) تسيّده بقيادته للمجموعة في الجولة الثّانية من العرض كونه الفائز في الجولة الثّانية في اللّعب، ويقول: (علينا أن نتبيّن وجه القوّة)، وقد بانت أولى ملامح القوّة بينهما بالمنع في سحب الورقة للّاعبين إلّا بعد الأذن. وفي الجولة الثّالثة خسر (مازن) كعادته، وفاز بالمرتبة الأولى (هادي) ليرسم لنا خطاب العرض ما سيدور في القادم، وتبدأ اللّعبة في سباق المواسم بعد اللّعب، واللّعبة هنا ليست ترفاً، بل هي استعارة للسياسة. فالورق يحدد المصائر (الصدفة والاحتمال) هما أساس السلطة، لا العقلانية ولا الاستحقاق، وفلسفيا هذا يقارب رؤية (كامنز) و(نيتشة) في اللعب باعتباره تجسيداً لعبثية العالم، فالسلطة ليست تاج عدل أو عقل، بل لعبة قمار تتحكم بها الصدفة.

لا يتوفر وصف.

يشكّل المخرج خط سير الأحداث، تسيّد الفائز (هادي) بتلك الجولات وهو على موقع (السّيد) يمكّنه من سوقهم والتّحكم بهم، ويلعب (درندش) دور (الأجير/ الوسيط)، أمّا (مازن) الخاسر في تلك الجولات فيلعب دور (الحمّال/ العبد/ الخادم)، وبذلك وضع (هادي/ السيد) في مكان مرتفع على منصة اللّعب المرتفعة عن الأرض – مجازاً (ربوة/ بركة من الدّماء) – بالإضافة إلى صعوده على كرسي/ للتّعالي، وجلوس (درندش/ الأجير) على كرسي آخر (عربة) خارج تلك الرّبوة لسوق (مازن/ العبد) الذي جاء موقعه في المقدّمة وبخطّ مستقيم يتوسّطه (الأجير)، وحثّه على العمل للتّمكن من الوصول والفوز بالسّباق، وعبر الخط المستقيم رسم المخرج مَهامّاَ لكلّ واحد من أولئك الغرباء، وبعد تلكّؤ (الأجير/ درندش) بسوق (مازن/ العبد)، والتّماطل بتنفيذ أوامر السّيد، ومعاقبة (العبد) والتّهاون، يلجأ (السّيد) لعقد الاجتماع، بغية التّوبيخ وإعادة برمجة الخطاب.

لا يتوفر وصف.

تبدأ المحكمة بين (السّيد والأجير)، و(أجير الأجير) على كرسي الاعتراف، وفي هذا المشهد كان التّأثيث البشريّ في غاية الإبداع، المواجهة مع الجمهور في المقدمة (الجلوس)، الحركة الدّيالكتيكيّة المتكرّرة في العمق، هدم النّسق في الوسط، فقد كسر المخرج النّمطيّة عبر أداء مثالي لـ(مازن) وهو يظهر الطّاعة لسيّده، وينقل معاناة الكسبة/ البسطاء/ الزاهدين: (أنا من خبز حلال يا سيدي، خبز عيالي من خيرك)، وهذا الحوار لا يمثّل الشّخصيّة وفق خطّها الدّراميّ المرسوم/ خط سير الأحداث، ولكن مثلها في هذا الجزئية فقط، فبعدها نكتشف ما تحمله هذه الشّخصيّة وفقاً لمرجعيّاتها، ومصدر حضورها. فتنتهي المحاكمة بدلالة (التّكليف) وما لهذه الكلمة من أبعاد، فلا قرابة بينهما سوى التّكليف، فالتّكليف/ التّكبير كلمتان أدمتا البشريّة، فأدمى السّيد أجيره برمزيّة عالية (قطعة قماش حمراء).

لا يتوفر وصف.

التّكليف يعيد برمجة الأحداث، لينطلق بعد التّكليف مشهد آخر، تكملةً للمشهد الأول، واستمراراً للفائز الأول في اللّعب/ الاستهلال، تُعاد الكرة، ويرسم ذات الخطّ المستقيم من جهة أخرى، وبنفس المواقع، وذات الشّخصيّات والأدوار، تمهيداً لتنفيذ المرحلة الثّانية من مراحل الفوز في الاستهلال، ليصلوا إلى مبتغاهم وبرقم قياسي، سباق الخبز: (كلّ الفائزين متشابهون، لا يختلف أحدهم عن الآخر، وكأنّهم مرسلون أو موكلون لتهميش طموحاتنا، لسحقنا سحقاً قاسياً، فالفائزون قبل الفوز يعصرون حناجرنا كليمونة عصراً قاسياً طمعاً في لذّة صوتها، فوزنا مختلفٌ يا سيدي، أنا أفكر بفوز الخبز)، حوار اختزل أزمتنا، جاء على لسان (الخادم الأجير) نقد السّياسات الحياتيّة، سياسة التّدوير، سلطة الموارد والطاقة، من العبث الى التسلية والحاجة، خبز بطعم النفط، فالحياة نفسها ملوثة بالسياسة، وهنا لامسنا أطروحات (هايدغر) عن الوجود، في عصر التقنية، إذ تختزل الطبيعة والإنسان الى مورد قابل للاستهلاك.

سرعان ما نصل إلى قرار من قبل (السّيد) لتسريح (المعتمد) من منصبه، فيلجأ الأخير لنجدة العبد والمطالبة بإبقائه، لكنّ الأوّل بإمكانه أن يسرّح الجميع بسلطته، وهذه لعبة السّياسة القذرة، فـ (الانتماء كذبة اخترعها السّاسة كي نموت من أجلهم)، وهذه نظرة عدمية ترى أن كل انقلاب في الأدوار مجرد إعادة إنتاج للسلطة نفسها، لا تحرراً منها. فصراع الخبز أخطر صراعات الوجود.

لا يتوفر وصف.

وبعد تسريحه يعود (المعتمد) الى أصله عبر بوابة المروحيّة (الهليكوبتر)، يعاد تدويره وإرجاعه بحلّة جديدة (دورة عبثية بلا نهاية) – وهي مرحلة استكمال للاستهلال، فالسياسة هنا ليست سيرورة تقدمية، بل دائرة مغلقة تشبه العود الابدي عند (نيتشه) – فهو الفائز بالجولة الثّانية، وبالتّأكيد سيأخذ نصيبه، ولكن كيف يتصرّف؟ وللعودة إلى اللّعب (اجتماع)، ولكنّه ما بين (السّيد والعبد) فقط، ويفوز (السّيد) كعادته، فيصبح (العبد) معتمداً (القوي يصمد في السّباق، الضّعيف يسقط، حلال يموت، حرام يعيش)، وهنا ينوّه المخرج عن شكل السّلطة، بعدم امتلاكها العنف، بل التّحكم بموارد الشّعوب، (النّفط) مثلاً (خرطوم الوقود)، (هناك خبز بطعم النفط، وخبز بطعم الجوع) فلم يعد الصّراع صراع القوّة الصّلبة، بل صراع الطّاقة، فمن يمتلكها ويتحكّم بمواردها سيتحكّم بالآخر، وباعتراض (المعتمد) الجديد (الخادم) سابقاً لحبّه للحريّة، سيواجه مصيره بالحرق والسّحق، فيرضخ للأمر، وفي المقابل سرعان ما يصاب (السّيد) بنوبة قلق وخوف من منافسيه.

وبعد التّعب من أجل الفوز، الغفلة، السّكون مقابل الحركة، السّبات، وأحلام السّلطة، الحلم بالفوز لا العيش. والصمت، (تكليف): عودة إلى بدء (الأحمق من لا يحتاط لنفسه) فقد عاد المطرود من ذات الباب، بعد إعادة تدويره، يتصدّر، ويعود (المعتمد) الأوّل من جديد بدور (القاضي)، لتكتمل الحكاية، فالتّكليف تطلّب ذلك، التّكليف، وما أدراك ما التّكليف! (التكليف يعيد تدوير الوجوه، لكنه لا يغير جوهر النظام)، فيكلّف (القاضي) (الخادم) بدور الواعظ، و(السّيد) بدور (الخادم)، لتنقلب المعادلة ويتفرعن الخطاب على النسق (البرختي)، ويشهر عن جوهره وابتعاده عن الأيقونة (الاستغلال/ الانانية)، ليدغدغ فينومينولوجيا الروح (الهيغلية) وجدلية العلاقة ما بين (السيد والعبد) إلى أنّ التقارب من بين الخطابات يكمن في السلطة التي تقوم على علاقة غير متكافئة، فتشتبك النظرية الفلسفية الجدلية مع النظرية السياسية الاجتماعية، إذ يركز (بريخت) على الاستثناء كفعل مقاومة ليكشف زيف القاعدة، فيما يركز (هيغل) على الجدلية، اما في خطاب العرض فقد جاءت القاعدة مجرد استغلال اجتماعي ولا علاقة جدلية قابلة للانقلاب بل لعب مستمر لإعادة إنتاج السلطة وفقد محكومية السلطة/ إرادة القوة (النيتشوية) والحياة المدفوعة/ إرادة البقاء (الشوبنهاوري). وهنا يكمن التّجديد لـ(درندش) بوصفه مؤلّفاً، ولـ(حنون) بوصفه مخرجاً، ليخرجا عن المحظور ويبتعدا عن التّكرار، رغم الاستعارة غير المباشرة لخطاب النّص، وعبر هذا التكليف، تم محاكاة مقولات (ألتوسير) عن (الاستدعاء)، فالسلطة تنادي الأفراد وتمنحهم موقع جديد داخل بنيتها، لكن دون الخروج عن سياقها ومنطقها.

لا يتوفر وصف.

وبعد هذا التّحول المبرّر يتقمّص (هادي) دور المظلوم، لكنّه يقع في شر أعماله، فاللّعبة لا مفر منها. فيما جاء التّحوّل للشّخصيّات الثّلاث في غاية الحرفيّة والإبداع، من (سيد) إلى (عبد) ومن (عبد) إلى (واعظ)، ومن (معتمد) إلى (قاضٍ) لم يكن بالسّهل، فهنالك لمسة أدائيّة، وحرفيّة عالية في اللّعب، جعل العرض ملامساً للجمهور، ولا سيّما وأنّ الخطاب كان نقداً للسّياسات الحياتيّة، وصوتاً مقاوماً للسّلطات الغاشمة، وهذا ما جعل الخطاب يبقى في السّياق، على الرغم من أنَّ البناء الثلاثي يذكرنا بجدلية (هيغل)(السيد والعبد)، إذ لا وجود (للسيد) إلا بوجود (العبد) الذي يعترف به، لكن هنا يدخل (الاجير/ الوسيط) كطرف ثالث، يكسر الثنائية (الهيغلية) ويضيف طبقة أكثر تعقيداً، وهذه إعادة صياغة للجدلية (الهيغلية) مع لمسة (فوكوية)، إذ لم يعد العنف المباشر هو جوهر السلطة، بل التنظيم والوساطة وإعادة التدوير.

جاء الحل ليس بالفوز داخل اللعبة، بل في فضح اللعبة نفسها، فيما جاء الخبز كأداة سيطرة بيوسياسية، ليمتد بون السلطة ابعد من العنف ويصل الى التحكم في شرط البقاء، وحتى إذا صار العبد سيداً وفق قوانين اللعبة) فإنه سيمارس نفس أنماط السيطرة لإن البنية الحياتية وفق نظرية نقد السياسات الحياتية لم يتغير، وبذلك جاء خطاب العرص بلغة تعرية للسياسات النيوليبرالية، وغياب الاستثناء الحقيقي بعدما حضر كأمل/ تضامن لدى (بريخت) وأفق جدلي للتحرر لدى (هيغل)، والنتيجة حياة بلا أفق، مسيسة بالكامل، والانسان صار عالقاً في لغة الاقتصاد.

لا يتوفر وصف.

Related Articles

Back to top button