عام

نص مسرحي: “ما ضاع وطن”/ تأليف: محمد عبد الخضر الحسيناوي

 مقدمـــة:

ما ضاع وطن مسرحية عبثية سوداء تكشف بشاعة الفساد المؤسسي حين يصبح الحاكمون مجرد لصوص يتنازعون الغنائم، لا همّ لهم إلا اقتسام وطنٍ باعوه في المزاد. يغرقون البلاد في الفقر والخراب، بينما يختلقون روايات خرافية عن الفئران والطوفان لتبرير نهبهم العلني. المسرحية تسخر من واقع سياسي مريض، حيث يتحول الدين إلى وسيلة تبرير، والخطاب إلى هراء، والبطولة إلى قناع يتاجر به الجميع.
تعتمد المسرحية على مشاهد غرائبية، حوارات متناقضة، نهايات صادمة، وتكشف عن كارثة أخلاقية شاملة.

في زمنٍ تتشابك فيه الحكايات بالخديعة، وتختلط فيه الحقائق بأكاذيب رُتبت بإتقان، كتبتُ هذه المسرحية… لا لأُجيب، بل لأُشير بإصبع مجنون إلى تلك الفتحة العميقة التي ابتلعت الوطن، اسمه، ذاكرته، وكرامته.

“ما ضاع وطن” ليست رواية بطل، ولا ملحمة شعب، بل صرخة صامتة تنبعث من أفواه الجياع، من أنين الأطفال الذين ورثوا النفايات، من عيون عجائز باعوا الخبز ليشتروا حبوب الضغط، ومن دماء الشهداء التي اختلطت بوحل صفقات القادة.

هي مسرحية عبثية لأن الواقع بات أكثر عبثًا من الخيال، وسوداء لأن النور اختبأ من شدة الخوف. ضحكٌ باكٍ، ومآسٍ تتراقص على إيقاع المؤتمرات الجوفاء، وخطابات التبرير، و”الفئران” التي صارت أكثر نباهة من أولياء الأمر.

قد يجد القارئ نفسه أمام شخصيات غريبة، بأسماءٍ كاريكاتيرية، لكنهم ـ ويا للأسى ـ ليسوا من وحي الخيال فقط، بل من لبّ التجربة… تجربة أمة ضيّعت طريقها، فجلس اللص على عرشها، وصار الخائن يُكرَّم، وتُكفَّن الحقيقة بقماش الإدّعاء.

إنها مسرحية كتبتها وأنا أضحك من هول البكاء… وأبكي من شدّة السخرية./ المؤلف

 

الشخصيـــــات

  1.  كبيرهم:  زعيم العصابة، يجلس في الظل، العقل المدبر
  2. هارون ( القرد):  منافق، يقول شيئًا ويفعل نقيضه
  3. المعمم: يتلاعب بالدين لشرعنة سرقاتهم
  4. أبو لغوة: يتحدث بلغة غريبة، يلف ويدور بالكلام ليضلل الناس
  5. شلوح: يعتقد نفسه عبقريًا، لكن لا يفهم شيئًا
  6. القوقز: جاهل، أداة بيد الآخرين
  7. شوشع: تعلّم من فسادهم، وأصبح مثلهم
  8. بائع: رجل كبير من عامة الناس
  9. سعاد: لعوب تتلاعب بالجميع
  10. طفل: جامع نفايات، فقد والده في الحرب

 

(قاعة المجلس الأعلى للسُراق غرفة كبيرة أشبه بالخرابة، جدرانها مزيّنة بصور رمزية تُمجّد “الكرامة الوطنية”، بينما تتدلى من السقف لافتات مهترئة كتب عليها بخط متآكل:

الحكومة في خدمة المواطن
من أجل مستقبل مشرق
غرق الأموال قدرٌ إلهي“)

(وسط المسرح طاولة طويلة تتوسطها أكوام من الأوراق، أختام مكسورة، صناديق سوداء مكتوب عليها “سري للغاية”، وتشكيلة فئران بلاستيكية متناثرة هنا وهناك. إنارة شاحبة تهتزّ، وكأنها على وشك الاحتضار.)

(صوت المطر في الخلفية، غزير، كأنه طوفان)
(يدخل هارون وهو يضع منشفة على رأسه كمن جاء تواً من ساحة معركة)

هارون(بنفَس متقطع) يا إخوان… يا وزراء العهد الذهبي… يا حُماة الأموال السابحة… لقد أغرقتنا السماء! (يرفع كيسًا شفافًا فيه أوراق مالية مبلّلة) هذا كل ما تبقى من “ميزانية المواطن السعيد”… تشرّبتها الأرض مثلما يتشرّب الظمآنُ السراب!

(يدخل القوقز وهو يحمل دلوًا فيه فئران ميتة، ويرتجف)

القوقز: لحقتُ بها… بأموالنا… لكنها كانت تُصرخ من داخل المخزن… ثم فجأة خرجت الفئران… أسراب… أفواج… قوافل!
(يرفع فأرًا ميتًا كأنّه دليل قضائي) هذا بالذات… أكل مليارين ونصف لوحده!

(يدخل أبو لغوة وهو يقرأ من كتاب ضخم بعنوان “نظرية الفقد التراكمي في الحيز الرملي)

أبو لغوة(متفذلكًا) أيها السادة… أيها النخب… إن غرق المال هو تعبير ما بعد بنيوي عن علاقة الذات بالخسارة التاريخية للمفهوم النّقدي، وقد يتماهى الفأر مع الإله في لاوعي الجماعة.

(المعمم يدخل وهو يمسح وجهه بمنديل حريري، يتحدث بثقة)

المعمم: الحمد لله على كل حال… الغرق ابتلاء، والفئران مخلوقات مسكينة تبحث عن قوتها، وربما كانت مأمورة من السماء!
(يرفع فتوى مطبوعة) من غُصّ بالمال فحق له أن يُسرق، ومن سُرقت أمواله فقد فُتحت له أبواب الجنة.

(شلوح يدخل بخريطة المدينة، مرسومة على منديل، يشير إليها بعصا)

شلوح: أيها الجمع المبارك… هذا موقع المصرف الغريق، وهذا مخزن الفئران، وهنا… (يشير إلى حقل فارغ) هنا سنبني نصبًا تذكاريًا… “لضحايا الميزانية”.

(سعاد تدخل تضع نظارة سوداء، تحمل هاتفًا وتلتقط صور سيلفي بينهم)

سعاد: ابتسموا… أنتم الآن في نشرة الأخبار… الشعب يحب صور المأساة إذا التقطناها بزاوية جيدة!

(فجأة تُطفأ الأنوار، يُسلّط الضوء على كرسي فارغ في الظل، نسمع صوت كبيرهم الغامض، من مكبر صوت قديم)

صوت كبيرهم: أيها الرفاق… يا أبناء العزّ والسُّحت… مَن المسؤول عن الغرق؟ (صمت ثقيل) من المسؤول عن الفئران؟
(صمت أثقل) من المسؤول عن الحقيقة؟ (ضحك مجنون)

هارون: الحقيقة… الحقيقة تسبح الآن في مياه الصرف الصحي!

المعمم: أقترح أن نصدر بيانًا… نُعلن فيه “العدو الخارجي” مسؤولًا عن تسيير الفئران وفتح مزاريب السماء!

أبو لغوة(بحماس) أقترح أن نحمّل المواطن المسؤولية… لأنه لم يصوّت لنا بما فيه الكفاية!

شلوح: أقترح أن نطلب قرضًا طارئًا… لإعادة تأهيل الفئران الغارقة!

القوقز: وأنا… أقترح أن نأكل الفئران… قبل أن تأكل ما تبقّى!

(الجميع يضحك، موسيقى عبثية تبدأ، يدورون حول الطاولة كأنهم في رقصة دائرية، يحملون الأكياس الفارغة، الأوراق المبللة، الفئران، والفتاوى، ويغنون أغنية وطنية محوّرة بكلمات تافهة مثل: “نموت ويحيا اللص… من أجل حفنة قروش”)

(صوت المطر يتصاعد، تتساقط عملات ورقية من السقف كأنها دموع وطن ينهار. ولحظة صمت يتحول الى زقاق البلدة – صباح رمادي)
(ركن شارع متهالك، حاويات قمامة ممتلئة، أكوام من بقايا الطعام، لافتات ممزقة على الجدران: الرفاه للجميع – خطة 2030
صوتك أمانة – الانتخاب فرض وطني)

(في زاوية المسرح الطفل يجلس القرفصاء، يرتدي ملابس رثة، يحمل كيس خيش ويُنقّب في القمامة. يقف قربه البائع العجوز خلف عربة خشبية عليها بعض علب الحلوى وبقايا السجائر، يتنفس بصعوبة ويكحُّ بلا توقف.)

(صمت ثقيل… موسيقى ناي حزينة بالكاد تُسمع… حركة الناس معدومة)

الطفل(يناجي نفسه) أبي قال لي: الوطن أكبر من الجوع… لكنه مات قبل أن يراني أجوع… (ينظر نحو السماء) أمي ما عادت تنهض… ولا تسألني: ماذا وجدت اليوم؟ كل ما أجده هو “لا شيء”… لكنّ لا شيء… أحيانًا يكفينا للبقاء (يمد يده إلى كومة نفايات ويخرج جريدة قديمة، ينفضها، يقرأ بصوت متهكّم) مشروع لإسكان الشباب… (يمزقها) أنا أسكن في حقيبتي… وأبي يسكن في التراب!

(يدخل البائع وهو يجرّ عربته المتصدعة، يتوقف ليلتقط أنفاسه)

البائع: صباح الخيبة يا صغيري… هل وجدتَ اليوم شيئًا قابلاً للبيع؟

الطفل: وجدت فأرًا… هل يشتريه أحد؟ يقولون إنه أكل مليارًا… ربما يشبعني!

البائع(يضحك بسعال متقطع) أبيع السجائر بنصف دخانها… وأشتري الهواء بالآهات…أنا لست بائعًا… أنا شاهد على موت المدينة.

(تظهر من بعيد سيارة فاخرة، تدخل ببطء، موسيقى صاخبة تنبعث منها، داخلها سعاد، ترتدي نظارة شمسية وتضع أحمر شفاه فاقع. تقف قرب الطفل)

سعاد(تفتح النافذة، تنظر بازدراء) أنتَ… طفل القمامة، تبتسم كثيرًا هذه الأيام…! (ترمي له قطعة حلوى مغلفة بورقة نقدية) خذ… نُسخة مصغّرة من معونتنا الوطنية.

الطفل: (يلتقطها، ينظر إليها، ثم يرميها في القمامة) هذه الحلوى طعمها يشبه طعم “الكرامة”… مغلّفة، ملوثة، ولا أحد يأكلها.

البائع: سعاد… هل لديكِ موعد مع الله اليوم؟

سعاد(تضحك) الله؟ لا، مواعيدي اليوم مع خمس وزراء ومقاول.. وأربعة أكياس سوداء فيها مستقبلنا!

(تغادر السيارة، تطلق بوقًا عاليًا، يخترق صمت المشهد)

(الطفل يجلس، يُخرج دفترًا قديمًا من جيبه، يرسم عليه خريطة مشوهة للبلدة، يكتب فوقها: منزل – مدرسة – نهر)

الطفل: كان عندنا نهر… قالوا باعوه… وكان عندنا مدرسة… أكلتها الفئران. وكان عندنا وطن…(يمسح الخريطة كلها، يترك فقط كلمة واحدة : “كان) هل سنعود يومًا إلى “سنكون؟

(ضوء خافت ينصبّ على وجه الطفل والبائع، بينما يخيّم الظلام على بقية المسرح)
(تُسمع أصوات نشرة أخبار ساخرة من مكبر صوت قريب)

مكبر الصوت: البلدة تسير نحو النهضة… مشاريع عملاقة… رواتب الموظفين محفوظة في قلوب المسؤولين… ونهر جديد سيُفتتح من  دموع المواطنين.

(الموسيقى تهمس بلحن مألوف من نشيد وطني، مشوّه ومكسور الإيقاع لينتقل الى زاوية  قبو سري – “اجتماع استثنائي للغاية)
(غرفة ضيقة، جدرانها من الطين المتشقق، مضاءة بمصابيح خافتة تتدلّى بأسلاكٍ عارية. في المنتصف خريطة المدينة مُعلّقة، وعليها ملصق مكتوب عليه بخط أحمر)

اجتماع لبحث فرص الاستثمار الوطني – جلسة رقم 666

(بجانب الخريطة مجسّم بدائي لنهرٍ من ورق أزرق، بدأ بالتمزّق، محاط بأعلام شركات وهمية تحمل شعارات مثل)

نهرك حياتنا – والآن حياتنا للبيع!”
المستقبل مملوك لمن يدفع أكثر

(يدخل شلوح متحمسًا وهو يجرّ صندوقًا فيه قناني بلاستيكية مليئة بماء مشكوك فيه)

شلوح: أيها السادة… جئتكم بالبُشرى… النهر لم يعد نهرًا… أصبح ماركة! (يرفع قنينة) ماء الوطن – نكهة الخيانة!

(يدخل هارون، يضع على رأسه قبعة ملوّنة، يبتسم بابتسامة صفراء)

هارون: أيها المستثمرون في الألم… بيعُ النهر ليس خيانة، بل تدويرٌ للماء الميت… هل تعلمون أن الأسماك فيه رفعت دعوى تطالب بالرحيل؟

(يدخل المعمم حاملًا لوحًا خشبيًا مكتوب عليه “فتوى رقم 404)

لا مانع شرعي من بيع الأنهار

المعمم: الماء ليس مِلكًا لأحد… وقد قال سلفنا الصالح: من باع الماء، شرب الدهرُ من حكمته!

(القوقز يدخل وهو يمضغ ورقة بيضاء، يضحك بخبث)

القوقز: أكلتُ العقد القديم للنهر… أريد نسخة قابلة للهضم!

(يدخل أبو لغوة حاملاً قاموسًا ضخمًا جدًا، يفتحه بطريقة احتفالية)

أبو لغوة: النهر… في تأصيله اللغوي… فراغٌ متحرّك… والبيعُ في بُعده التداولي هو عملية استبدال الخيال بالضياع… (يصمت، يغمض عينيه، يتنفس بعمق) أقترح أن نبيعه، ثم نستأجره، ثم نطالب بتعويض عن خسارته!

(تدخل سعاد مرتدية زيًا رسميًا صارخ الألوان، تمسك جهازًا لوحيًا، تعرض شريحة بعنوان:) “خطة تحويل النهر إلى مول تجاري

سعاد: لدينا عروض من ثلاث شركات: 1- شركة “شفط وشركاه” – تقترح تجفيف النهر وتحويل مجراه إلى ممشى للتسوّق. 2- شركة “ماء علينا وبس” – تقترح تعبئة الماء وبيعه للمواطنين بسعر البنزين. 3- شركة “نهر بلاس” – تريد تأجير النهر للمشاهير من أجل جلسات تصوير.

هارون: وأين حقنا نحن من هذا؟! (يضحك) أقصد… أين مصلحة الوطن؟

(شوشع يدخل متأخرًا، يحمل كيسًا صغيرًا مكتوب عليه)

 “عقد البيع – موقع من الجميع

شوشع: آسف على التأخير… بشّروا أنفسكم… لقد بعنا النهر!

الكل(بدهشة تمثيلية) ماذا؟ كيف؟ متى؟ لماذا؟

شوشع(ببساطة) وقّعت عنكم جميعًا… وضعت بصماتكم بموافقتكم الضمنية!

هارون(يضرب الطاولة) لكن لم نناقش السعر!

شوشع: لا تقلق… حصلنا على “دفعة مقدّمة”…

(يفتح الكيس، يظهر فيه ثلاث قناني ماء، شريحة هاتف قديمة، وصورة قديمة للنهر قبل التلوث)

المعمم(ينظر إلى الصورة، يتنهد) كان نهرًا طاهرًا… (يرتجف) لكن الطهارة في هذا الزمن حرامٌ على الوطن!

أبو لغوة: أقترح أن نحتفل… بفقدان النهر… كمن يحتفل بوفاة قريبٍ تخلّص منه!

(الجميع يبدأون بالتصفيق البطيء، يتحوّل إلى رقصة غريبة حول مجسم النهر، يحملون القناني، الأوراق، الفتاوى، يرقصون مثل الأرواح التائهة)

(صوت كبيرهم يظهر فجأة من مكبّر الصوت)

كبيرهم: أحسنتم يا أبناء الغنيمة… بيع النهر مقدمة لبيع الهواء… فهل أنتم مستعدّون للمرحلة التالية؟

الجميع: (بصوت واحد، بحماسة مَرَضية) نعم… نعم… سنبيع كل شيء… حتى أنفسنا… إن كان فيها ربح!

(يُطفأ النور تدريجيًا… يبقى فقط ضوء خافت على خريطة المدينة وقد شُطب منها النهر بخط أسود غليظ… ثم تسقط الخريطة من الحائط دون صوت)

(ركن اخر يتحول المكان الى قاعة الاجتماعات الاولى – منتصف الليل الصور المعلّقة باتت مقلوبة، الطاولة مغطاة بأكياسٍ سوداء فيها أوراق محروقة، أوراق نقدية ملوّثة، وأصابع دمى مبتورة تمثّل “الشعب)
(الإضاءة باهتة، تسطع ثم تخفت بشكل متقطّع، كأنها تعكس اضطراب نفوس الجالسين.)

(هارون يجلس في أقصى الزاوية، يحدّق في الجميع بريبة، يُدوّن شيئًا في دفتر مخبّأ تحت الطاولة)
(يدخل المعمم وهو يضحك ويضع مسجّلًا يشغّل اغنية مرتلة، الفاسدين الصالحين)

المعمم: أيها الإخوة… فلنبدأ الجلسة بالدعاء: “اللهم بارك لنا في الفساد كما باركت في الماء، واجعلنا من المتهرّبين لا المحاسَبين!”

(القوقز يضحك دون أن يفهم، يحاول التصفيق في اللحظة الخطأ)

(يدخل أبو لغوة وهو يرتدي تاجًا من الورق المقوّى مكتوب عليه: “وزير اللاشيء”)

أبو لغوة: (يتحدث بتعالي) لقد وصلتني معلومات مؤكدة… أن أحدكم يتجسس على الآخر لحساب كبيرهم! (ينظر إليهم بنظرة مسرحية) بل أكثر من ذلك… أحدكم يُرسل تقارير سرية إلى المواطن نفسه!

(الجميع ينهضون في هستيريا مصطنعة)

هارون(بهدوء شيطاني) تقارير؟ أنا؟ أنا لا أكتب إلا القصائد… عن الوطن… والوطنية… والسُرّة المقدّسة للهوية!

سعاد: (تدخل فجأة بزيّ شفاف فاضح، تحمل هاتفًا وتعرض صورًا) يا سادة… هذا “المواطن” الذي تتحدثون عنه… أنتم جميعًا تتواصلون معه!
(تعرض صورًا لهم: كل واحد منهم مع المواطن، يبتسم، يوقّع له، يعطيه رشوة)

القوقز: (مرتبكًا) أنا ظننت أنه عامل تنظيفات… أقسم!

شلوح(ينفجر غاضبًا) كلكم خونة! أنا الوحيد الذي سرق من أجل الوطن!

المعمم: وما فائدة السرقة إذا لم يُباركها الله؟ (يرفع ورقة كتب فيها)
   عقد إقالة شلوح بسبب تفكيره الزائد!

أبو لغوة(يتحدث بصوت هابط بطيء) الحقائق نسبية… والخيانة مفهوم متغيّر… والثقة حالة سائلة في وعاء مثقوب.

(الجميع يحدّق فيه، ثم يتجاهلونه كالعادة)

(شوشع يدخل فجأة يحمل “سجلّ الخيانات”، كتاب عملاق مكتوب عليه بالأحمر: “كلّكم… كلّكم…”)

شوشع: (يصرخ) كلّكم سجّلتم أنفسكم كضحايا وتستلمون رواتب الضحايا! كلّكم كتبتم بأنكم أوفياء… وكلّكم… سلّمتم مفاتيح الخزنة لبعضكم دون أن تدري اليد اليمنى ما سرقته اليد اليسرى!

(صمت… الجميع ينهار على الكراسي)

(صوت خافت من جهاز تسجيل يشتغل تلقائيًا – صوت كبيرهم)

كبيرهم: أنتم مشروع فشل جماعي… لا أحد فيكم يصلح حتى كضحية… لكني أُبقيكم لأنكم تُقنعون الشعب أنكم مختلفون… وأن لكل واحدٍ منكم “رؤية وطنية”… بينما الوطن في جيبي!

(الموسيقى تتصاعد – إضاءة فوضوية – الجميع يبدأون بالتراشق بالأوراق، القناني، التهم، الفتاوى، الصور، المفاتيح، حتى أحدهم يرمي حذاءه)

(القاعة تتحول إلى حلبة سيرك – كل واحد يحمل لافتة كاذبة كتب فيها)

  • “أنا النزيه الوحيد”
  • “بعت لكن لم أقبض”
  • “سرقت لأداوي أمي”
  • “لا أتذكر شيئًا منذ الانتخابات”
  • “أنا مواطن مثلهم!”

(الأنوار تنطفئ فجأة – موسيقى هستيرية – صراخ – ضحك – بكاء – ثم ظلام دامس)

(انارة متقطعة بمكان مجاور، قاعة الاجتماعات بعد منتصف الليل، قاعة واسعة بلا نوافذ، جدرانها مغطاة بصور ضخمة لهم وهم يتبرّعون للفقراء، يعانقون أيتامًا، ويقبّلون الأعلام.
لكن الصور متآكلة، بعضها مقلوب، وبعضها يحترق ببطء.)
(وسط القاعة خزانة حديدية كبيرة، موصدة بأقفال كثيرة، يُكتب عليها: أسرار الدولة.)

(المعمم يجلس على الأرض، يُصلّي بطريقة عشوائية، يهمهم بصوتٍ غير واضح)

(هارون يتحدث عبر هاتفه بصوت خافت)

هارون: (بهمس) نعم… نعم… تم تهريب الأموال إلى الخارج… لا، لم يشكّ أحد… كلهم أغبياء…

(يدخل القوقز وهو يحمل دفترًا ويضحك دون سبب واضح)

القوقز: ههههههه! كتبت اسمي بدل اسم شلوح في صفقة الأراضي… الآن صار عندي نصف المقبرة القديمة!

شلوح: (يدخل صارخا) من سرق توقيعي؟! من سرق أحلامي؟! حتى القبور ما عاد لنا فيها نصيب!

سعاد(بزي رسمي، تفتح دفتر مواعيد) القرد عنده لقاء مع منظمة مكافحة الفساد… سيكرّمونه اليوم.

(تضحك ضحكة عالية ساخرة)

سعاد: وعندي مواعيد لكل واحد منكم مع قنوات تلفزيونية لتمجيد “إنجازاتكم الوطنية”.

(يدخل أبو لغوة بزيّ أكاديمي ممزق، يتحدث بكلمات متداخلة لا معنى لها)

أبو لغوة: إن فوضى الاستعمار الفكري في زمن التشكيل القهقري تعني أن الحاضر مشفّر بذاكرة اللاوعي الأخلاقي المشترك… (يصمت، ثم يبتسم بثقة)

(الكل يومئ برأسه موافقًا، رغم أنهم لم يفهموا شيئًا)

(المعمم ينهض، يخلع عباءته، يتكشّف تحته بدلة فاخرة)

المعمم: كفى هراء! أنا من كتب الفتوى التي حللت بيع النهر… وأنا من أصدر مرسوم توزيع القبور!

هارون: (يرمي هاتفه) وأنا من حرّض الإعلام على الطفل الفقير وادّعيت أنه عميل للخارج!

سعاد: (تصرخ) وأنا من صوّر تلك المقاطع المفبركة عن الناس وهم “يشكرون الحكومة” على خدماتها!

القوقز(مرتبك) وأنا صدّقتكم…

(شوشع يدخل متأخّرًا، يحمل علبة تونة)

شوشع: (ببراءة مريبة) وقّعت عقد بيع هواء المدينة مقابل قرض دولي… قالوا لنا نحطّ الأوكسجين في قناني ونصدره.

(صمت ثقيل – الكل ينظر لبعضه – ينهار أحد الجدران ويسقط فوق صورة لهم مجتمعين)

كبيرهم: (صوت بهدوء شيطاني) أنتم مجرّد أدوات… أنا من خطّط لكل هذا… وأنتم صدّقتم أنكم شركاء.

(الأنوار تتقطع، كل منهم يسحب سكينًا، يحدّق في الآخر، الشك ينهشهم، الجميع يتحرّك في دوائر، كأنهم في رقصة عبثية جهنمية)

(الموسيقى تشتد – قهقهات عالية – ثم فجأة، صراخ – ظلام دامس)

(مكان رمزي: منصة مهترئة وسط خرائب البلدة، أعمدة الكهرباء مائلة، راية ممزقة ترفرف بكسل. ضوء باهت يُسلط على الشخصيات الأساسية الجالسة خلف طاولة طويلة، يعلوها لافتة بالية كُتب عليها “المؤتمر الأعلى للإنقاذ الوطني”. في الزاوية يقف الطفل يراقب، وبائع الكهولة يجلس القرفصاء منهكًا، بجانبه علبة دواء فارغة. الجمهور يسمع دوي انفجارات بعيدة ونحيب الريح.)

كبيرهم(ينهض ببطء، يصفق) الآن… بعد أن تبيّن لنا أن المطر لم يكن حليفنا، وأن الفئران تجاوزت عدد الناخبين، وأن مخازن الدولة تنفست الصعداء بعد أن تخلصت من عبء الأموال… نعلنها: لقد نجونا! الشعب في سبات قولوا ما تشاؤون فأنتم بأمان.

هارون: (يصفق بحماس) نجونا من الحقيقة… من المحاسبة… من التاريخ! الله أكبر على كل من شكك بولائنا للسرقة!

المعمم: (يرفع كتابًا ذا غلاف أسود مكتوب عليه ) “التبريرات السماوية المعاصرة
وهذا نص شرعي جديد… “من أتلف مال الشعب متأولاً فله أجران: أجر التبرير، وأجر النية الطاهرة في النهب النزيه”.

أبو لغوة: (ينهض ويلف عمامة من الورق على رأسه) اللغة لا تُفهَم إلا من خلال ما لا يُفهَم، أما المفهوم فخيانة لغوية. ولذلك أقول: غرغرة الأوطان لا تُشرب إلا بمصفاة الخطابات الجوفاء.

شلوح(يصرخ) اسمعوا! أنا أرى الحل واضحًا! نبني سورًا حول البلدة… ثم نعلنها بلدة خاصة، ندعو السواح ونبيع لهم الذكريات!

القوقز(بدهشة) بس شلون؟ إذا الناس هربت وطفا النهر؟

شوشع(يبتسم ببراءة) نبيع النهر. مو قلنا؟ نبيعه لهم بزجاجات! ونطبع عليه “ماء من وطن ضائع… مفحوص دوليًا”.

سعاد(تدخن وتوزع نظرات ماكرة) أنا جاهزة أرتب مواعيد مع مستثمرين من خارج المجرة… بس لازم نغسل سمعتنا قبل هيچ خطوة!

(صمت ثقيل. ينهض الطفل فجأة، يتقدم نحو الطاولة بخطى بطيئة. يحمل بيده قطعة خبز متعفنة ونفايات مهترئة، يضعها على الطاولة أمامهم)

الطفل: (بصوت متهدّج) هاي حصتي من الوطن… جبتها من المزابل. أبويه مات وهو يحمينا، وإنتو… بعتوا كلشي. حتى الهوا ما عاد نظيف.

(يخرج البائع العجوز قطعة قماش بيضاء، يلوّح بها كمن يرفع راية استسلام. ثم يسقط ميتًا بصمت.)

(الجميع يتجمدون في أماكنهم. ينهار السقف الرمزي للمسرح، تسقط اللافتة. يظهر “كبيرهم” في الظل يصفق وحده بينما تضاء على وجهه ابتسامة شيطانية.)

كبيرهم(همسًا) ما ضاع وطن… إلا عندما اقتنع شعبه أن من سرقه هو من سينقذه.

(ينطفئ الضوء. يرتفع صوت الطفل باكيًا وهو يردد بنغمة نشيد وطني مشوهة)

يا وطن… ما ظل بيك غير رمادك… وسراقك.

(صمت. ظلام تام.)

النهاية         

 

  **  محمد عبد الخضر الحسيناوي

Related Articles

Check Also
Close
Back to top button