أوبرا أورفيوس: رحلة بين الموسيقى والأسطورة على المسرح السويدي/ د. فاضل الجاف
تستهويني مشاهدة العروض الأوبرالية كثيرًا، وأعتبر أن أروع فترة في حياتي استمتعت خلالها بمشاهدة عروض الأوبرا كانت فترة دراستي في روسيا والاتحاد السوفيتي، وبالأخص في مدينة بطرسبرغ، حيث يوجد مسرح مارينسكي العريق، الذي يُعدّ واحدًا من أهم مسارح العالم لعروض الأوبرا والباليه.
كنت أرى دائمًا أن من الضروري لمخرجي المسرح والعروض الدرامية أن يواظبوا على مشاهدة الأوبرا باستمرار، فقد كانت بالنسبة لي مدرسة بصرية وجمالية متكاملة. شاهدت خلالها أوبرا زواج فيغارو لموزارت، وأورفيو لكلاوديو مونتيفيردي، وعايدة لفيردي، إضافة إلى ليدي ماكبث من مقاطعة متسينسك لديمتري شوستاكوفيتش، وغيرها من روائع المؤلفين الموسيقيين.
أما في السويد، فقد اعتدت على حضور عروض الأوبرا في مسرح دروتنينغهولم العريق، الذي يُعد تحفة نادرة في تاريخ المسرح، سواء من حيث العمارة أو من حيث تقنيات خشبته الفريدة.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة بإيجاز إلى مسرح دروتنينغهولم:
هو مسرح تاريخي في ستوكهولم بُني عام 1766 على يد المعماري كارل فريدريك أدلكرانتز، ويُعد من أبرز المسارح الباروكية في العالم وأكثرها حفاظًا على أصالته. يقع بجوار القصر الملكي ويشتهر بآلياته الميكانيكية الأصلية التي ما تزال تعمل حتى اليوم لتغيير المشاهد وإنتاج المؤثرات المسرحية. ازدهر في عهد الملك غوستاف الثالث، الملقب بـ”ملك المسرح”، قبل أن يتوقف نشاطه في القرن التاسع عشر، ليُعاد ترميمه في القرن العشرين. واليوم يُعد موقعًا للتراث العالمي ومركزًا لعروض الأوبرا والمهرجانات، مما يجعله شاهدًا حيًا على تاريخ المسرح الأوروبي.
من الطريف أن أذكر أنني زرت هذا المسرح عام 1984 ضمن جولة علمية مع مجموعة من طلاب قسم المسرح بجامعة ستوكهولم، حيث كنت أدرس العلوم المسرحية آنذاك. اصطحبتنا أستاذة تاريخ التقنيات المسرحية في زيارة علمية الى داخل المسرح back stage لاكتشاف أسرار خشبة المسرح وآلياته البديعة لتغيير المشاهد وإدخال الديكورات بأسلوب عملي سلس قبل اختراع الكهرباء والتطور التكنولوجي. لهذا السبب يزداد مسرح دروتنينغهولم قيمة تاريخية يومًا بعد يوم.

هذه القيمة لا تقتصر على كون هذا المسرح أثرًا معماريًا، بل تكمن أهميته في كونه شاهدًا حيًا على فنون العرض في القرن الثامن عشر، ومثالًا على التقاء العمارة بالتقنيات المسرحية التقليدية. كما يمثل نقطة مرجعية أساسية للباحثين في فن المسرح ومصدر إلهام للمخرجين والفنانين المعاصرين.
بالأمس حضرت عرض أوبرا هبوط أورفيوس الشهيرة، وتعود قصتي مع هذه الأوبرا إلى مطلع السبعينيات، حين كنت طالبًا في قسم المسرح بأكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد، حيث قرأت مسرحية الكاتب الأمريكي تينيسي وليامز التي حملت العنوان نفسه. أعجبتني حبكتها آنذاك، رغم ما اكتنفها من بعض الغموض. أما بالأمس، ومع مشاهدتي للعرض السويدي، فقد استمتعت به إلى أقصى حد، وأدركت عمق الجوانب الرمزية والوجودية الكامنة في القصة، التي تستعيد في بعض تفاصيلها أصداء ملحمة جلجامش ورحلته إلى العالم السفلي بحثًا عن صديقه إنكيدو.
أوبرا هبوط أورفيوس من تأليف جورج فيليب تيليمان، وتحكي قصة الموسيقي الأسطوري أورفيوس الذي ينزل إلى العالم السفلي لاستعادة زوجته يوريديس بعد مقتلها على يد ملكة تراقيا بدافع الغيرة العاطفية الجارفة. ورغم نجاحه في إقناع آلهة العالم السفلي، فإنه يفشل في الالتزام بالشرط القاضي بعدم النظر إليها أثناء عودتهما، فيفقدها إلى الأبد. تتعقد الأحداث مع عودة أوراسيا، التي، بعد رفضه لها، تدبر مؤامرة تنهي حياته. الأوبرا تسلط الضوء على التوتر بين الحب والإخلاص من جهة، والغيرة والانتقام من جهة أخرى.
الموسيقا في أورفيوس تُحاكي مشاعر الأمل واليأس حسب المشاهد بالتناوب، مما يعكس ثنائية الحب والموت التي تشكّل جوهر القصة.
وقد برزت في الأداء المغنية الأوبرالية العالمية فلوري فاليكيت في دور الملكة، فاليكيت مغنية أوبرا كندية من أصل فرنسي، تُعد من أبرز الأصوات الشابة في عالم الأوبرا الكلاسيكية. تتميز بقدرتها على أداء أدوار متنوعة تمتد من الأوبرا الباروكية إلى الكلاسيكية والفرنسية.
اللافت في هذا العرض المزج بين اللغتين الألمانية والإيطالية في حواراته وغنائه، إذ قُدمت مشاهد باللغة الألمانية وأخرى بالإيطالية.

وتزداد هذه الرحلة فتنة بتناوب اللغتين الإيطالية والألمانية، في حوار موسيقي يعكس تعددية العاطفة الإنسانية؛ فالإيطالية تمنح الغناء نعومة رومانتيكية، فيما تضيف الألمانية صرامة وقوة درامية. وبين الغناء الفردي الحزين والمقاطع الحوارية السريعة، تتكشف الدراما الموسيقية في أوضح صورها، هنا تتحول الموسيقى إلى لغة كونية، تستعيد فكرة الخلود وتفتح للمستمع بوابة بين عالمين: عالم الحياة وعالم ما بعد الحياة.
أما الإخراج (للمخرجة الإيطالية بارباليتش)، فكان حيويًا وديناميكيًا، تجلى في الرقص وحركات الممثلين وإيماءاتهم، إضافة إلى التشكيلات الجماعية التي زخرت بها معظم المشاهد.
أحد أهم سمات هذا العرض الدقة الفائقة في تنفيذ السينوغرافيا (للمصمم كريستوفر نيلسون)، بما يعيد إلى الأذهان تقنيات العصر الباروكي.
ولا يخفى أن تاريخ المسرح الحديث يشهد على رغبة عدد من كبار المخرجين في العودة إلى إخراج أوبرا أورفيوس، وفي مقدمتهم المخرج الروسي فيسيفولود مييرهولد، خلال عمله مخرجًا في المسرح القيصري (مسرح مارينسكي ومسرح ألكسندرينسكي) قبل ثورة أكتوبر.



