مقالات

الهاربات.. ما بعد غودو/ ياسر بن أسلم  

قدّم عرض “الهاربات” ضمن العروض المنافسة لمهرجان المسرح العربي ال 16 بالقاهرة. كعملٍ جماعي تتشكّل رؤيته الإخراجية عبر الجسد، ويتحوّل الأداء الحركي إلى لغة الفضاء الأساسية. جاء العرض من تأليف وإخراج وسينوغرافيا وفاء الطبوبي، وأدّت أدواره ست شخصيات بلا أسماء، جسّدتها فاطمة بن سعيدان، منيرة الزكراوي، لبنى نعمان، صبرين عمر، أميمة البحري، إلى جانب أسامة الحنايني بوصفه الحضور الرجالي الوحيد.

هذا التوزيع يتجاوز البعد الشكلي، إذ تتحوّل الأجساد إلى حوامل مباشرة لتجربة اجتماعية واقتصادية كثيفة، يحمل كل ممثل أثر عمله وتاريخه وضغطه الخاص داخل حركة جماعية واحدة. على هذا الأساس، يتقدّم “الهاربات” كنتاج لفريق يدمج النص والأداء والتعبير الحركي داخل تجربة تُصاغ من التعب المشترك، وتتشكل عبر احتكاك متواصل مع فضاء يتغيّر باستمرار مع الحركة.

يفتتح عرض “الهاربات” مشهده الأول عند محطة بلا اسم ولا ملامح، يُشار إليها مرارًا كوعد بالذهاب إلى العمل، وبالعودة إلى اليومي المرهق، إلى الدورة التي تستهلك الجسد وتعيده في كل مرة إلى النقطة نفسها. وعندما يُطرح خيار المغادرة أو اعتبار اليوم إجازة غير مدفوعة الأجر، يتكوّن الشرخ الأول: قرار يقطع علاقة الشخصيات بالانتظار، من غير أن يفتح أفقًا واضحًا لما بعده.

هذا القرار يكشف هشاشة الوجود داخل نظام يحوّل الزمن إلى قيمة مالية، ويعامل الإنسان بوصفه رقمًا قابلًا للاستبدال. الخروج من المحطة لا يأتي فعل تمرّد صاخب، وإنما كاستجابة مباشرة لعنف اقتصادي يمارس هدوءه القاسي من دون أوامر أو تهديد. من هذه اللحظة تبدأ الحركة، غير أنّها حركة بلا انفراج؛ فالمغادرة لا تضمن وصولًا، وكل ما تحقّقه هو الانفصال عن الزمن الوظيفي ذاته. هكذا تتحوّل الخطوة الأولى خارج المحطة إلى بداية ضياع طويل.

تُشيِّد “الهاربات” لغتها الأساسية عبر الجسد، حيث يتحوّل التعبير الحركي إلى حوار فعلي، وإلى وسيلة لصياغة النص المسرحي ذاته. الحركة تسبق الكلمة، وتتحمّل عبء المعنى قبل أن يُنطق، فتصبح الأجساد المصدر الأول للإيقاع، ولتشكل الفضاء الذي يتبدّل مع كل انتقال.

كل توقّف مفاجئ، كل تسارع، وكل انهيار جسدي، يراكم طبقة دلالية جديدة، ويكشف تحوّل الزمن نفسه. ما كان متجمّدًا في لحظة الانتظار يبدأ بالانفلات، والفصول تمرّ من دون أن تترك أثرًا سوى المزيد من الاستنزاف. في هذا السياق، يظهر الرصيف كمسافة بلا وصول؛ ينتقل مع الشخصيات من موقع إلى آخر، من غير أن يقود إلى وجهة. الطريق يتمدّد أفقيًا، كأن المسار فقد قدرته على الانتهاء، وتحولت الحركة ذاتها إلى شكل آخر من أشكال التيه.

تأتي السينوغرافيا في “الهاربات” من داخل الجسد نفسه. الرصيف، الفراغ المشبع بالحركة، والاتجاهات المتبدّلة، جميعها تتشكّل بفعل الحركة الجماعية وتتغيّر معها. الأجساد ترسم المسارات، ثم تغلقها، ثم تعيد إنتاجها من جديد، فتغدو الخشبة مساحة غير مستقرة، تعكس ضياع الشخصيات أكثر مما توضّح موقعها. الجسد هنا هو البنية التي يقوم عليها المشهد، والوسيط الذي تنتقل عبره الفكرة من مستوى التجريد إلى الإحساس المباشر.

هذا الاعتماد الكثيف على التعبير الحركي يمنح العرض طاقته الأساسية، ويقود المتلقي إلى اختبار جسدي مباشر، حيث يتشكّل الإحساس أولًا، ثم يتبعه الفهم تدريجيًا. المعنى ينمو عبر تراكم الإشارات الحركية، وتكرارها، واحتكاك الأجساد داخل الفضاء، حتى يتحوّل الإرهاق نفسه إلى أداة إدراك. ومع الزمن، يتكوّن الوعي من الإصرار على الحركة رغم غياب الطريق الواضح، فيغدو الجسد ذاكرة حيّة تحفظ أثر القمع والعمل والهروب، وتعيد إنتاجه مع كل حركة جديدة.

مع امتداد الحركة، يتقدّم المطر كقوة تضاعف الإرباك وتكشف هشاشة الفضاء الذي تتحرّك داخله الهاربات. حضوره يفرض إيقاعًا ثقيلاً على الأجساد، ويعيد تشكيل علاقتها بالمكان. الطرق تُغلق، المقهى يبقى موصدًا، والعجوز تردّد التبرير نفسه في كل مرة: المطر. هذا التكرار يحوّل السبب العابر إلى حالة دائمة من الانسداد، حيث يتسرّب العجز إلى بنية المكان ذاته. المطر هنا يفضح ضعف البنية وغياب الحماية، ويضع الإنسان في مواجهة منظومة لا تملك سوى حلول مؤقتة تزيد من هشاشته.

الأكياس التي تلجأ إليها الهاربات لوضعها على الرؤوس تحت المطر، تكشف ضيق الخيارات أكثر مما تقدّم حماية. الجسد يدخل حالة تكيّف قسري مع الخطر، ويواصل الحركة ضمن شروط تزداد قسوة مع كل خطوة. المطر يراكم الأذى ويطيل مسار الإنهاك، ثم ينتهي، فيما يستمر الجسد في حمل أثره. بعد هذا الامتداد الطويل من التعب، يظهر النزف من إحدى الشخصيات كحصيلة متأخرة، علامة على ما خزّنه الجسد عبر سنوات العمل في المصنع، والتلوّث، والاستهلاك الصامت الذي سبق الهروب نفسه.

مع استمرار الهروب، تنكشف الطرق كمساحات خادعة. شوارع بلا علامات، ومسارات تنتهي فجأة. كل شخصية تتقدّم بحثًا عن اتجاهها، فيتحوّل السعي ذاته إلى امتداد للتيه. الحركة تتسارع، الأجساد تركض، والضوء يرسم احتمالات خروج سرعان ما تتبدّد.

في هذه اللحظة، ينفجر صوت الرصاص من جهات متعددة، ويطارد الأجساد في أقصى اندفاعها، كأن الحركة نفسها تجاوزت حدًّا مسموحًا. الإضاءة لا تقود إلى ممر، وتصنع نهايات متجاورة، جميعها تنتهي عند الجدار ذاته. يظهر الجدار طويلًا ونهائيًا، حاضرًا كخاتمة مادية لكل المسارات السابقة. هنا يصل الطريق إلى شكله الأخير: كتلة صمّاء توقف الحركة وتحول الهروب إلى اصطدام مباشر مع الحدّ.

يتكرّر ظهور لوحة STOP في العرض بين مشهد وآخر، تهبط من الأعلى وتفرض حضورها على الحركة من غير أن توقف اندفاعها. العلامة المرورية المعروفة تنتقل إلى فضاء إنساني أوسع، حيث يتحوّل دورها من تنظيم السير إلى إعلان انسداد الطريق. كل ظهور لها يأتي عقب حركة ومحاولة تقدّم، كإشارة صارمة تذكّر بأن المسار المفتوح ظاهريًا يحمل في داخله حدّه النهائي.

مع تكرار ظهور اللوحة، يتبدّل معناها تدريجيًا. في البداية تُقرأ كإشارة تحذير، ثم تتحوّل إلى حدّ فاصل، وبعدها تغدو رمزًا لنظام يضع القوانين ثم يترك الأجساد تواجه نتائجها وحدها. في المشهد الأخير، تهبط لوحة STOP خلف الهاربات. الجمهور في مواجهتهن، والعلامة خلفهن. الجسد في المنتصف. تضرب الأقدام الأرض بإيقاع واحد. يرتفع الصوت جماعيًا: نحن القانون.

العبارة تُقال كاستعادة مؤقتة للسيادة داخل فضاء صادر القوانين زمنًا طويلًا، وحوّل البشر إلى أرقام قابلة للتبديل. الهاربات يواجهن النظام بلغته نفسها، من داخل الإشارة التي قُدّمت لهن كأمر توقّف. لوحة STOP تُعاد كتابتها في هذه اللحظة بفعل جماعي، فتغادر وظيفتها القمعية، وتستقر كفعل رفض معلن.

بهذا التكوين، تستقرّ STOP كنهاية بصرية وفكرية لمسار الهروب. الطريق يبقى مغلقًا، بينما ينكسر الصمت بفعل الحضور الجسدي، وتتحوّل الحركة التي استمرّت طويلًا من دون وصول إلى وقفة واعية في مواجهة الجمهور. العرض يترك المواجهة قائمة كأثرٍ مفتوح، ويدفع بالسؤال إلى أقصى حدوده: من يملك سلطة الإيقاف؟ ومن يمتلك حق العبور؟

إن كان الانتظار عند صمويل بيكيت فعلًا معلّقًا على مجيء مؤجَّل، فإن الهروب في “الهاربات” عند وفاء طبوبي يتخذ هيئة حركة مستمرة نحو وصول يتراجع باستمرار. في عالم بيكيت، يشيخ الزمن حول جسد ساكن، بينما يستنزف الجسد عند طبوبي عبر حركة متواصلة تلتهم طاقته خطوة بعد أخرى. المحطة تحضر خاوية من الوصول، كما يحضر غودو بوصفه وعدًا مؤجَّلًا، مع فارق يتجلّى في طبيعة الفعل نفسه: انتظار يفرّغ الزمن من معناه، في مقابل هروب يستنزف الجسد حتى حدّه الأخير، وأفق يظل مرئيًا بالإشارة ومراوغًا في التحقّق.

ضمن هذا التقاطع، يكشف “الهاربات” صورة عالم يتحرّك من دون مخرج واضح. الفعل يستمر، والحركة تتراكم، والمسار يزداد ثقلًا كلما امتدّ. عند هذه النقطة، يلتقي العرض مع بيكيت عند سؤال واحد يظل عالقًا بلا إجابة: ماذا يتبقّى للإنسان حين يصبح الانتظار والهروب وجهين للفعل ذاته؟

Related Articles

Back to top button