مقالات

تجليات الأسطورة والواقع في مسرحية “حديقة الهسبريدس”/ د. محمد علي ابراهيم الاسدي

مسرحية “حديقة الهسبريدس” من إخراج الإسبانية أليسيا سوتو، حيث قدم العمل المسرحي بالتعاون المشترك بين المغرب وإسبانيا، وقد قُدمت في عدة دول منها إسبانيا، البرتغال، المغرب، وتونس، قبل أن تصل إلى مهرجان بغداد الدولي للمسرح الدورة السادسة، عرضت على خشبة مسرح الرشيد يوم السبت الموافق 2025/10/11 ، وامتزج الحوار بين اللغتين الاسبانية والعربية “المغربية”.
المسرحية بصورتها الشمولية هي رحلة آسرة في عوالم النساء، تستلهم أسطورة الحوريات الإغريقيات اللواتي كنّ يحرسن التفاح الذهبي في حديقة خيالية. لكن العرض لا يكتفي بالأسطورة، بل يعيد توظيفها بشكل معاصر ليطرح قضايا إنسانية وجمالية تتعلق بالمرأة.
تُعد مسرحية “حديقة الهسبريدس” نموذجًا فنيًا لتفاعل الأسطورة مع الواقع، حيث يُعاد توظيف الميثولوجيا الإغريقية في سياق معاصر لتشكل صورة ثقافية انعكاسية لقضايا المرأة، الجسد، والحرية.
بالتالي تفتح المشاهد الصورية للمسرحية باب التفاعل الرمزي والثقاقي للربط بين الحوريات الأسطوريات والمرأة المعاصرة، وإن البحث عن الخلود للمرأة يكمن في معرفة الذات والقيمة الاجتماعية للمرأة وليست تلك التفاحة الذهبية الاسطورية.
فالمرأة المعاصرة هي تلك صورة الإنعكاسية لتلك الحوريات في الاسطورة، إذ مثلن صوراً ذات دلالات بلاغية ودرامية لمعنى الأنوثة بحيث يتحول فعل حراسة التفاحة الذهبة في الاسطورة لفعل حراسة مفهوم الأنوثة في الواقع فهي تحرس الذاكرة، الجسد، والهوية، وان مفهوم الخلود والمعرفة في الاسطورة يتحلول لمفهوم الحرية أو الفتنة حتى السلطة المعرفية بوصفها تأويلاً.
كفضاء درامي تتجلى تمثلات الاسطورية لمعنى الحديقة المغلقة بوصفها فضاءً نفسيًا داخليًا تجتمع فيها الشخصيات فهي امتداد بين الاسطورة كفضاء مغلق وبين الواقع المعبر عن ذات الشخصيات، بذلك أصبحت المرأة المعاصرة في مرآة الأسطورة
بذلك العرض يُظهر كيف تعيش الأساطير في الواقع من خلال الصور النمطية أو التطلعات المعاصرة في مواجهة القيود الاجتماعية عن طريق تحول الحوريات لنساء في الواقع المعاصر.

كما أصبح الجسد كوسيلة للتعبير عن الصراع الداخلي، الانعتاق، والهوية واستخدم أداء الجسد عبر الرقصات المعاصرة لتجسيدها ليتشكل بذلك نصًا حيًا ينطق بما لا يُقال في ذات الشخصيات بذلك أصبحت لغة بديلة تتجاوز الكلمات، وتُعيد تشكيل الأسطورة في الجسد لتعكس عن البيئة الواقعية للمجتمع، المدرسة، أو البيت بوصفها حديقة لواقع الاجتماعي.
في الخاتم تمكنت مسرحية “حديقة الهسبريدس” أن تعيد تشكيل الأسطورة لتصبح أداة نقدية للواقع، وتفتح بابًا لتأويلات متعددة تربط بين الماضي الراهن وبين الرمز والتجربة، وبين الجمال والحرية، بذلك شكلت دعوة لفهم صورة تعيش الأساطير فينا، وكيف يمكن للفن أن يُعيد توظيفها لتفكيك الواقع أو تجاوزه.

* د. محمد علي ابراهيم الاسدي/ناقد مسرحي ـ العراق

Related Articles

Back to top button