مقالات

صدى الغربة في مسرح الغرفة/ د. محمد علي ابراهيم الاسدي

شهد مقر رابطة شباب الفن في مدينة الكوت، خلال الفترة من 29 إلى 31 كانون الثاني/يناير 2026، عرض مسرحية “بلا اسم” تأليف وإخراج حسين وسام، وتمثيل سيف شمة وحسين وسام، مع موسيقى كرار الدريول، وإدارة تيسير وسام وأحمد حبيب وأمير شمة، وإشراف عام سجاد حنش المسعودي. العمل جاء كأول تجربة ضمن إطار مسرح الغرفة في المدينة، وهو فضاء مسرحي يقوم على تقديم العرض في مساحة صغيرة مغلقة، حيث يكون الجمهور قريبًا جدًا من الممثلين، مما يعزز التفاعل المباشر ويجعل المشاهد جزءاً من التجربة.

هذا النوع من المسرح له جذور عالمية؛ فقد قدّم هارولد بنتر في بريطانيا مسرحية “الغرفة” عام 1957، التي اعتُبرت منطلقًا لهذا الشكل المسرحي، كما قدّم الفرنسي جان تارديو نصوصًا قصيرة ذات طابع شعري ضمن فضاءات ضيقة، وفي العالم العربي برزت تجربة الأخوين ملص في سوريا عام 2009 حين حوّلا غرفتهما الخاصة إلى خشبة عرض. هذه الخلفية تجعل تجربة “بلا اسم” جزءًا من سياق عالمي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين النص، الممثل، والجمهور.

مضمون المسرحية تقوم على وصية يتركها الأخ الأصغر الذي مات في الغربة نتيجة الهجرة، ويقرأها الأخ الأكبر أمام الجمهور. النص يطرح ثنائية مأساوية بين الحي والميت، بين من بقي ومن رحل، ويحوّل الوصية إلى سلسلة من الاعترافات والبوح الوجودي. إشراك الجمهور في قراءة أجزاء من الوصية كان خيارًا إخراجيًا جريئًا، جعلهم شهودًا على مأساة الميت، بل شركاء في المسؤولية.

العنوان “بلا اسم” حمل مضامين رمزية وصورة لرسالة المسرحية التي تعكس فقدان الهوية ورفض التصنيفات، بينما موت الأخ الأصغر في الغربة يرمز إلى مأساة الشباب الذين يغادرون أوطانهم بحثًا عن معنى فلا يجدونه. النص يطرح سؤالًا وجوديًا: هل الهجرة خلاص أم موت بطيء؟ وهل الغربة قدر أم نتيجة مجتمع يطرد المختلفين؟

الأثر الفني من حيث الديكور شكل صورة ذاتية للشخصيات، فكرسي الواحد في منتصف الغرفة، يرمز إلى الغياب والمقعد الفارغ، وانعكاس للبنية الاجتماعية السفلية.

الموسيقى أضافت طبقة وجدانية من الحزن والانكسار وكان مكملاً لتشكل الصورة.

الأداء، اتسم بالصدق والحميمية، كما في مشهد قراءة الوصية لدور الاخ الاكبر (حسين وسام) حيث كان الجمهور على تماس مباشر مع الممثلين ايضا، كما في مشهد البكاء والنوم على كتف احد الجمهور ومسك اليد من قبل الاخ الاصغر (الميت) الذي جسده الممثل (سيف شمه)، وتكرار الجمالي لصدى صوت الاخ الأصغر من قبل الاخ الأكبر ، وهو ارتداد لصدى داخلي للشخصية، كأننا في عالمين موازيين بين الحياة/الموت، فهذا البناء البسيط في الشكل، العميق في المضمون، يخلق ثنائية مأساوية بين الحي والميت، بين من بقي ومن رحل. الأحداث لا تتطور وفق حبكة تقليدية، بل عبر سلسلة من الاعترافات والبوح، حيث تتحول الوصية إلى مرآة تكشف مأساة جيل كامل فقد مكانه في المجتمع.

عن طريق التجربة العالمية يمكن شرح مستوى الخطاب لمسرحية “بلا اسم” في الكوت، هارولد بنتر في بريطانيا جعل الفضاء الضيق انعكاسًا للقلق والتهديد الوجودي بينما جان تارديو في فرنسا كشف عبثية التواصل الإنساني عبر نصوص قصيرة، اما الأخوان ملص في سوريا أثبتا أن المسرح يمكن أن يولد من أبسط الفضاءات وأكثرها حميمية.

فمسرحية “بلا اسم” ليست مجرد تجربة أولى في مسرح الغرفة، بل هي شهادة فنية على مأساة الغربة الناتجة عن الهجرة. الأخ الأكبر يمثل الضمير المتأخر، والجمهور يصبح شريكًا في المسؤولية. بهذا العرض، وضعت الكوت نفسها على الخريطة العالمية لتجارب المسرح الحميمي، مؤكدة أن المسرح يمكن أن يكون أداة لكشف الحقائق المؤلمة ومساءلة المجتمع، وفي المشهد الاخير خرج الأخ الاكبر وترك الجمهور في حالة من تساؤل حول هلسيعود؟، ماذا سيفعل؟، هل انتهت المسرحية؟، هذا الفراغ جعل المشاهد جزء من تكوين الختامي للعمل، بحيث ان المتلقي هو من رسم خاتمة العمل وليس المخرج الذي جعل النهاية مفتوحة لما تأثر بهي المتلقي من عواصف وجدانية وتداخل الاحاسيس والضغط النفسي على اللاوعي الجمعي للمتلقي حول مفهوم الهجرة والموت والوصية، وبالختام اراد المخرج المؤلف ان يقول هذه وصيتي عن الحياة، فاريد انعكاسًا لصداها بعد ان تخرج من هذه الغرفة.

 

* د. محمد علي ابراهيم الاسدي / ناقد مسرحي

 العراق – واسط- الكوت

شباط/٢٠٢٦

moibrahim@uowasit.edu.iq

Related Articles

Back to top button