نصوصنصوص مسرحية

نص مسرحي: “القناص أو ( الخيبة )/ تأليف: د . نورة العتال

المكان: (بيت مهجور محطم بسبب القصف والجدران بها ثقوب كثيرة مناسب للقنص والأرضية مبعثرة وقذرة وبها حطام سقف وبعض النفايات )

شخصيات المسرحية :

مازن : مجند قناص في الجيش في الخامسة والعشرين من عمره جبان، يتظاهر بالشجاعة ويختباً في مكان هو ورفاقه ليمارس القنص على جنود الأعداء، لديه أزمة مع الحرب ويشعر أنها غير عادلة وأن من يصنع الانتصارات هم الجنود وليس قادة الحرب !!

هاشم : زميله ملازم أول أيضاً وصديقه منذ الطفولة وفي نفس كتيبة القناصة صاحب مبادئ وشجاع ولكنه متردد ولا يحب أن يكون قيادياً .

ريتا : نقيب قناص وهي قائدة المجموعة المختبئة في بيت ذا ثقوب متهالك بسبب القصف، تتعاطف مع زملائها وتعتبرهم اخوتها ولا تمارس عليهم شخصية القائد رغم أنها الأكبر رتبة فيهم.

بتر : مجند من ضمن فرقة مازن أكبر قليلاً ولكنه لم يتجاوز الثلاثون من عمره .

العقيد أبو البركة : عقيد في الجيش وفي سلاح آخر يظهر بدور صغير ولكنه يقتل بواسطة مازن الذي يمتلكه الحقد على القادة الذين ورطوهم في هذه الحرب اللعينة

النقيب سمحان : إحدى ضحايا مازن ..

الضابط 1 ، 2 ، 3 : هم من يحاكموا مازن في المنام ( حديث نفسي ) ، أو هلاوس وأضغاث أحلام .

 

( المشهد الأول )

(منزل مهجور محطم الجدران وبه ثقوب كبيرة وأخرى صغيرة، ومناسبة لتسليط البنادق على المارة من الأعداء والأصحاب أحياناً، الأرضية قذرة وبها بقايا أسمنتية من جراء القصف، قصف سابق على المدينة والتي هجر أهلها خوفاً من الموت، المكان قذر وبه بعض النفايات، وعلى زاوية من هذا المكان يوجد شنط ومطبخ صغير متنقل، المكان مقرف وفوضوي جداً. سلاح البازوكا مسند على الجدار وبعض صناديق الرصاص وبعض الأسلحة ومنظار للمسافات البعيدة)

ريتا : أتمنى لو أننا نأخذ إجازة من هذا المكان ليومين فقط .. فقط .

هاشم : يومان فقط ماذا يمكننا فعله في 48 ساعة ؟ .

ريتا : (تلمس شعرها) أريد أن أصفف شعري (تلمس شعرها وتتخيل نفسها في صالون لتصفيف الشعر)

( يتنهد الأربعة ريتا / هاشم / مازن / بيتر ويظهر عليهم شرود الذهن )

 

( المشهد الثاني )

(مقعد ومراية كبيرة ريتا وهي في إحدى صالونات الشعر في كامل زينتها)

 

( المشهد الثالث )

(تخرج ريتا من المشهد بعد أن تنزع الباروكة والتي كانت تمثل تسريحتها المتخيلة، لأن صوت الرصاص الكثيف في تلك اللحظة يقلب سكون المكان بشكل مفاجئ. يصحو الجميع على هذا الصوت الذي يرجعهم إلى الواقع ويصوبون بنادقهم إلى الخارج كوضعية استعداد)

هاشم : انتظروا .. أحدهم .

مازن : ماذا ؟

هاشم : ألا ترى ما أراه إنه العقيد أبو البركة.

مازن : بل أبو الفقر والحسرة، يكمل ضحكته التهكمية .

ريتا : أش أش .

بيتر : كأنه يدخل إلى مبنانا

ريتا : استعدوا .. ربما لا يكون هو …

يصوب الأربعة بنادقهم إلى مكان الدخول .

( لحظات من الترقب والتشويق )

 

( المشهد الرابع )

(يدخل العقيد أبو البركة وهو منهك من الجري ويريد الاختباء يتفاجأ العقيد ببعض الشموع الموجودة في المكان، يتفاجأ بموجودهم يصوب مسدسه للدفاع عن النفس)

العقيد أبو البركة : هل من أحد هناك؟ (صوت أنفاس مترقبة) هل من أحد هناك؟ أجب

ريتا : ( تتواجه معه ) من أنت ؟

( يعرفان بعضهما البعض من الزي العسكري )

العقيد أبو البركة : أنا العقيد أبو البركة

ريتا : (تلقي عليه التحية العسكرية) سيدي

(يبدأ المكان ينور بضوء أكثر لتتضح الوجوه والشخصيات.. الشموع تملأ المكان رغم أن الجو بالنهار)

العقيد أبو البركة : من أنت أيها النقيب .

ريتا : النقيب ريتا أيها الكولونيل أبو البركة .

( يضحك بارتياح )

العقيد أبو البركة : أهلا كابتن (Captain)

يلقي بقية الأفراد التحية العسكرية ويذهب كل إلى مكانه.

مازال يلهث ( يجلس في مكان ما وكأنه في مكتبه بكبرياء )

( يضحك بارتياح )

مازن : تعرفان بعضكما البعض ؟

ريتا : نعم كنا في خندق واحد في العام الماضي في معركة 201 الحدودية .

مازن : أها (بسخرية) 201 ؟ جيد .. أيها النقيب أقصد الكولونيل (وينظف أسنانه بعود ثقاب.. يرفع قبعته) أيها الكولونيل ( يحني رأسه للتحية )

بيتر : (يناول العقيد كوباً من القهوة أو الشاي وقطعة خبز ( اختياري ))

العقيد أبو البركة : تختبئون هنا منذ مدة ؟ ها

مازن : نختبئ ؟ ( بامتعاض )

العقيد أبو البركة : نعم وذلك مناسب لمهمتكم السرية .

 

( المشهد الخامس )

بيتر وهاشم: (بارتباك) ليس هناك شيء سري في مهمتنا سيدي قادتنا يعرفون مهمتنا جيداً

العقيد أبو البركة : أعرف قادتكم وأعرف ما تفعلونه هنا …

 

( المشهد السادس) مونولوج

مازن : نحن الناجون من الموت .. بصعوبة بالغة رغم الاختباء الاختياري نحن اللذين نحمل في أرواحنا جروحاً عميقة ولا يمكننا التخلص منها بسهولة. جثث هنا وهناك … وأنا القاتل والمقتول معاً .

أنا الجسد المتصدع والروح الهائمة في بقع الدم والأشلاء المتطايرة .. وتحت ضغط الإجبار والنهاية المفتوحة على حرب طويلة لا نهاية لها … جسدي مهووس بالألم يعشق الحمى والأنين لا أحد يعلم من هؤلاء الثلاثة شيء عن ما في داخلي أنا الأقدم هنا في هذا العش الفاخر وهذا الجالس هناك (يقصد العقيد) يشرب القهوة يأتيه الطعام ساخناً وربما يأكل على العشاء في نهاية الاسبوع قطعة من السالمون المشوي، ونحن نأكل الأفاعي والجرذان المشوية، ينام على فراش ونحن نفترش الحصى وحصى الاسمنت، والأرق المدمن لأدمغتنا يفتك برؤوسنا

( صوت ريتا من بعيد ) : مازن .. مازن .. أيها المجند مازن .

(يتداخل صوته مع مونولوج أنا العاجز ورصاصته طائشة في الخفاء)

هي ملاذي !!

 

( المشهد السابع )

( يدخل مازن إلى مستوى الواقع مع المجموعة )

العقيد يركل بعض الحجارة بقدمه .

مازن : ينفخ بعدم ارتياح .

ريتا : هل من خدمة نستطيع تقديمها لكم سيدي

العقيد أبو البركة : ليس الآن ( بعصبية وتغير مزاج مفاجئ ) أريد أن أرتاح قليلاً ويهدأ القصف في الخارج. وسأخرج بعد أن … أشكركم على الضيافة (ينظر إلى الكوب الفارغ بامتعاض ويركله بقدمه) .

مازن : (يهمس لهاشم) لقد ضاق بنا المكان معه .. وأنت تعرف أني لا أطيق هؤلاء الضباط وأتمنى أن لا أرى أحدهم في حياتي

هاشم : ما بك يا رجل نحن في حرب ومن الطبيعي مخالطة الضباط .

مازن : منذ متى لم يتواصل معي ضابط الفصيل عماد منذ متى قل لي ؟؟

هاشم : نعم هذا ظرف استثنائي .. نحن فرقة خاصة قناصة فقدنا قائدنا ثم لم نسمع أو نرى هذا العماد أبداً .

مازن : أعرف أن مهمتنا سرية للغاية .. وهذا العميد موجود بيننا بالخطأ …وعليه مغادرة المكان بأقصى سرعة .

هاشم : لقد كرهت هذه المهمة التي لا تنتهي.

مازن : ستنتهي يوماً ما.. هدى نفسك.. سنرى آخرتها مع هذا الدب. وهذا الرجل يجب أن يخرج (يتهجم عليه من بعيد وهاشم يمسك به)

(على الجانب الآخر من المسرح ريتا تنظف السلاح الخاص بها صوت المذياع المشوش يصدح بالمكان)

مازن : يمكنني أن أتبعك سيدي لتغطية سيرك إلى الخارج حتى تصل لمكان أمن .

العقيد : نعم .. أيها الجندي .. هيا ..

( المشهد الثامن )

بيتر : لقد أوشك مازن على الجنون .

هاشم : كلنا أوشكنا على الجنون أو الهلاك .

بيتر : لكن ليس كمازن .. إنه لا ينام ليلاً ولا نهاراً . كأنه سمكة مفتوحة العينين دائماً وفي حركة دؤوبة يطوف المكان .

( يدخل في هذه اللحظة مازن هو يجر جثة )

مازن : ثقيل .. تقيل .. مات ومازال ثقيلاً كروحه ثقيلة الدم . ( يركلها )

هاشم : الجثث عادة تصبح أثقل وزناً من الأحياء. من هذا ؟

ريتا : جثة من هذا ؟ قل لي

(يقتربان فيجدانه العقيد ( أبو البركة ))

ريتا : تبأ لك يا مازن قتلت الرجل الذي كان للتو يشرب القهوة معنا !!؟

مازن : سيشرب فوقها الماء في الجحيم .

بيتر : قتلته

مازن : نعم قتلته .. قتلت عجرفته البغيضة .. وسأنتزع منه كل نياشينه ورتبه العسكرية .. فهي من حقي أنا ..

ريتا : لقد جن الرجل ورب الكعبة

( مازن يركله بقوة ويبدأ بحفر قبر للعقيد أبو البركة )

مازن : هذا وأمثاله سبب كل ما نحن فيه..من مأساة وغربة وخراب (بكراهية) يبصق فوق الجثة

ريتا : ماذا لو علمت القيادة إنك قتلته؟

مازن : المكان الخاطئ يجعل روحك منطفئة .. باهتة؟ ماذا يمكنهم عمله؟ سيعلقوننا على المشانق؟ لا يهم نحن موتى أحياء

هاشم: (بلامبالاة)  العقيد أبو البركة . ذهب مع الريح Gone with the wind

ريتا : أنت أيضاً كنت شريكه؟ هاشم يرفع كتفيه نافياً التهمة …

مازن : وهذه ساحة معركتنا .. هنا ونحن المنتصرون أما هذا المتعجرف فهو نكرة ومهزوم. الغاطس حتى أنفه بمغامرات عاطفية مع الجثث تركنا هو وأمثاله نأكل الحصى … أنه يستحق الموت

مازن: (يفتش جيوب العقيد أبو البركة ويستولي على كل متعلقاته وبالأخص رتبته العسكرية) .

 

( المشهد التاسع )

( مونولوج )

( مازن يمسك كل متعلقات العقيد أبو البركة ويضحك بهستيريا غاضبة ويضع رتبة ونياشين العقيد على بزته العسكرية )

مازن : خَلصَتْ ساحة الميدان من أحد مكونات هذه الحرب اللعينة وستدفن يا أبو البركة دون جنازة عسكرية تليق بمكانتك وسيعده قادة الجيش من المفقودين وسيصلى عليه صلاة الغائب كل من المفقودين سنة عند نصب الجندي المجهول لأنه كان لا يستحق الحياة ساعة أخرى واحدة .. على الأقل خلصت البلدة من واحد من الأعداء برصاصة واحدة فقط

( يلتفت إلى الوراء )

أما هذا اللعين المدفون فهو بلا شك أحد مسببات الحرب التي لم تنتهي منذ خمس سنوات لقد أخبرونا في البيان العسكري الأول أن الحرب ستمتد كأقصى حد شهرين من الزمان ولكننا إلى هذه اللحظة في اليوم 1825 لأجل ماذا لأجل مزيد من الهيمنة والاستحواذ وشهوة النفوذ

 

( المشهد العاشر )

( صوت الرصاص والمدافع في الخارج وأصوات صراخ الأمهات وبكاء الأطفال في رأسه يصم أذانه عند سماع هذا الصوت الذي هو في الحقيقة داخل عقله وليس في الواقع .. )

مازن : لن أتوانى عن صفع هؤلاء وقتلهم والاستيلاء على رتبهم العسكرية .. لأنني أنا ورفاقي اللذين نستحق هذه النياشين ولأننا نحن أداة الحرب وضحاياها ..

 

( المشهد الحادي عشر )

بيتر : سأنتقل إلى مكان آخر .. لأن عدونا الكبير هذا .

هاشم : يعد واحد .. اثنان .. ثلاثة .. أربعة ..

بيتر : تشويش تفكيري .. ويشعرني بالرعب ..

هاشم : الرعب من ماذا ؟

ريتا : لا يمكنك اتخاذ قرار بمفردك .. لن أسمح لك بذلك .

هاشم : ألم تعتد على الرعب بعد؟ حتى كاد أن يكون كوجبة الشوربة الدافئة في ليال الشتاء ؟

بيتر: (بتهكم) تبدو جائعاً يا صغيري .

هاشم: (بحزن) لا لست جائعاً وإنما اشتقت إلى حضن أمي … وعائلتي .

بيتر : (يقلد الأم وهي تحمل صغيرها) أو يقلد الحضن الدافئ لأمه .

هاشم : منذ زمن طويل لم نتلقى أي خبر منهم .. ( بحزن ) .

بيتر : يا رجل المنطقة .. بأكملها مقطوعة عن العالم كأننا في كوكب آخر خارج المجرة .. فجميع سكانها قد هجروها .

ريتا : بل طردوا منها .. أيها المساكين التعساء حرب لعينة ضحاياها من المدنيين أكثر من ضحاياها من العسكر . ( تغضب )

( يدخل مازن هو يجر جثة أخرى )

ريتا : جثة أخرى يا مازن بحق السماء … ؟

مازن : نعم كلما حالفني الحظ ساتي لكم بجثة (يضحك) صيد ثمين … وغنمية جثة متعفنة الروح من الداخل كهذه .. ستدخل القبر ويتعفن الجسد أكثر …وأكثر …

بيتر : أنت جبان يا مازن .

مازن : جبان نعم .. جبان .. كلنا جبناء كالجرذان لذلك نختبئ وراء ثقوب الجدران .. فلماذا أكون شجاعاً في حرب عبثية كلها جحود ونكران .

بيتر : سجع جميل يا فتى ( يضحكان ) .

مازن : (يدب قدميه في الأرض) لذلك نحن القادة هنا في هذا المكان الموحش الذي يشبه العالم في قرننا الواحد والعشرين قرن افتعال الحروب … لكي يبيعوا الأسلحة .

هاشم : دعني أساعدك .

يجران الجثة إلى الداخل أكثر

 

( المشهد الثاني عشر )

(في هجعة الليل وفي صمته الرهيب بعد منتصف هذه الليلة الثلاثة الآخرون نائمون.. إلا مازن يقظ أو شبه نائم ويحلم) .

 

( المشهد الثالث عشر )

في كابوس يجمع مازن مع العقيد أبو البركة والنقيب سمحان (الضحية الثانية) يجثم مازن على ركبتيه في مجلس يشبه (البرزخ)

يلبس الضابطان رداء أبيضاً مبقعاً بألوان قائمة تشبه الذنوب والأثام

وبعض بقع الدم كدلالة على ضحايا الحرب الأبرياء

العقيد أبو البركة : تجردنا من رتبتنا العسكرية يا هذا اللعين؟ وتبدو عليه ملامح الموتي

النقيب سمحان : وجررتنا كالقطط على رمل الساحة .

العقيد أبو البركة : ودفنتنا بصمت ؟

مازن : ودون موكب عسكري …؟

العقيد أبو البركة : دون جنازة عسكرية ؟

مازن : دون جنازة عسكرية نعم !

النقيب سمحان : تليق بانتصاراتنا على الأقل ؟

مازن : تباً لانتصاراتكم .. وسحقاً لنياشينكم

العقيد أبو البركة : صه صه أصمت أيها الجربوع .. إنك صعلوك بلا قيمة .

مازن : لقد حققت انتصارات أكثر منكما أنتما الجوز أين كنتما حينما قصفت هذه المدينة دون رحمة منذ سنتين ؟

( تبادلا الأمكنة ) أصبحا هما المتهمان وهو المحاسب

النقيب سمحان : لقد كنا نحارب في الجبهة .

مازن : وبدلاً من قتل الأعداء على الطرف الآخر كنتم قد تركتم الأعداء يقصف الأبرياء . أو ربما كنتم أنتم من تقصفونهم ؟

العقيد أبو البركة : وماذا كنت تريد أن نفعل؟ سلاح المدفعية لا يفرق بين صاحب أو عدو

مازن : (بسخرية) نعم هذه هي المعضلة.. قصف عشوائي وغير مدروس لأهداف تخمينية يمكن أن تصيب أو تخيب والضحية هم النساء والأطفال .. يصرخ والشيوخ ؟

( أصوات أطفال يبكون وشيوخ ونساء تصرخ وتبكي هلعاً )

النقيب سمحان : وكيف تردينا أن نهزم العدو ؟

مازن : إذن تحاربونهم وهم يختبئون بين الناس .. ؟ (يطلق عليهم الرصاص)

 

( المشهد الرابع عشر )

هاشم : لماذا يتركوننا دون طعام أو إمداد كل هذه الفترة؟ لقد بدأ الرصاص ينفذ، ثم أن الجوع بلغ مبلغاً فلم أعد أحتمل أن أكل وجبة واحدة يومياً. سئمت من الشاي والخبز المحمص وعلب التونة .

ريتا : أجهز سلاحاً أبيضاً تحسباً لأي طارئ .

بيتر : سلاحاً أبيض؟ في حرب يستخدم فيها الأسلحة المحرمة دولياً .

هاشم : أسلحة فتاكة لا ينجو منها أحد ؟

ريتا : مازالت الأسلحة البيضاء البدائية أداة للدفاع عن النفس في أوقات الأزمات ونحن الآن على وشك نفاذ الرصاص كما ترى .. ونفاذ المؤونة أوشك. إننا نعيش أحلك ظروف أكثر من سلاح فتاك موجود في الجيش. فقد أوصلوا لنا آخر مرة عتاداً ومؤونة

بيتر : كانت قبل أسبوعين أليس كذلك؟ فهل يا ترى قد انتهت الحرب دون أن يعلمونا ؟؟ وانسحبوا وتركون هنا مع الجوع .. ونقص العتاد ؟

شبح يظهر في هذه اللحظة يربك الجميع

هاشم : ( تبدو عليه ملامح الرعب )

بيتر : من .. من أنت .. من هذا الذي يقف هناك

مازن : ( يحمل في يديه بعض الحاجيات) إننا نعيش في هذا القبر الكبير لوحدنا .. يبدو أن واحداً من هؤلاء الأوغاد زارنا من عالم البرزخ …

بيتر : أي قبر يا هذا ” لنا شفيع عند الأب يسوع المسيح ” ( يصلي كالنصارى )

ريتا : إش إش .. أصمتا واجلسا .. يبدو أنكما مصابان بهلاوس الجوع والعطش

هاشم : نعم .. نعم الجوع والعطش .. هلاوس .

بيتر : يبدو عليه أنه يبكي بصمت . ( صوت بكاء خفيف )

مازن : لقد أتيت لكم .. بدجاجتين وبيضة واحدة .

يضحكون على هذه النكتة !!

 

( المشهد الخامس عشر )

(في ليلة هادئة ينام هاشم ويظل مازن مستيقظاً وريتا تستمع إلى المذياع ذو الموجات المشوشة ولكنه صوت يؤنس وحشة المكان وسكون الليل) .

مازن : ( يعد النياشين .. ويعلق كل نيشان على حدة في كل مرة) ريتا أتليق بى رتبة الجنرال يا ريتا ؟

ريتا : بما أنك لم تقل هذا الجنرال التعس .. فرتبة الجنرال لا تليق بك .

مازن : ماذا لو حالفني الحظ المرة القادمة ووجدت جنرالاً عابراً . ومعه الكثير من الطعام .

ريتا : أو ساقطاً من السماء ( تضحك ) … الجنرال عادة لا يمشي وحده دون حراسة يا هذا …

مازن : نعم إنه يحتمي بجنده والعربة المصفحة اللعينة .

ريتا : ونمشي نحن تحت خط النار وتحت القصف تحفنا الطائرات …طائرات العدو

مازن : ونترك دون رعاية أو أوامر عليا .

( صوت إطلاق نار كثيف أو قذيفة وصرخة من بعيد ) .

يستيقظ هاشم مفزوعاً من قوة الصوت .

هاشم : من الذي مات ؟

مازن : لا أحد يبدو أنك حلمت أنك في سريرك في حضن زوجتك

هاشم : آه . نعم .. هذا الحلم لا يبرح منامي كل ليلة .؟

ريتا : يبدو أنها أحلام يقظة نائمة

( يضحكون )

 

( المشهد السادس عشر )

( يدخل بيتر وهو مضرج بدمائه وقد بترت ساقه أو يده، يصرخ من الألم. يستقبله الثلاثة)

بيتر : آه يدي .. يدي لقد بترت يدي .

يقوم الآخرون بالمساعدة

( المشهد السابع عشر )

(بيتر يئن من الألم والحمى فاقداً الوعي، وريتا وهي تحاول أن تعثر له على علاج في الأمتعة الكثيرة ولكنها لا تجد شيئاً)

مازن : سيموت الرجل إذا لم نسعفه بالطريقة الصحيحة أحاول أن أتصل بالقادة .. لكن لا أجد جواباً منهم …

ريتا: ( صامتة )

( بيتر يئن من الحمى )

لن يموت بيتر وإنما من نتانة هذا المكان

رائحة المكان هنا .. مميتة

مازن : ألم أقل أننا يجب أن نعثر على مكان آخر وننتقل من مكان إلى مكان يبدو أنهم كشفونا ولن نلبث حتى تهجم علينا الشرطة العسكرية ويقتلوننا أو تقتلني أنا ( يتوتر ) .

ريتا : أو أن نقتل تحت القصف كالسحالي .

 

( المشهد الثامن عشر )

في الخلفية مازن يحضر ( خيال الظل ) قبراً جديداً ويلتقط النياشين كل مرة ويلبسها ويتضخم طوله دلالة على وهم ارتقاء في الرتب العسكرية فمخيلاته المريضة تصور له ذلك !!

أكرهكم .. أكرهكم اذهب أنت إلى الجحيم ونياشينك التي تعلقها فوق كتفيك نحن اللذين دفعنا ثمنها من أرواحنا وأنتم تحصلون عليها بسهولة كي تتباهوا بها خلال المواكب العسكرية ويخلدكم التاريخ ونحن نسقط بين السطور وينسانا الرأي العام .. ولا يبقى سوى شاهد القبر يحمل أسمائنا المنسية !!

ريتا : (تصرخ وقد توفى بيتر متأثراً بجراحه) بيتر … بيتر

مازن ينهار جاثياً على ركبتيه .

 

( المشهد التاسع عشر )

( حلم مازن بثلاثة ضباط ومحكمة عسكرية )

الضابط الأول : أعرف بماذا يمتلئ عقلك من خرافات ….

الضابط الثاني : إنه مليء بالخطرفة والهلاوس .. واشتهاء ارتقاء السلم العسكري .

الضابط الثالث : في عقلك وجيوبك .. كلها نياشين عسكرية ونجوم تخبئها في سروالك .

الضابط الأول : ملأت المكان بجثث ضباطك .

مازن : لم أقتل ضباطي قط .

الضابط الثاني : العقيد أبو البركة .. النقيب سمحان .. الملازم عامر

الضابط الأول : يستحقون الموت لقد قادوا جنودهم لحرب عبثية .. لا نعرف من المنتصر فيها ومن المهزوم .

الضابط الثالث : هذا ليس من شأنك

الضابط الثاني : إنها قرارات القيادة العليا .

الضابط الأول : إنها أوامر لسيادتك وأسيادنا .

مازن : وكنا نحن الضحايا .. أجبرنا على القتال وعلى العيش دون عتاد أو طعام تارة نقتل أعدائنا وتارة نقتل أخوتنا .

الضابط الثالث : أنت أحمق وأعمى من قال تقنص في الليل ؟

مازن : لدي أوامر أن أحمي المنطقة دون مارة .

الضابط الثاني : لكنهم لم يقولوا لك اقتل قادتك .. أيها الأخرق

مازن : الأخرق أنت .. وأنت .. وأنت (يطلق الرصاص على السقف كأنه يوجه الرصاص إلى الضباط الثلاثة)

 

( المشهد العشرون )

ريتا: هاشم مختفي منذ البارحة.. لقد صدم من وفاة بيتر.. لقد كانا صديقين منذ الطفولة وزميلا مدرسة واحدة حتى الثانوية .

مازن : كلنا من مدينة واحدة وأحياء متقاربة لكننا جيل واحد… تشاركنا الآمال والخيبات وسنوات الاقتصاديات المنهارة وغلاء الأسعار والتضخم والأزمات السياسية.

من كان يصدق أن بيتر العبقري خارق الذكاء قد رحل دون رجعة، الذي كان يطمح أن يكون مهندساً كيميائياً أن يموت هذه الميتة القاسية حينما كان في الإعدادية كان قد صمم صاروخاً متعدد الرؤوس في رسمة مضحكة لكنها مفهومة .. مزقها مدرس العلوم لأنه خشي عليه أن يعتقل هو ووالده وجيرانه .

( ريتا توقد ناراً من الخشب وتتدفاً )

مازن : وهاشم الذي كان يعشق السيارات الرياضية ويعشق الرسم عليها لقد كانت له شعبيته بين هواة السيارات الرياضية، كان مهووساً بالرسم ولكنه استدعي للحرب .. ثم يهرب دون وداع أو حتى رسالة؟ نحن الآن بمثابة رتبة واحدة لدي نياشين كثيرة كلها أعلى منك رتبة وأنا القائد الآن منذ هذه اللحظة. أمرك بالخروج من هذت المكان هيا استعدي

 

( المشهد الواحد العشرون )

(ريتا ومازن في خندق واحد في منطقة منعزلة بعيداً عن المنزل الذي كانوا فيه..يبدأن في الرد على الرصاص الآتي من الجانب الآخر)

مازن : من يتحمل مسؤولية هذه الحرب ! ووجودنا هنا دون تغطية؟ ها من؟ قالوا لنا مجرد شهرين .. وها نحن تجاوزنا في السنة الخامسة دون نهاية مؤكدة !!

ريتا : انتبه .. انتبه

صوت المذياع في هذه اللقطة ( موسيقى البيان العسكري )

أيها السادة .. أيها الاخوة والأخوات يا شعبنا الأبي الشجاع أقرأ عليكم

البيان العسكري من القيادة العليا للقوات المسلحة .

في هذا اليوم .. بعد اليوم الألف والثمانمائة وخمسة وعشرون تعلن القيادة

العليا لشؤون الحرب .

انتهاء كافة المعارك

مازن : لا لم تنته .. لم تخلص بعد .. لم نأخذ ثارنا . مات بيتر بسببكم .. ومات قبله آلاف الشباب من الوطن

صوت يختلط بصوت نشرة الأخبار ( البيان العسكري )

المذيع يعيد قراءة البيان العسكري ثانية

وعودة الحياة إلى سابق عهدها في وطننا الحبيب ونعلن انسحاب قواتنا من كل المواقع العسكرية بحسب الأعراف الدولية .

مازن : لم تنتهي الحرب بعد .

ريتا: ( بسعادة ) مازن … مازن اهدأ لقد انتهت الحرب سنعود على مدينتنا ونلتقي بالأحباب .

في هذه اللحظة تتداخل أصوات ( تسجيل أرشيفي ) يعلمنا التاريخ أن الحروب تبدأ عندما تعتقد الحكومات أن ثمن العدوان رخيص .

ثم أحلام مستغانمي ( لا أعرف أمة غير العرب تكفلت بتحقيق أمنيات أعدائها وخاضت الحروب نيابة عنهم )

مازن : أعطني المال الذي تم انفاقه في كل الحروب وسوف أكسو كل طفل في العالم بملابسهم التي يفتخرون بها ويتباهون وأطعم كل جائع فقير من موائد كافيار بيلوغا والكمأ الأبيض وسرطان البحر (يقف قبالة الجمهور وهو شامخ) أنا الذي سأنهي الحرب بطريقتي الخاصة وليس أنتم بل أنا .. أنا ( يصرخ ) .

( ريتا تقف بعيدة تنظر إليه شفقة عليه )

تطلق رصاصة قناص من بعيد من جهة مجهولة لترديه قتيلاً فيسقط مازن ميتاً .

تصرخ ريتا : لا ليست هذه المناسبة لك يا مازن . ( تبكي )

إظــــــــــــــــلام

 

النهايـــــــــــــــــــــــــة

* د. نوره العتال / ديسمبر 2022

Related Articles

Back to top button