“غودو الاخير”…عبثية اللامعنى/ نجيب عبد اللطيف

مسرحية غودو الاخير، المسرحية التي ترجمها وأعدها وأخرجها الفنان مولاي عبد العزيز العلوي مهير، عن كاتبها الروماني (Matei Visniec ) أحد أبرز كتاب مسرح العبث بعد
• Beckett
• Ionesco
• Harold Pinter
وإذا كان Visniec معروف بكتاباته الساخرة والتي تشتغل على الواقع السياسي والاجتماعي، فإن ما يجعل من نصوصه نموذجا للتجديد في مدرسة العبث هو قدرتها على التفكيك للحالات الاجتماعية والتفنن في خلق شخصيات مستلهمة من كتاب العبث السابقين، ثم القدف بها لمواجهة وضعيات متناقضة، مما يولد مشاهد ذات نفس شاعري وأبعاد جمالية تعكس حالة الوجود العبثي للإنسان. لهذا تعد الكوميديا السوداء الأسلوب الفني القادر على التعبير عن هذه التناقضات، وبالتالي نقل كل أوجاع القلق الوجودي التي يمر منها الإنسان المعاصر، ثم السخرية منها. في نظر العديد من النقاد.
تشكل نصوص هذا الكاتب الروماني الذي انتهى به المطاف إلى أن يصبح كاتبا فرنكوفونيا بعد استقراره في فرنسا كمنفى اختياري منذ سنة 1987، أقول تشكل مادة أدبية حبلى بالمواقف النقدية لكل أوجه التسلط والطغيان، وأنظمة الاستبداد والشمولية، فهي تستطيع أن تستخلص لحظة للجمال والإبداع المستفز، حتى من أحلك الوجود الإنساني.
في ذات الإطار، يأتي العرض المسرحي غودو الاخير، المقدم من طرف محترف ديونيزوس لفنون الأداء بمراكش، عرض لم يبتعد عن هذا التوجه والنفس العبثي والنقدي، لأن اختيار النص اولا ثم الاشتغال عليه كمادة للعرض، هو اختيار نابع من راهنيه موضوعه، إغلاق قاعة مسرح، حالة تتكرر في مدننا وخاصة بمراكش، حيث القاعة الكبرى لمسرج الداوديات مغلقة لما يفوق عشر سنوات، رغم صيحات الممارسين واحتجاجاتهم المتكررة لحد الساعة. لكن الإغلاق هنا، ليس بالمعنى الضيق والحرفي للكلمة، بقدر ما يرمز إلى إغلاق السؤال في المسرح وقتل كل حافزية تجدد التعمق في موضوعاته بجدية وحرقة السؤال، الفن عموما، والمسرح بالخصوص، تطور في أحضان أسئلته الفلسفية، وترعرع في خضم الأطروحات والتنظير الفلسفي.
تعمد العرض البدء بمشهد الكاتب بيكيت (أداء حسن بنشوك) وهو يرقن على آلته الكاتبة مرفوق بصوت خارجي ينقل ما يعتمل في دواخل الكاتب من حسرة عن مآل المسرح ودواعي كتابته لنص يترجم قلقه وحسرته. يتلوه مشهد دخول غودو (أداء محمد القصير)، شاردا وفي أسى يدخن سيجارته. وأثناء ذلك، يسمع هرج وصراخ ناتج عن عراك خارج الركح، ينتهي ذلك بقدف بيكيت داخل الركح، وهو في وضعية مزرية. ليلتقي الشخصيتان، غودو وبيكيت، على هامش مسرح لم يعد يرغب فيهما.
وبما ان العرض المسرحي يتناول حالة انهيار مسرح لم يعد يثير اهتمام الجمهور، بعد أن استقطبته موجة الابتدال. فإن مخرج المسرحية، عبد العزيز العلوي مهير، اتخذ من الخلفية صورة (مسرح مغلق) عن طريق تقنية المابينغ Mapping وتوظيفها فنيا في لحظات العرض بشكل ناجح، بعيدا عن المجانية والاستعراض، فكانت صور الفيديو المعروضة تكمل معنى العرض وتضفي عليه عنصر التشويق والتلقي المتفاعل. نشير هنا إلى مشهد الباب المغلق للمسرح وتراكم الزبالة وخروج أحد الأشخاص من داخل البناية ومحاولة بيكيت الاقتراب منه قبل أن يختفي، ثم مشهد ظهور الجمهور وهو خارج من القاعة. تزامن ذلك مع احتدام المشاداة بين بيكيت وغودو وبلوغهما دروة التوتر والتمرد. وكما عودنا مسرح العبث، فإن العرض المسرحي حافظ على سمات العبث فيه، وقابلنا بمشهد جمهور شبح ضاعت ملامحه البشرية في ضلال إضاءة خافتة، جمهور فقد الحس الإنساني فيه، ذاكرته مثقوبة، جعلته يتنكر لمسرح زمان، مسرح القضايا الكبرى والهم الإنساني الخالد.

إنه لمن العبث أيضا ان يجد بيكيث نفسه أمام غودو الذي لم يظهر قط على الخشبة، فكما هو معلوم، فإن بيكيت في مسرحية ”في انتظار غودو ” تعمد ان يصنع فكرة الانتظار الذي يأتي ولا يأتي فقط في مخيلة الجمهور، كتعبير عن عبثية الحياة الخالية من المعنى. لهذا ليس غريبا أن نعيش مع العرض حالة من الغرابة، بل من السريالية أن يكون غودو المخلص في مسرحية بيكيت، هو من يبحث عن الخلاص، عندما دخل في عراك حاد مع كاتبه وهو يحتج عن عدم إنصافه ومنحه فرصة للظهور.
طيلة مشاهد العرض سوف نعيش لحظات محاسبة ومكاشفة، حسرة وانكسار، تنافر وتضاد، ثم تعاطف وتضامن، إنها لعبة التناقض التي تبنى عليها فنيات مسرح العبث، حيث استطاعت العملية الإخراجية أن تبرز ذلك بوضوح، وبالأخص لما جعلت من الفضاء الركحي، مكانا للهامش، فيه مصطبات ومكعبات، بجانب حاوية الزبالة المواجهة لبوابة قاعة المسرح، وهي بذلك لم تبتعد عن سمات شخصيات مسرح العبث المنتمية دوما للهامش.
تقنن الممثلان حسن بنشوك ومحمد القصير في الأداء، بينما حافظت السينوغرافيا المرئية والمسموعة على جمالية المشهد كما هو مستنبط من النص الذي لا يخلو من شاعرية اخاذة حيث نشير هنا الى خلفية المسرح المغلق واكوام الزبالة المتراكمة بجانبه، كما ننوه بالموسيقى واستحضار نغمات كمان التشيلو المحركة للمشاعر العميقة في النفوس.
لقد أدخلنا المخرج في أجواء من عبثية اللامعنى من خلال مشاهد تثير الحسرة بعد تواري النصوص العالمية لشكسبير واستحالة كل الإرث الكبير للنصوص الخالدة الى زباله مسرح، وبالتالي فقدان المسرح لبريقه الحافل بالجماليات حد الادهاش. فكان مشهد التشخيص بالأقنعة من أقوى لحظات العرض.
تنتهي المسرحية بحالة احتفاء بموت المسرح، وفي نفس الوقت حياة المسرح، بإصرار من غودو، وفي الحين يعاد تشخيص بداية مسرحية (في انتظار غودو)، كإعلان عن انبعاث المسرح رغم كل الانهيارات.
نشير إلى أن المسرحية من:
• ترجمة وإعداد وإخراج (مولاي عبد العزيز مهير العلوي).
• تشخيص الفنان (محمد القصير) والفنان (حسن بنشوك).
• الإدارة الفنية (د. إبراهيم الهنائي).
• السينوغرافيا (عبد العزيز مهير العلوي).
• الصوت والتوثيق (نهيلة أيت أفقير).
• مابينغ وإضاءة (أناس أفيتح).
• الكوريغرافيا والموسيقى (محمد القصير).
• إنتاج المسرحية (محترف ديونيزوس لفنون الأداء بمراكش).



