نقد

كتاب الخميس (الحلقة الرابعة والسبعون) / محمد محسن السيد

اسم الكتاب : “ المسرح بين ”الفن والفكر”.

الكاتب: د نهاد صليحة.

الناشر: دار هلا 

 

***************

الكتاب الذي بين ايدينا هو (المسرح بين الفن والفكر) للدكتورة الراحلة نهاد صليحة وهو من اصدار عام 1985 . نهض الكتاب كما هو معتاد باهداء مكثف هذا نصه:

(الى امي وذكرى ابي .. فقد علماني:

ان العبودية والفقر سبة في جبين الفلسفة والفكر، وان الفنان الحقيقي هو من يبحث عن الحقيقة في اعماق التراب لافي تهاويم السحاب) .

تلاه تصديراً قصيرا جدا أكدت فيه الباحثة ان مداد الدراسة في مجموعة يمثا بحثا في علاقة الايدلوجية بالدراما من زوايا مختلفة سواء في مجال النقد او الابداع الدرامي.

وان جميع فصول الكتاب ترتبط ارتباطا وثيقا بعضها بالبعض من خلال فكرة واحدة اساسية وهي ان مفهوم الدراما باعتبارها صراعا متطورا يؤدي الي لحظة تنوير هو مفهوم دائم لا يتغير، بينما تتغير اشكال صياغته وفق الايديولوجية التي تمثل الخلفية العقائدية للصراع الدرامي وتملي قيمه الفنية والفكرية. ضم الكتاب جزئين اساسين الاول وحمل عنوان المسرح بين الفن والفكر وضم المواضيه الثانوية الاتية: الفن بين الشكل والمضمون /الدراما بين المفهوم والشكل/ والنظرية/ المسرح بين النظرية الدرامية والنظرة الفلسفية/المسرح بين الفكر والسياسة/ملاحظات حول تفسير العمل الدرامي).

بينما حمل الجزء الثاني المواضيع الاتية:

(المسرح المصري وقضية احياء التراث/منين اجيب ناس وقضية المسرح الشعبي/درب عسكر والارتجال بين بيراند يللو واين دانيال/بريخت والمسرح المصري/ الحلاج بين المطلق والنسبية/الوزير العاشق بين ارسطو وبريخت/المسرح بين رسالة الحرية وفلسفة العصا/ مسرح الاقاليم هو الامل .. ولكن/ليس دفاعا عن المسرح التجاري .. ولكن).

ففي اول مواضيع الجزء الاول وهو الفن بين الشكل والمضمون وفي سطوره الاولى نقرا (ان كل من يعمل بتدريس الفنون يواجه مسألتين ما يفتأن يبرزان في كل مناقشة نظرية او تحليل عملي وهما: علاقة الشكل بالمضمون وعلاقة الفن بالحياة .

وعادة ما ينقسم الدارسون الى رايين: فريق يقول باستقلال الشكل الفني عن المضمون العقائدي، وبالتالي عن الحياة، وفريق يذهب الى تاكيد اهمية شعار الفن للحياة، ومبدأ الالتزام بقضية ما سواء في عملية الابداع لدى المبدع او عملية التقييم لدى المتلقي، بغض النظر عن أية اعتبارات فنية شكلية، محاولا بذلك الى ضرب من الدعاية الواعية، وكل من المفهومين ينطوي على فصل تعسفي بين الفن والحياة، وبين الشكل والمضمون. وحقيقة الامر – في تصوري- انه لا يمكن ان يوجد فن في انفصال عن الحياة، او حياة انسانية دون فن. ان منبع الفن واساسه هو نزعة الانسان الى تمثل تجربته الحياتية، واستنباط مفهومها ودلالتها القيمية، وتثبيت هذا الاستنباط وتوصيله الى اخرين عن طريق استعادة التجربة وصياغتها حركيا او تشكيليا او ادبيا على بعد زمني كاف يكفل قدرا من الموضوعية الشعورية والعقلانية، بحيث يصبح الفرد في آن واحد عنصرا من عناصر التجربة ومشاهدا لنفسه عن بعد، وبحيث تحقق الاستعادة مفارقة هي من صميم وجود الانسان من حيث كونه المخلوق الوحيد القادر على ان يكون فاعلا ومفعولا في آن واحد، اي ان يفعل ويتأمل فعله. وهي مفارقة وجود الانسان داخل التجربة وخارجها في آن واحد).

وفي موضع آخر نقرا(.. لعل اوضح مثال على ارتباط التشكيل الفني بالموقف العقائدي هو الفن الاسلامي الذي اصبحت فيه كلمات العقيدة هي تشكيلاتها. بحيث اصبح الفن الاسلامي هو التشكيل الرمزي للعقيدة في ارتباطها بالحياة وسيادتها عليها) .

وفي ختام هذا الموضوع نقرا: (ان الفن نسق رمزي يلخص تجربة انسانية حياتية، وهذا النسق الرمزي لا يكتسب وجوده الحي الا عندما يتصل بالحياة ليصبح من خلال تفاعله معها تجربة فنية. فمن الاجدى لنا عند الحديث عن الفن الا نتحدث عن شكل او مضمون. بل عن تجربة حياتية. ويصدق هذا سواء كنا نتحدث عن الفن من وجهة المبدع او المتلقي. واذا نظرنا للفن باعتباره تجربة تتشكل فنيا ومعنويا من خلال جدلها مع الحياة، اصبحت قضية الفن للفن ام للحياة نوعا من السفسطة واختلافا لعراك لا معنى له).

وهنا نصل الى موضوع (الدراما بين المفهوم والشكل والنظرية) وقد توزع الى ثلاثة اجزاء اقتصر الجزء الاول منه حول الدراما واهميتها ونظرياتها ومما جاء فيها: (.. يمكننا ان نفسر الدراما تفسيرا ابستمولوجيا لا تاريخيا .

اي ان نفسر نشأتها في ضوء طبيعة ومنطق المعرفة الانسانية بدلا من ان نرجعها الى اصولها التاريخية المعروفة في القرن الخامس قبل الميلاد في اليونان في الاحتفالات الدينية – كما يفعل الكثيرون. لقد نشات الدراما من حاجة انسانية اساسية في مرحلة سبقت التنظير الدرامي، وعلى هذا فتي تحديد حقيقي لمفهومها ينبغي ان يتخذ منطلقه البدائي من فهم هذه الحاجة الانسانية بعيدا من اي تنظير لاحق، خاصة وان التنظير للدراما، لو للفن عامة، عادة ما يلي مرحلة الابداع الاولية وكذلك التلقي).

وحول النظريات الدرامية نقرا: (.. ان كل النظريات الدرامية المختلفة الواعية ماهي في حقيقة الامر الا محاولة لاملاء شكل درامي معين يعكس ويخدم اتجاها فكريا معينا، سواء اكان فرديا او جماعيا. ان كل النظريات الدرامية تصيب عندما تعترف ضمنا بان تحديد وظيفة الدراما اساسي في تحديد مفهومها، ولكنها تخطئ عندما تقصر وظيفة الدراما على خدمة موقفها الفكري واهدفها الفلسفية او الاجتماعية متجاهلة وظيفة الدراما كنشاط معرفي، وتطرح مفهوما للدراما يتفق وخدمة هذه الاهداف. نشأت الدراما في بادئ الامر – في تصوري- من نزعتين اساسيتين في نشاط الانسان المعرفي الفطري. ومن خلال هاتين النزعتين نستطيع تحديد ما هي الدرما ووظيفتها اللذين لا يتغيران مهما تباينت المناهج والمدارس المسرحية، اما النزعة الاولى فهي الحاجة الى السيطرة على تجربة حياتية حيوية عن طريق اكتشاف معناها او استنباط قوانينها وتحويلها الى نمط من التوقعات يتم انتظامه في تيار الوعي، وتوصيله الى اخرين بصورة مقنعة وفعالة. بحيث تصل الوعي الفردي المعرفي بالوعي المعرفي الجماعي. وتصبح تجربة الفرد هي تجربة الجماعة.

اما النزعة الثانية وراء نشأة الدراما باعتبارها نشاطا معرفيا فكانت النزعة «الانثروبوموفيه» في الفكر الانساني. اي نزعة الانسان والجماعة الى تفسير الظواهر والقوى الطبيعية الغامضة التي تناصبهم العداء احيانا نفسيرا انسانيا، في ضوء التجربة الانسانية ومنطقها، بحيث يسهل فهمها، ما لتغلب على الاحساس بالرهبة من المجهول .. لقد تصور الانسان وجود قوى غيبية خلف الظواهر الطبيعية وخلف الموت والاخصاب والميلاد، واسبغ على هذه القوى الغيبية صفات الانسان. وقد ادى ذلك الى نشأة الطقوس الحركية التي تمثل صراعا رمزيا مع القوى الغيبية ينتهي بارضاءها بصورة او باخرى على حساب معاناة انسانية، حيث كان الارتضاء عادة يتضمن تضحية انسانية، بحيث يتحقق نوع من الاتساق في النهاية بين الانسان وهذه القوى الغيبية التي تتصارع معه) .

وتذهب الباحثة الى خلاصة القول حول الدراما بقولها: (.. الدراما هي نشاط معرفي واعي، حركي، جماعي، تمثيلي – بمعنى انه قد يستحضر تجربة ماضية استحضارا واعيا مصطنعا، او قد يجسد رؤية افتراضية في شكل محسوس.

وهو نشاط يطرح صراعا. يحدد من خلاله طبيعة القوى المتصارعة، ويتتبع مسارا الصراع في مراحل اصتدامه وتأزمه ثم انفراجه سواء عن طريق المصالحة او الفصل بين قوى الصراع. اما المبدا الذي يحكم هذا النشاك المعرفي الجماعي في كل نواحيه فهو الجدل. فالدراما تقدم لنا عالما. مصنوعا يعتمد في بناءه على الجدل لا المحاكاة بمعنى انه يتشكل من مجموعة من العناصر المفتعلة مثل المكان العرض الذي يختلف عن مكان الحدث الدرامي المفترض، وزمن العرض الذي يختلف عن الزمن التاريخي للحدث الدرامي، وشخصيات العرض التي تختلف في واقعها عن الادوار المتقمصة، بحيث تتحول التجربة الانسانية التي يصورها العرض من تجربة خاصة ماضية واقعية، او رؤية فردية، الى تجربة عامة حاضرة لها صفة الاقناع. المؤقت او الدائم).

ويتجلى عنصر الجدل في المسرح – باعتباره نشاطا جماعيا معرفيا- في اوضح صورة في وسيلة الدراما الاساسية وهي الحوار الحركي او اللغوي المباشر دون وسيط .

.. اي ان لغة الحوار الجدلي التي تقوم عليها الدراما لاتقيم جدلا بين شخصيات العالم المسرحي المطروح في التجربة المصنوعة فقط، بل تقييم جدلا اوسع بين عالم المسرح الوهمي وعالم المتفرك الواقعي. حيث ان المتفرج يتتبع جدل الشخصيات المتحاورة ليصل الى فكرة مفهومة عن معنى الحدث الدائر من خلال واقعه هو كمتفرج، دون معونة من قصاص أو راو كما يحدث في القصة او الرواية).

وهنا يستقر بنا المقام في الجزء الثاني من موضوع الدراما بين المفهوم والشكل والنظرية ومما جاء فيه (.. ان طرح اي تجربة طرحا دراميا يتم عادة في اطار مفاهيم متفق عليها من قبل صاحب التجربة ومستمعيه بحيث تكون هذه المفاهيم الاطار الذي يحدد القيم والقوى المشتبكة في الصراع، وبالتالي نتيجته ومغزاه واذا انتفى هذا الاطار تعذر التواصل. ومهما كانت فردية التجربة، او اختلاف الفنان مع المتلقي، وتكون بمثابة فرضيات اولية او مسلمات. وعادة ما تكون هذه المعطيات هي مجموعة القيم والمبادئ التي تحكم تنظيم واخلاقيات وسلوك المجموعة) .

وحول المسرح الغربي نقرا: (.. والمتتبع للمسرح الغربي منذ القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين يجد كما هائلا من الجهد التنظيري سواء في الكتب، او المقدمات، او مقالات الاعلان التي تسبق ظهور اي تيار فني جديد. لقد تميزت الحركة المسرحية في اوروبا (او على الاقل فظ انجلترا وفرنسا) منذ القرن السابع عشر (اي بعد اختفاء المسرح الشعبي والنظرة الكلية التي وحدت الشعب بجميع طبقاته، كما وحدت الدين بالدنيا). بملحمين اساسيين:

1- تقوقع الدراما داخل عروض محدودة لها جمهورها الخاص، الذي يمثل اغلبية متميزة .

2- النحو الى التنظير لبلورة النوع المناسب من الدراما لهذا الجمهور الخاص، وعلى سبيل المثال، يجد القارئ في القرن السابع عشر التاكيد النظري على اهمية فصل الكوميديا عن التراجيديا، والتاكيد على قواعد اللياقة في اختيار ما يعرض امام الجمهور، وكذلك على اهمية الالتزام بالقواعد الكلاسيكية فظ تقسيم المسرحية الى خمسة فصول والالتزام بالوحدات الارسطية.

وهنا نصل الى الجزء الثالث والاخير من هذا الموضوع وفيه تذكر الباحثة :

(.. ان مفهوم الدراما -رغم كل النظريات- قد تحقق على مر التاريخ من خلال نسقين تشكيليين اساسيين نجدهما خلف كل الاشكال الدرامية الظاهرية:

النسق التشكيلي الاول فيقوم على مبدا التجاذب – اي تجميع كافة عناصر التجربة المطروحة. وانتظامها في خط واحد. مستقيم او دائري يكون بمثابة المغناطيس الذي يشد اليه كل عناصر التجربة، ويظل واضحا مهما انداح في دوائر حلزونية بغرض توسيع مجال دلالاته او تكثيف معناه – اي ان هذا التشكيل يعتمد على التطور المطرد في خط واحد مستقيم او دائري او حلزوني. وهذا التشكيل يتتبع مراحل اصتدام الصراع في تسلسل زمني وسببي واضح، من نقطة بداية، في تصاعد منطقي يحكمه إطار قيم واضحة ، ومثاله مسرحية (ماكبث) لشكسبير .

اما التشكيل الاخر فيقوم على مبدا التنافر، اي تفتيت نسق مطروح الى عناصر متنافرة لا يمكن انتظامها في خط واحد، بل يمثل كل منها خطا منفصلا، يتقاطع احيانا مع الخطوط الاخرى. ولكنه لا ينتظم ابدا معها في خط معنوي واحد، ويتميز هذا التشكيل بالتغيير الدائب للمنظور بحيث لايقدم التشكيل وجهة نظر واحدة في العناصر المتصارعة المطروحة بل عددا من وجهات النظر المتداخلة. والتشكيل الدرامي هنا لا يركز على يركز على تسلسل الحدث الزمني. اي مراحل اصتدام صراع القوى في تتاليها الزمني وسببيتها المنطقية. وهذا النوع من الشكل المسرحي يمكن ان نطلق عليه صفة الكونترا بنطية. بمعنى انه لا يعتمد بالدرجة الاولى على تسلسل القصة تسلسلا زمنيا في تحقيقه، بل يتحقق كاملا من خلال ربط القصةفي تسلسلها بمستويات متعددة ومتناقضة من التفسيرات، اما عن طريق المتناقضات اللغوية المتعددة، او استخدام انسقة رمزية رمزية واستعارية مناقضة لمعنى الحدث الظاهري، او استخدام التورية والمفارقة اللغوية والدرامية بكافة انواعها.

ولعل ابسط مثال على هذا النوع من التشكيل المسرحي هو مسرحية (هارولدبنتر) المسماة (اللوحة) ومسرحية (لوليوس قيصر) لشكسبير .

وهنا نصل الى موضوع (المسرح بين النظرية الدرامية والنظرة الفلسفية) والذي ضم المواضيع الثانوية الاتية:

(فلسفة ارسطو ونظرية الدراما) استمرار سيطرة النظرة الارسطية على الدراما في العصور الوسطى وعصر النهضة/النظرية الارسطية والتيار الكلاسيكي في عصر التنوير/النظرية الارسطية والتيار الرومانسي/ النظرية الارسطية وميلودراما القرن التاسع عشر/ النظرية الارسطية والتيار الرمزي /سيطرة فكرة المطلق على الفلسفة حتى القرن العشرين/ المسرح والفلسفة في القرن العشرين.

وفي مقدمة الموضوع الرئيسي نقرا: (ان الدارس لتاريخ الادب والمسرح لا يمكنه ان يكون صورة سليمة متكاملة عن التيارات والمذاهب الادبية/ المسرحية المختلفة، والنظران النقدية التي فننت لها الا اذا لم ايضا بالمذاهب والمفاهيم الفلسفية التي زامنتها، بل ومهدت لهذا الطريق. لقد ارتبطت الفلسفة دائما بالمسرح منذ نشأته على طول تاريخه. وكان اول من كتب عن فن المسرح ونظر له في الغرب هو الفيلسوف اليوناني (ارسطو) في كتابه (فن الشعر) الذي أرس قواعد النظرية الدرامية التي سادت وشكلت ملامح المسرح المغربي في اوربا حتى القرن العشرين).

ففي موضوع فلسفة ارسطو ونظرية الدراما نقرا في سطورها الاولى: النظرية الارسطية في الدراما لا تنفصل عن فلسفة ارسطو في تفسير الوجود، بل تنبع منها بصورة مباشرة، وتخدم نفس الهدف الذي من اجله طرح ارسطو تصوره للوجود. فلم تكن فلسفته مجرد بحث موضوعي غير مغرض في الحقيقة والوجود، بل كانت طرحا -على مستوى الوعي اواللاوعي- لتصور نظري، او رؤية للعالم، تتضمن تاصيل نظام سياسي اخلاقي اجتماعي معين فلسفة ارسطو تفترض جوهرا ثابتا للوجود يسعى الى تحقيق نفسه من خلال المادة، ويفرض القوانين التي تحكم تطور وتغير هذه المادة، ويمثل اكتماله الغاية والهدف للوجود. وفي هذا يعتبر التصور الفلسفي الارسطي للكون امتدادا للتصور الافلاطوني الذي يرى في عالمنا المحسوس انعكاسا منوعا، باهتا، زائلا لافكار مطلقة ابدية يستطيع الانسان ان يستشفها عن طريق الفكر المجرد.

.. لقد جعل ارسطو لكل شيء في الكون يتحرك نحو غاية مسبقة محسوبة لادخل للانسان فيها، وعليه اني يطيع قوانينها المطلقة. اي ان ارسطو -مثله في ذلك مثل افلاطون – قد سعى من خلال فلسفته الى تاكيد اهمية البعد المطلق الثابت في التجربة الانسانية. وان كان قد وضعه داخل العالم المحسوس. ولم يفصله عنه فصلا كاملا كما فعل افلاطون. لقد حاول كلاهما تحويل النظر عن التجربة الانسانية في نسبيتها، وتغيرها، وارتكازها على الفعل الارادي الى بعد مثالي تحكمه قوانين مطلقة لا سلطان للانسان عليها، وعليه فقط ان يدركها ويطيعها .

وفيما يخص عصر النهضة نقرا (ان دراما عصر النهضة -باستثناء الدراما الشعبية التي يمكن ان تدرج ضمنها «الكوميديا ديلارتا» الايطالية في صورتها الفجة وبعض مسرحيات شكسبير ومعاصريه -اي دراما عصر النهضة الرسمية تعبر في مجموعها عن وظيفة الدراما كما راها ارسطو وهي محاكاة الواقع بغرض استخلاص وترسيخ القوانين الثابتة خلف الظواهر النسبية العارضة .. وفي معظم التيارات الفلسفية ،نلمح تكرار نفس التزامن بين ما يشبه جوهر الرؤية الفلسفية الارسطية، وجوهر النظرية الارسطية في وظيفة الدراما والفن عامة).
وحول موضوع الميلودراما تذكر الباحثة: لقد سيطرر الميلودراما بجيمع انواعها ودرجاتها على مسرح اوربا في القرن التاسع عشر، ولم تكن الميلودراما سوى ترجمة مبسطة ، وتطبيقا ساذجا لنظرية ارسطو في محاكاة الواقع .
.. ورغم الاختلافات الشديدة بين المسرح كما ينظر له ارسطو وبين الميلودراما التي نجدها في القرن التاسع عشر، الا ان كلا منهما يعتمد على فكرة ان هناك نظاما له صفة الشرعية المطلقة ومن يخرج عليه فلا بد ان يضار كذلك فكل منهما يهدف الى امتصاص الطاقة الشعورية لدى المتفرج او التنفيس عنها تنفيسا مشروعا يتفق والنظام السائد. لقد ترجمت الميلودراما فكرة ارسطو عن التطهير التراجيدي الى طوفان من الدموع الرخيصة التي اغرقت مسارح اوربا في القرن التاسع عشر بحيث ضمنت استقرار الاوضاع القائمة. وافرزت الميلودراما بورها – ترد فعل طبيعي – فنون الفرجة والاثارة والهزليات التافهة كوسيلة اخرى مشروعة لتغييب الوعي. اي ان الميلودراما (وتابعتها الهزلية) قد تبلورت نقطة الضعف الاساسية في النظرة الارسطية وهي فصل المسرح عن حركة المجتمع والواقع الفعلي للانسان، وربطه ببعد غيبي او اطار نمطي ثابت).
وحول موضوع سيطرة المطلق على الفلسفة حتى القرن العشرين ففي سطورها الاولى نقرا: ان النظريات الفلسفية حتى منتصف القرم التاسع عشر انقسمت الى ثلاثة تيارات رئيسية : تيار مثالي تجريدي، وتيار مادي تاريخي، وتيار يحاول التوفيق بينهما.
وفي موضع اخر من الموضوع نقرا( التزمت الفلسفة الغربية منذ نشأتها بالاعتقاد في وجود المطلق، واطلقت عليه اسماء عديدة منها «الكلمة» او «الجوهر » او «الحقيقة» او عرفته «كحضور معنوي». وجعلت الفلسفة من فكرة المطلق القاعدة الاساسية لكل من الفكر واللغة والتجربة الانسانية. وضلت الفلسفة تحرق شوقا الى اكتشاف العلامة العلوية التي ستحدد معنى كل العلامات -اي الرمز الذي سيشرح كل الرموز وعن المعنى المؤكد. الذي سيعطي كل العلامات دلالاتها ومعانيها الصحيحة. وفسّر كل هذا المطلق على هواه، واختلفت اسماؤه من زمن الى زمن، فأسماه البعض«الله» والبعض الاخر «الفكرة»او «روح العالم» او «المادة ».
لقد قالت الفلسفة ان المطلق يسبق اللغة التي تعبر عنه ويمكن خارج حدودها، وحاولت ان تثبت المطلق معنى وليس لفظا. وقالت انه معنى يختلف عن كل المعاني التي تفرزها اللغة من العلامات اللغوية. فالمطلق معنى المعاني، واساس واطار التفكير الانساني -اي العلامة التي تدور في فلكها كل العلامات والمعاني).
وحول موضوع (الفلسفة في القرن العشرين) ونقرا في سطورها الاولى:
(ان الاختلاف الحقيقي بين فلسفة القرن العشرين وما قبلها في الغرب يتمثل في التخلي عن فكرة القانون المطلق الثابت او الحقيقة المطلقة وفي اقتراب الفلسفة من وضعية العلوم- وبالتالي في التخلي عن تأمل الابعاد الميتافيزيقية او القوانين الثابتة في التجربة الانسانية، والتركيز على فحص الانسان في طريقة تفكيره، ونشاطه اللغوي، ووضعه التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والوجودي، وذلك من خلال منظور النسبية الذي اتى به اينشتاين والذي صبغ فلسفات القرن العشرين وأحل فكرة النسبية مكان فكرة المطلق).
وفي موضع اخر نقرا(.. نشأت في القرن العشرين عدة تيارات فلسفية، ورغم تنوع هذه التيارات، الا انها في نهاية الامر، تنقسم الى تيارين اساسيين سنوجزهما فيما يلي:
1- التيار الاول وهو يشمل الفلسفات التي تبحث في الفعل الانساني، ويمثله فلاسفة مثل(نتشه) و(سارتر) والوجوديين(كارل ماركس) والفلاسفة البراجماتيون من امثال (وليام جيمس)،(برجسون) و(جون ديوي) ويمثله ايضا اتباع المدرسة السلوكية، ويشترك هؤلاء في معظمهم في ظاهرة اساسية وهي رفض فكرة ان هناك حقيقة مطلقة، او قيما مسبقة تملى الفعل وتعطيه معناه وقيمته، بل يؤكدون ان الفعل يفرز القيم، وترتبط قيمته ومعناه بنتائجه .
2- والتيار الثاني في فلسفة القرن العشرين، والذي ينتظم عددا كبيرا من الفلاسفة، فهو يركز على القول، اي يبحث في الفكر الانساني والمعاني. والمفاهيم التي يتداولها البشر من خلال تحليل اللغة والمنطق فهو ينظر الى جميع الافكار والحقائق باعتبارها اولا واخيرا صياغات لغوية ومنطقية ويمثل هذا التيار: (راسل) و(مور) و(فنجنشتاين) و(اير) و(جلبرت رايل) ومدرسة الوضعية المنطقية وغيرهم.
وهنا يستقر بنا المطاف حول موضوع (النظرية الادبية في القرن العشرين) وفي سطورها الاولى نقرا(.. المتامل للنظريات الادبية النقدية المختلفة منذ ارسطو وحتى القرن العشرين، يجد انها كانت دائما تتأرجح بين الكلاسيكية – اي النظرة المحافظة للادب باعتباره محاكاة موضوعية (اي لا تتداخل فيهما شخصية الكاتب أو آراؤه) للواقع (وفق تفسير معين لهذا الموقع يمثل الرؤية الشرعية للواقع التي تفرضها الايديولوجية السائدة). ووفق قواعد ادبية متوارثة (تتفق والايديولوجية السائدة وتخدم رؤيتها للعالم) وبين الرومانسية – اي النظرة الثورية للادب باعتباره نشاطا فرديا روحيا خلاّقا يقوم به الشاعر الفرد ويلتزم فيه بالقوانين التي تفرضها عليه رؤيته الشعرية الخاصة).
ورغم اختلاف المذهبين حيث انهما موضوعي اجتماعي، محافظ، والاخر فردي ثوري، الا ان كلا من التياريين يؤكدان على انفصال الرؤية الشعرية عن العالم المتغير، كذلك يفترض كل من التيارين ان العمل الادبي هو في الاساس وسيط وموصل لمعنى ثابت، مطلق خارجه .
… فالافتراض الاساسي عند كليهما هو ان معنى العمل الادبي يوجد قبل عملية الخلق، خارجه، سواء في القوانين العالمية الراسخة في الطبيعة لدى الكلاسيكيين، او في بطن الشاعر الرومانسي. اي ان عملية الخلق الفني كانت لدى الرومانسيين والكلاسيكيين مسألة استنباط وصياغة فعاله لحقيقة مالها صفة المطلق الثابت خارج العمل الفني. ومتغيرات التاريخ ايضا).

وحول ما يخص اتجاهات النظرية الادبية فتذكر الباحثة: (.. يمكننا ان نرصد الاتجاهات التالية في النظرة الى الادب .

1-مدرسة النقد الحديث (الموضوعي):

ازدهرت هذه المدرسة اساسا في امريكا وانجلترا، وربما كان اشهر روادها الذي يعرفهم القارئ العربي هم: (ت.س . اليوت) و(كلينث بروكس) و(جون كرورانسوم). والسمة الاساسية التي تميز هذه المدرسة هي محاولة الاستعاضة عن غياب المطلق والثابت في الطبيعة البشرية. هذا الغياب الذي كشفته الفلسفة الحديثة. يجعل العمل الفني نفسه مطلقا ثابتا له قوانينه الخاصة وقيمته الباقية .

2-الشكلية:

ورغم تاكيد مدرسة النقد الحديث على اهمية الشكل في العمل الفني، الا انها ايضا اكدت على التجربة الجمالية المطلقة التي تتولد عن الشكل، واعطت هذه التجربة دلالات عالمية شبه دينية. وربما كان هذا اهم ما يفرق مدرسة النقد الحديث عن المدرسة الشكلية. لقد نشأت المدرسة الشكلية في روسيا في بداية القرن العشرين، وازدهرت في العشرينات واستمرت حتى قضى عليها (ستالين)، وكان من قطابها (فيكتورشلوفسكي)، (رومان جاكوبسون)، (يوري نينيانوف). والشكلية تمثل اساسا محاولة لتطبيق علم اللغويات- كما قدمه (فردينا نددي سوسير) في كتابه الهام محاضرات في علم اللغة عام (1916) على دراسة الادب، لقد طرح سوسير في هذا الكتاب الهام فكرة اقامة علم يدرس جميع العلامات التي يستخدمها الانسان بما فيها اللغة باعتبارها انظمة مستقلة عن الواقع، قائمة بذاتها، تحدد وتفرز المعاني التي يستخدمها البشر – اي باعتبارها انظمة تكون حصيلة المعرفة الانسانية بصرف النظر عن الانسان والدلالات المادية للرموز في الواقع كذلك ركز سوسير على الابنية اللغوية في انفصال عن محتوى اللغة.

وفي تطبيقهم لمنهج دراسة اللغة على الادب ركز الشكليون على دراسة الشكل الادبي في انفصال تام عن المضمون. ونظروا الى المضمون باعتباره مجرد وسيلة لابراز تشكيل فني معين. ويختلف الشكليون عن مدرسة النقد الحديث في انكار ان هناك قيمة جمالية مطلقة للعمل الفني.

3-البنيوية (او البنائية):

… ان البنيوية مثلها مثل معظم النظريات الادبية/النقدية -تمثل في اساسها موقفا عقائديا او ايديولوجيا. والبنائية او البنيوية مصطلح مستمد من لفظة البنية. وابسط تعريف للبنية هو«انها نظام- او نسق – من المعقولية، فليست «البنية» هي صورة الشيء، او هيكله، او وحدته المادية، او التصميم الكلي الذي يربط اجزاءه فحسب، وانما هي ايضا القانون الذي يفسر تكوين الشيء ومعقوليته.

وبعبارة اخرى يمكننا ان نقول بأن البنيويين حينما يبحثون عن بنية هذا الشيء او ذاك، فانهم لا يتوقفون عند هذا المعنى التجريبي الذي يضعه الواقع بين ايدينا – على نحو مباشر – وكأن كل مايهمهم هو الوصول الى ادراك العلاقات المادية الظاهرية التي تحقق الترابط بين عناصر المجموعة الواحدة. بل انهم يهدوفون- اولا وقبل كل شيء – الى الكشف الى النسق العقلي الذي يزودنا بتفسير للعمليات الجارية في نطاق مجموعة بعينها. ان البنيوية لم تنشا على ايدي فلاسفة محترفين. كما نشات الوضعية المنطقية مثلا – بل كان اول روادها علماء في مجال الانثروبولوجيا واللغويات.. فالبنيوية اللغوية لم تظهر الى حيز الوجود الا عام 1928 في المؤتمر الدولي لعلوم اللسان الذي انعقد في لاهاي بهولنده حيث قدم ثلاثة علماء روس وهم(ياكوبسون) و(كارشفسكي) و(تروبتسكوي)، بحثا علميا تضمن الاصول الاولى لهذه النزعة. ولم. يلبثوا ان اصدروا بيانا اعلنوه في المؤتمر الاول للغويين السلاف الذي انعقد في براغ عام 1929 استخدموا فيه كلمة بنية بالمعنى المستعمل اليوم.

4- التفكيكية:

وهي احدث النظريات الادبية النقدية، وهي توصف دائما بانها انجلوا- امريكية لان اغلب روادها -مثل بول دي مان، وجـ . هيلين ميللر، وجيفري هارتمان، هارولدبلوم ينتمون الى جامعة ييل الامريكية التي شهدت ايضا بدايات مدرسة النقد الحديث في فترة مسابقة. ولانها -كعادة معظم التيارات الامريكية -انتقلت فورا الى انكلترا. ولكن الاب الروحي والرائد الاول لهذه المدرسة النقدية هو -باعتراف جميع مؤرخي النقد الحديث -الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا) الذي ارس دعائم هذه النظرية حين نشر عام 1967 كتابة الحديث والظواهر الذي ترجم الى الانجليزية عام 1973 ثم تلاه بكتاب عن علم النحو الذي ظهرت ترجمته الانجليزية عام 1978.

لقد نجح دريدا من خلال كتبه ومحاضراته وتلاميذه في ان يخلق من حطام المذهب البنيوي تيارا ايجابيا جديدا. فالتفكيكية هي رد فعل لانهيار البنيوية في فرنسا بعد احداث 1968 وهي افراز طبيعي لحالة الاحباط والكفر بالنظريات الشاملة المتماسكة ومنها الماركسية التي اجتاحت فرنسا في تلك الاونة. لقد قامت البنيوية على فكرة تاكيد سيادة منطق (البنية) المتماسك فوق الانسان والمتغيرات. لقد طرح دريدا منهجا في تحليل النصوص الادبية يقترب اقترابا شديدا من منهج التحليل العملي في مدرسة النقد الحديث -اذ هو يعتمد على توضيح المستويات المتعددة، وعناصر المفارقة، والتورية، والايحاء بمعان متناقضة، ويقوم على رصد التوترات الداخلية. والتفكيكيون يحللون العمل الادبي لغويا للكشف عن زيف المنطق الذي يحكم النظريات الفكرية، والابنية السياسية والمؤسسات التي تبنى على هذه النظريات، اي انهم يحاولون كشف الدور الذي تلعبه التراكيب اللغوية في ترسيخ معاني نأخذ بها مأخذ الحقائق ونبني عليها انظمتنا السياسية والاجتماعية.

والتفكيكية تلخص في اتجاهاتها الايجابية والسلبية وعي القرن العشرين بنسبية المعنى الكاملة. وبخداع اللغة، وسطوتها علي الفكر، وباهمية الانسان في اعطاء التفسير، وبتاثير الايديولوجية على فهم العالم والتعبير عنه وتفسيره، وكذلك باهمية التحليل اللغوي الدقيق للمعاني والالفاظ، وهي في هذا ابنة القرن العشرين بحق ونتاجه الطبيعي.

وهنا نصل الى موضوع (المسرح والفلسفة في القرن العشرين) وفي سطورها الاولى نقرا: ان الغالبية العظمى من فناني القرن العشرين -على اختلاف مذاهبهم -يشتركون في خاصيتين اساسيتين: الاولى هي ادراك انتفاء المطلق، ونسبية المعنى والتجربة.

ذلك الادراك الذي عبر عنه (سارتر) حين قال ان كاتب القرن العشرين لم يعد يعرف من يخاطب.

والذي عبر عنه (ريتشاردز) حين تساءل في حملة شهيرة «كيف يمكن لاي شاعر ان يعالج فكرة الله في عالم تحكمه قوانين النسبية؟».

اما الخاصية الثانية فهي الانشغال الشديد الواعي بطبيعة اللغة وتراكيبها سواء اعتبرها الكاتب اداة توصيل سلبية شفافة، او بناء يعتمد فيه المعنى على علاقات اجزاء هذا البناء بعضها بالبعض، او تركيبة تعسفية تفرض قوالبها على الواقع. ثم تمضي بنا الباحثة بعرض عينات لكتاب مسرحيون عالميون -على كل ما تقدم . من امثال (ت.س . اليوت) و(و. ب . ييتس) وتسليط الضوء على تجربتهما الابداعية في مجال المسرح. ثم تستعرض الباحثة ما يسمى حركة مسرح العبث ورؤاه الفلسفية والفنية مع اجراء تطبيقي لبعض مسرحياته لمشاهير كتابه من امثال: بيكيت، يونسكو، هارولدبنتر، ستوبارد، هاندكه .

وفي موضع اخر منها نقرا (.. وفي اعمال كل من بنتر وستو بارد وهاندكه يلمح القارئ العلامات الاساسية التالية:

1-التشكك في الانماط اللغوية: باعتبارها تمثل نظام قهر وتسليط، وسلاحا خطيرا تستخدمه السلطة الاجتماعية لاستلاب عقل الانسان وفرض انماط من السلوك والتفكير عليه تتفق ومصلحتها. ويتبع هذا النظرة الى اللغة باعتبارها نظاما مصطنعا لا يعبر عن الواقع بقدر ما يسعى لقولبته .

2-استخدام عنصر الكوميديا: او الضحك في المسرح باعتبار ان الضحك، او الاحساس الكوميدي، يعتمد على شحذ وعي المتفرج النقدي لادراك مفارقة، او تناقض بين عنصرين، فالكوميديا، على عكس التراجيديا، لاتجعل هدفها استلاب عقل المتفرج ووجدانه لمصلحة رؤية معينة للعالم وتقدمها له وتوهمه بانها رؤية عالمية حقيقية.

3- التاكيد على مسرحية الفن المسرحي، وعلى الطبيعة المصطنعة للدراما، فالدراما لا تصور او تحاكي الواقع، وانما تفحصه مخصا نقديا لتبين لنا ان صورتنا عن الواقع ما هي في حقيقة الامر سوى تكوين مصطنع يخضع لمجموعة من التقاليد اللغوية والفكرية والاجتماعية، والمسرح يكشف لنا زيف هذه الصورة عن طريق توعيتنا بطبيعة اللغة وبنسبية الاحكام والقيم .

وربما كان اشهر كاتب حاول ان يؤكد نسبية القيم والاحكام، بل والرؤية الشاملة نفسها هو الكاتب المسرحي الايطالي لويجي بيراند للو الذي تخلص تماما في مسرحه من اسلوب ارسطو في التفكير والمسرحة. لقد رفض بيراندللو نظرية ارسطو في المحاكاة، ورفض مبدا المطلق، او القانون العالمي الثابت، ورفض تماما مبدا الايهام المسرحي ونظرية التطهير، وخلق مسرحا يعتمد على فكرة نسبية الحقيقة والمنظور المركب بحيث اصبح مسرحه يوصف بانه مسرح تكعيبي -اي يحاكي النظرية التكعيبية في الفن.

ثم تمضي بنا الباحثة حول المسرح الحديث وتاثره بما اسميناه بفلسفات الفعل، وهنا يدور الحديث عن التياران الوجودي والملحمي في المسرح الغربي، ومراعاة للايجاز سوف نوجز القول عنهما بالاتي:

•التيار الوجودي: واهم ما يمكن ان نذكره عن الادب الوجودي هو ميله، نحو التعميم والشعبية. ويمتاز هذا الادب بصفة التاثير ومحاولة تغير الاوضاع واحداث الانقلابات بين الجموع وصار الادب في مفهوم اصحابه اداة من الادوات الاجتماعية وعاملا من عوامل النهوض بالناس. واخطر من هذا كله ان الادب الوجودي كالرسم الحديث ينبع من عيون التامل والنظر العقلي، ولا يعتمد في تاثيره على المحاكاة البلاغية ولا يقف على دعائم من التعبير اللغوي المنمق .. ان اهم الكتاب المسرحيين الوجوديين هما الفيلسوف الوجودي(جان بول سارتر) والكاتب الفرنسي (البيركامي) متناوله بالتحليل بعض اعمالهما. ورغم تاكيد الكتاب الوجوديين في مسرحهم على ضرورة الفعل الا ان هذا التاكيد ظل منحصرا في نطاق المضمون المسرحي ولم يتعداه الى مجال الشكل الدرامي واسلوب العرض .

•بريخت وتيار المسرح الملحمي: لم يتحقق الالتحام بين الشكل والمضمون في اطار فلسفة تاكيد الفعل الا على ايدي (بريخت) الذي جعل من مسرحه شكلا ومضمونا دعوة الى الفعل والتغيير ولا يتالي البعض حين يصفون (بريخت) بانه اهم منظر للمسرح والدراما منذ (ارسطو) لقد احدث بريخت ثورة حقيقية في نظرية الدراما. وأتى بنظرية عكسية تماما لنظرية ارسطو .

لقد قامت النظرية الارسطية على مبدأ خدمة وتدعيم الايديولوجية السائدة.

وجعلت من الفن محاكاة للحياة بفرض تاكيد صحة هذه الايديولوجية لذلك ركزت على ضرورة تقديم صورة منطقية واقعية مقنعة عن العالم. واكدت على مبدا تعاطف المتفرج واندماجه وتوحده مع هذه الصورة. اما النظرية البريخيتية الماركسية فقامت على مبدا محاولة هدم الايديولوجية السائدة في تصويرها للواقع بحيث نتبه المتفرج الى ضرورة تغييرها. لهذا كان تاثير (بريخت) عريضا وواسعا على المسرح الوثائقي في اوروبا، والمسرك البديل في انجلترا وامريكا .

وهنا يستقر بنا المقام حول موضوع (المسرح بين الفكر والسياسة) وفي مقدمتها نقرا: (في القرن العشرين ظهر في اوربا مصطلح مسرحي جديد هو المسرح السياسي واذا حاولنا تعريف المسرح السياسي بانه المسرح الذي يتعرض لقضايا سياسية نكون كالذي عرف الماء بعد الجهد بالماء . اذاننا وقبل كل شيء يجب ان نحدد بوضوح ما نعنيه بكلمة سياسة. ووفق تعريف معين لمعنى كلمة سياسة يمكننا القول بانه المسرح بل الادب كله، كان ومازال في احد مظاهره سياسيا، اي اننا اذا اتفقنا على تعريف السياسة بانها مجموعة الافكار او الفلسفة التي تشكل نظرية الحكم التي يتم في ضوئها تنظيم العلاقات الافراد والمجموعات في المجتمع وفق قوانين وقيم معينة تحكم توزيع السلطة والمال وتحديد الادوار ومناطق التحريك للافراد والجماعات، اذ اتفقنا على هذا التعريف لكلمة سياسة، يمكننا اذن ان نصف المسرح بانه كان دائما سياسيا بمعنى ان كل مسرحية نعرفها تتضمن بصورة مباشرة او غير مباشرة ايديولوجية ونظاما يشكلان الخلفية الفكرية والسياسية والاجتماعية والاخلاقية للصراع القائم في الدراما، ويحددان مساره ونهايته حتى وان كان هذا الصراع صراعا نفسيا بالدرجة الاولى، اي ان السياسة باوسع معانيها -اي اعتبارها المحيط الفكري والاجتماعي الذي يتم في اطاره الصراع الدرامي – تمثل فرضية اساسية في الدراما على مختلف اشكالها وفي مختلف عصورها .

ثم تمضي بنا الباحثة باجراء تطبيقي على كل ما تقدم وهي مسرحية (ماكبث) لشكسبير وبعد ان تحلل المسرحية تتوصل الى ما يلي:

(..فمسرحية ماكبث مسرحية سياسية بالمعنى الواسع الذي حددناه سابقا، اذ ان الموضوع الرئيسي لايتم طرحه في الفراغ، بل لا يمكن طرحه على الاطلاق الا في اطار الفلسفة العامة التي تحكم المسرحية والتي تقوم على التسليم بنظرية الحكم الوراثي التي ساندتها الكنيسة في العصور الوسطى. وبدون هذا التسليم لا يمكن ابراز معاناة ماكبث النفسية ابراز كاملا. فقتل ماكبث للملك كما تصوره المسرحية ليس مجرد جريمة اخلاقية، بل هو جريمة سياسية واجتماعية، وانتهاك للفلسفة الدينية والقوانين الازلية التي تطرحها. اذن. فاذا اردنا التعميم يمكننا ان نقول بان المسرح كان دائما سياسيا، اذا قصدنا بالسياسة اطار القيم الذي تتضمنه المسرحية ونسلم به، ونتخذه ارضا لطرح قوى الصراع (وهو جوهر الدراما) ومحيط المراحل اصتدامه (اي الحدث) وقانونا يحدد مساره ونتيجته ومعناه الكامل واذا اردنا المزيد من التخصيص، فيمكننا القول بانه صفة المسرح السياسي ينبغي او تقتصر على ذلك النوع من المسرح الذي لا يكتفي بان يتخذ من فلسفة الحكم خليفة مسلما بها للصراع -اي يصبح موضوعه السلطة والفلسفة التي تساندها والقوانين التي تفرزها، ومظاهر تطبيقها.

وحول اشكال المسرح السياسي الذي يتخذ من فلسفة الحكم في جوهرها النظري اوفي بعض مظاهرها او انماط تطبيقها مادة وموضوعا له -كما تؤكد الباحثة- فينقسم الى ثلاثة انواع واضحة:

1-مسرح سياسي اصطلاحي: اي مسرح نقد سياسي بناء هدف الى اصلاح اخطاء التطبيق ويؤدي في النهاية الى تثبيت النظام السائد .

2-مسرح سياسي ثوري: وهو مسرح دعوة (في افضل صورة) او دعاية (في اسوءها) وهو يدعو الى استبدال نظرية سياسية باخرى .

3-مسرح فكري سياسي حقيقي: وهو المسرح الذي يعرض لعدة ايديولوجيات متصارعة دون التزام المؤلف بالانتصار لواحدة بعينها) ثم تستعرض الباحثة عبر مسار تاريخي يبدا بمصر القديمة واليونان القديمة وصولا كتابات (شيايلي) و(بريخت) و(شكسبير) و(بايرون) للتدليل على ما تقدم.

وهنا نصل الى موضوع سياسي وهو (ملاحظات حول تفسير العمل الدرامي). وفي سطوره الاولى نقرا اذا اتفقنا ان الكلمه هي رمز مكتوب او منطوق يشير الى دلاله او مفهوم وان الحركه او الاشاره هي رمز مرئي ومحسوس يسعى الى خلق معنى كما ترمز الكف الممدوده الى معنى الترحيب مثلا نستطيع ان نصف النص الدرامي بانه نسق رمزي من الكلمات والاشارات الحركيه يسعى الى تكوين دلالة من خلال تبادل حواري حركي يفترض وجود مفسر اي متفرج(بدلالة من الراوي) اي ان العمل الدرامي هو شكل يتكون من وحدات لغوية واشارية ويسعى الى انتظام معنى واذا اتفقنا على ان الرمز اللغوي المكتوب او المنطوق قد يظل ثابتا بينما تختلف دلالاته من عصر الى عصر بحيث تتراكم الدلالات ويصبح الرمز على مر الزمن متنوع الدلالات اي حقل دلاله يمكننا ان نتفق على ان المعنى الكلي للعمل الفني قد يختلف من عصر الى عصر انه نسبي واذا كان اي نص مكتوب يبحث عن مفسر فان الدراما التي تفتقر الى منظور الروائي وطبيعه شكلها تعتبر اكثر الانواع الادبيه الحاحا في طلب التفسير وعلى هذا تكون المرحله الاولى في النقد الدرامي هي تفسير الشفرة اللغوية الحركية للعمل الدرامي وهي مرحلة القراءة ثم تليها مرحله الكتابة الواعية عن العمل الدرامي ولكل مرحلة متطلباتها فالكلمه او الاشاره اي الرمز يكتسب دلالته ومعناه من خلال موقف خيالي معين يطرحه النص اي من قراءاته المختلفه على مر العصور، والعمل الفني الخارج هو ذلك الذي يسمح باكبر عدد من القراءات المختلفة التي تتم داخل أطر عقائدية مرجعية مختلفة).

ثم تمضي بنا الباحثه بتناول الظاهره النقديه معرفه بزواياها ومناهجها وما يتوجب على الناقد من مهام ومسؤوليات وكيفية تناول العمل الفني من قبل الناقد وحول علاقه الايديولوجية بالنقد وتفسير الاعمال الفنية وخلاصة القول هنا كما تؤكد الباحثه (.. وخلاصه القول ان النقد الفني يعتمد على مجموعه من المفاهيم اللينه المتطوره التي يستقيها الناقد من الدراية- الواسعة العميقه بالتراث الفني الانساني في مختلف عصوره والتي يعيد فحصها وتقييمها من ان لاخر في ضوء التجارب جديدة معتمدا في تلمس طريقه الى الصواب على الامانه والموضوعية وعلى حرسه الفني الذي تكونه خبرته الثريه بالفنون واطلاعه الواسع ودراسته الجادة).

وهنا نصل الى الجزء الثاني والاخير من هذا الكتاب وهو عباره عن نقد تطبيقي لبعض العروض المسرحيه وما يتعلق بها ومواضيعه كما جاءت بالترتيب هي:

( المسرح المصري وقضية احياء التراث/ منين اجيب ناس وقضية المسرح الشعبي/ درب عسكر/ والارتجال بين بيراندللو وابن دانيال/ بريخت والمسرح المصري /الحلاج بين المطلق والنسبية/ الوزير العاشق بين ارسطو وبريخت/ المسرح بين رساله الحريه وفلسفة العصا! مسرح الاقاليم هو الامل ولكن!/ ليس دفاعا عن المسرح التجاري ولكن!).

Related Articles

Back to top button