اصداراتمنشورات

المسرح العراقي في ظل الاحتلال من 2003 – 2011 ” الرثاء .. الوطن .. الهوية”

عنوان بارز، لكتاب نوعي، يصدر قريباً، في شهر ديسمبر 2025 ـــ عن دار نشر جامعة أيوا Iowa الأمريكية، وهو أول كتاب عن المسرح العراقي باللغة الإنجليزية. من تأليف : الدكتور عامر الأزرقي والدكتور جيمس الشمة.

Iowa

University of Iowa Press

119 W Park Rd

100 Kuhl House

Iowa City, Iowa 52242

319-335-2000

تم اختيار لوحة غلاف الكتاب، من أعمال للفنان العراقي (سامي حقي) ضمن اعماله في (المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة) .

 

لا يتوفر وصف.

 

ورد في مقدمة الكتاب :

 منذ نشأته في مدينة الموصل أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط المسرح العراقي بمشروع طوباوي؛ إذ رأى العراقيون أنفسهم ورثة حضارة وادي الرافدين، واستعاد الكُتّاب والمخرجون رموز التاريخ والأساطير ليصوغوا من خلالها رؤى لمستقبل متخيل أكثر عدلاً وكرامة. لكن الغزو الأمريكي عام 2003 شكّل نقطة انعطاف حادة؛ إذ انتقل المسرح من خطاب اليوتوبيا إلى خطاب الرثاء. تفككت الدولة، اندلعت الصراعات الطائفية، وامتلأت وسائل الإعلام العالمية بصور التعذيب من سجن أبو غريب، فتحوّل المسرح العراقي إلى مرآة تعكس فقدان الوطن وتصدع الهوية.

في هذا السياق صدر كتاب جيمس الشمة وعامر الأزرقي المسرح العراقي تحت الاحتلال (2003–2011): الرثاء، الوطن، الهوية، وهو أول مؤلَّف باللغة الإنجليزية مكرّس لدراسة المسرح العراقي خلال فترة الاحتلال. يقدم المؤلفان أطروحة مفادها أن المسرح لم يكن مجرد أداة فنية، بل خطاب ثقافي– سياسي يعالج صدمة الاحتلال، ويعيد التفاوض على مفهومي الوطن والهوية عبر الرثاء والهجاء.

 

محتوى الكتاب :

الفصل الأول: الوطن والهوية والرثاء

يفتتح الكتاب بتحليل ثلاثية الوطن، الهوية، والرثاء. يستند المؤلفان إلى الإرث الرافديني بوصفه مرجعية رمزية، ويستحضران طقوس عاشوراء كنموذج للرثاء الجمعي، كما يوظفان نظريات علي الوردي وإبراهيم الحيدري لتفكيك “الشخصية العراقية” التي تذبذبت بين عقلية الحرب والخوف الجماعي.

هنا تتبدى الهوية العراقية بوصفها متشظية بين الطائفة والدولة، بين الماضي الأسطوري والحاضر المأزوم، فيما يتحول الرثاء إلى أداة مزدوجة: تعبير عن الخسارة، ومقاومة رمزية للانهيار.

الفصل الثاني ( فشل المشروع الوطني)

وقد رُكّز فيه على مسرحيات مثل :

ــ عشتار في بغداد: حيث تهبط الآلهة إلى مدينة مدمرة لتعكس انقطاع العراقيين عن إرثهم الحضاري.

ـــ حمّام بغدادي، التي توثق انهيار البنية الأسرية تحت ضغط الحروب.

ــ روميو وجولييت في بغداد، حيث تتحول مأساة الحب الشكسبيرية إلى رمز للتفتت الطائفي.

هذه الأعمال تكشف أن المشروع الوطني العراقي قد فشل في بلورة سردية موحّدة، وأن الهوية الجمعية تفككت أمام عنف الاحتلال والطائفية.

الفصل الثالث: (الإرهاب والجسد المستباح)

هنا ينتقل المؤلّفين إلى تحليل خطاب الإرهاب بوصفه شكلاً آخر من أشكال تمزق الهوية:

ــــ في أمراء الجحيم، يُصوَّر المجند العراقي الذي ينقلب إلى انتحاري كنتاج لانهيار اجتماعي ونفسي.

ــــ في العرس الوحشي، يتحول اغتصاب المرأة العراقية إلى استعارة لانتهاك جسد الوطن نفسه.

هنا تبرز الأزمة الجندرية: المرأة لم تعد مجرد ضحية، بل رمزًا لانكسار كرامة الأمة، ما يكشف عمق الارتباك بين الشرف والهوية الذكورية في عراق ما بعد 2003.

الفصل الرابع: (السخرية والمقاومة الرمزية)

يستعرض هذا الفصل المسرحيات الساخرة مثل:

• مطر صيف، حيث تتحول الأرملة إلى شخصية عبثية تكشف مأساة الحرب.

• نساء لوركا، التي تستحضر تراث لوركا النسوي لفضح حصار النساء العراقيات.

• جيب الملك جيبه!، التي تتهكم على فساد السلطة الجديدة.

هنا تصبح الكوميديا السوداء أداة للفضح والمقاومة، إذ تكسر جدار الصمت واليأس وتسمح للجمهور بالضحك المرّ على عبثية الواقع

 

الخاتمة: الطقوس الأفرو–عراقية

يختتم الكتاب بتحليل الطقوس الأفرو–عراقية في البصرة، حيث تتداخل الجذور الإفريقية مع التراث الإسلامي المحلي في فضاء روحي–جماعي. يرى المؤلفان أنّ هذه الطقوس تقدّم هوية بديلة، تعزز الروابط المجتمعية وتعيد تشكيل معنى الوطن بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والطائفي.

 

القراءة النقدية وأهمية الكتاب

1. أطروحة الرثاء: يكشف الكتاب أن الرثاء ليس مجرد انفعال جمالي، بل خطاب ثقافي–سياسي يتيح إعادة بناء الهوية من خلال الاعتراف بالخسارة.

2. الجسر بين الفن والسياسة: الدراسة تربط بين المسرح والسياسة الدولية، لتظهر أن النصوص المسرحية كانت رد فعل مباشر على الاحتلال، كما أشار الناقد إدوارد زيتَر في وصفه للكتاب بأنه “إنجاز كبير وقراءة ضرورية”.

3. الفرادة: هو أول كتاب بالإنجليزية يقدم هذه الرؤية الشاملة، مما يمنحه مكانة مرجعية في الدراسات المسرحية والشرق أوسطية.

4. المساهمة النظرية: يضع المؤلفان المسرح العراقي ضمن إطار ما بعد الكولونيالية رابطين بين الاستشراق والاستغراب في تشكيل الهوية الوطنية.

 

خاتمة مهمة

يمثل كتاب المسرح العراقي تحت الاحتلال شهادة نقدية على مرحلة مأساوية من تاريخ العراق، ويفتح في الوقت ذاته أفقًا لفهم كيف يمكن للفنون أن تتحول إلى أرشيف للذاكرة ومختبر للهوية. من خلال استدعاء الرثاء والهجاء والطقوس، يكشف المؤلفان أن المسرح لم يكن مجرد وسيلة ترفيهية، بل فضاء لإعادة تخيّل الوطن الممزق ومساءلة حاضر العراق ومستقبله.

منذ أن ولد المسرح العراقي في الموصل أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط بخيال طوباوي يرى في العراق امتدادًا لحضارة وادي الرافدين. كانت الخشبة آنذاك مرآة للحلم بمستقبل أكثر عدلًا وكرامة، واستعاد الكتّاب رموز التاريخ والأساطير ليصوغو منها مشروعًا للأمة. لكن هذه اليوتوبيا لم تدم طويلًا. ففي عام 2003 قلب الغزو الأمريكي كل شيء رأسًا على عقب. سقطت الدولة في دوامة من العنف الطائفي، وظهرت صور التعذيب في سجن أبو غريب لتكشف للعالم انهيار الكرامة الوطنية. عندها لم يعد المسرح مساحة للحلم، بل صار فضاءً للرثاء، يعكس ضياع الوطن وتشظي الهوية.

في هذا السياق جاء كتاب جيمس الشمة وعامر الأزرقي المسرح العراقي تحت الاحتلال (2003–2011): الرثاء، الوطن، الهوية. وهو أول كتاب باللغة الإنجليزية يكرّس دراسة معمقة لهذه المرحلة، ليؤكد أن المسرح لم يكن مجرد أداة للتسلية أو الفن، بل خطابًا ثقافيًا وسياسيًا يواجه صدمة الاحتلال، ويحاول أن يعيد التفاوض على معنى الوطن والهوية عبر الرثاء والسخرية والهجاء.

الكتاب يفتتح رحلته بتحليل ثلاثية أساسية: الوطن، الهوية، والرثاء. يستعيد المؤلفان الإرث الرافديني بوصفه رمزًا مؤسسًا، ويقارنانه بطقوس عاشوراء التي شكّلت نموذجًا للرثاء الجمعي. ويستحضران نظريات علي الوردي وإبراهيم الحيدري في قراءة الشخصية العراقية، تلك الشخصية التي تذبذبت بين عقلية الحرب وهاجس الخوف الجماعي. النتيجة أن الهوية العراقية ظهرت متشظية، ممزقة بين الطائفة والدولة، بين الماضي الأسطوري والواقع المأزوم. وهكذا صار الرثاء فعلًا مزدوجًا: مرآة للخسارة وأداة للمقاومة في آن واحد.

ثم ينتقل المؤلفان إلى مسرحيات تكشف فشل المشروع الوطني. في عشتار في بغداد تهبط الآلهة لتجد مدينة لا تعرف أبناءها إرثها، وفي حمّام بغدادي يوثق جواد الأسدي انهيار الأسرة تحت ضغط الحروب. أما روميو وجولييت في بغداد فتعيد المأساة الشكسبيرية إلى قلب الانقسام الطائفي، حيث يصبح الحب المستحيل استعارة عن وطن لا يجد ما يوحّده. هذه النصوص جميعًا تصرخ أن المشروع الوطني قد انهار، وأن الهوية الجماعية تفتتت في زمن الاحتلال.

لكن الانهيار لم يقف عند حدود السياسة والمجتمع، بل امتد إلى الجسد نفسه. في أمراء الجحيم يُصوَّر الانتحاري العراقي كنتاج مباشر لانهيار اجتماعي ونفسي طويل الأمد، وفي العرس الوحشي يتحول اغتصاب المرأة العراقية إلى رمز لانتهاك جسد الوطن بأسره. هنا تخرج الهوية الجندرية إلى السطح: المرأة ليست مجرد ضحية حرب، بل علامة على كرامة مهدورة وهوية وطنية مكسورة.

ولأن المأساة وحدها لا تكفي، لجأ المسرحيون إلى السخرية والهجاء. في مطر صيف تتحول الأرملة إلى كائن عبثي يفضح مأساة الحرب. في نساء لوركا تُستدعى شخصيات لوركا النسائية لتعكس حصار النساء العراقيات، وفي جيب الملك جيبه! تنكشف مهازل الفساد السياسي الجديد. عبر الكوميديا السوداء وجد المسرح طريقًا للمقاومة، يضحك الجمهور ضحكًا مرًا على عبثية واقعه، لكنه يخرج من المسرح محمّلًا بإحساس عميق بضرورة المواجهة.

غير أن الكتاب لا يكتفي بهذه الصورة القاتمة، بل يختم بالحديث عن الطقوس الأفرو–عراقية في البصرة. هنا، وسط موسيقى الاستحواذ وذاكرة الأجداد، يجد مجتمع مهمّش طريقًا لصياغة هوية بديلة، تعزز الروابط وتعيد تعريف الوطن بعيدًا عن منطق الطائفة والسياسة. وكأن المؤلفين يقولان: حتى في قلب الخراب، ثمة فضاءات قادرة على إعادة اختراع الهوية.

أهمية الكتاب لا تكمن فقط في كونه أول دراسة بالإنجليزية عن المسرح العراقي في زمن الاحتلال، بل في أطروحته التي ترى الرثاء خطابًا سياسيًا وثقافيًا بقدر ما هو جمالي. لقد ربط الشمة والأزرقي بين الفن والسياسة الدولية، وأظهرا أن المسرح العراقي لم يكن على هامش الأحداث، بل كان ردًا مباشرًا عليها. وهذا ما جعل ناقدًا مثل إدوارد زيتَر يصف الكتاب بأنه “إنجاز كبير وقراءة ضرورية”.

إن فرادة الكتاب تكمن في أنه لا يقرأ المسرح كنصوص منعزلة، بل يضعه في قلب التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وهو بهذا يفتح أفقًا نظريًا واسعًا، إذ يضع المسرح العراقي ضمن إطار ما بعد الكولونيالية، رابطًا بين الاستشراق والاستغراب، وبين الخطاب المحلي والخطاب العالمي.

في النهاية، المسرح العراقي تحت الاحتلال ليس مجرد كتاب عن تاريخ المسرح، بل شهادة نقدية على مرحلة مأساوية من تاريخ العراق، وأفق لفهم كيف تتحول الفنون إلى أرشيف للذاكرة ومختبر للهوية. إنه يبيّن أن المسرح، حتى في أشد لحظات الانكسار، يظل مساحة لإعادة تخيّل الوطن، ولطرح أسئلة صعبة عن الحاضر والمستقبل.

Related Articles

Back to top button