نقد

كتاب الخميس (الحلقة التاسعة والستون) / سعد يونس حسين

اسم الكتاب : “ مسرحية من هنا بزغ النـــور”

الكاتب: الدكتور عبد الكريم سلمان

الناشر: مكتب عدنــان – بغـداد / سنة الإصدار : 2025 م ، الطبعــة الأولى

 

***************

 

نحو مسرح هادف..استدعاء مكامن الإشعاع وحفر في التاريـــخ

 

للتاريخ صور كثيرة وسفر مفعم بالأحداث مرت على البشرية منها اضمحل ومنهــا لازال يُذكر لم يندثر مع الزمن، رغم مرور حقبه واختلاف الرؤى.. لكنها.. بصمة لا يمكن للمؤرخين والادباء والكتاب أن يتخطوها …

لقد نهل الكاتب والمخرج العراقي، اضاءات من سيرة التاريخ بعد دراسات ونبش مكنوناته من والولوج في دهاليز الكتـب والمصادر ليخرج لنا بموسوعة او بانورما … عرض فيها جواهره كما يبدو من خلال سيرة الاحداث، والكاتب له تاريخ ادبي وفني، حيث حصل على عدة جوائز في اعمال تترا، منها جائزة افضل عمل مسرحي ” رأس الدبوس ” .

وجائزة درع وقلادة الإبداع عن نص “عندما يتنفس الشهداء” في مهرجان يوسف العاني للمونودراما الثاني، له عدة إصدارات من نصوص مسرحية (الملك والنهر، النص المسرحي في عروض كلية الفنون الجميلة، آليات اشتغال التجريب في العرض المسرحي … الخ.

وهو عضو في جمعيات واتحادات عديدة منها اتحاد الأدباء الكتاب في العراق ونقابة الصحفيين والفنانين ورئيس فرقة التسعين للتمثيل وهو مستشار أدبي وفني في مجلة دراسات الطفولة العربية واخرج العديد من المسرحيات منها من تأليف كانت السطــور “الألق الذي لا يأفل” ومسرحية “حلم مسحراتي” والتي عــرضت في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق…

كتب كثيرة من الدراسات والمقالات والتي تهتم بالأدب والمسرح وفنونه .. ومسرحية من هنا “بـزغ النور”وهي آخـر أعماله حيث حصل فيها على جائـزة أفضل عمل مسرحي لعام 2025 في مهرجان عيون النسخة 17 وقد علمت لحظة اعداد القراءة…

يقـول “سلمان” في ملخص فكرة المسرحية ” كتب الكثير عن السفر الخالد للعراق، وملئت الصفحات بوجهات نظر، وللاطلاع عليها يحتاج الى امكانيات من حيث الوقت وتوفــر المادة ولسعتها، ومن هذا المنطلق وجدت ان امر وبومضات على جانب من هذا الصرح الذي له وماله … فولدت (من هنا بزغ النور) وهي فرصة لمد ميسور المعرفة والصداقة مع الآخر، حيث يُعــرف وبصورة تفاعلية الاضاءات التي كانت لها بصمة في تاريخ البشرية ”

ثم أعطى وصفاً دقيقاً لأحداث المسرحية حيث قال ” تدور احداث المسرحية وهي مزيج من السيرة والتاريخ والملحمة .. والواقعية التي تتخللها الرمزية من خلال محطات ووقفات بارزة في سفر الحضارة العراقية والتي امتد شعاعها وملئ الخافقين، تجولت وبدأت مشواري بملحمة كلكامش والتي تجسد صراع الانسان مع الخلود وسعيه للمعرفة وتدرجت بالأحداث ومررت بالف ليلة وليلة ثم سارت قافلة النور عبر بوابات الزمن العتيد …

لقد توج مسرحيته برسائل سلام انسانية وحب عالمية حيث اشار الكاتب الى موضوع الفكر الانساني والذي خاض صراع ومعارك كثيرة على مدى حقب التاريخ.

وكتب في ملخص فكرته حيث قال: ” هي دعوة لاستلهام قيم ومُثل الحضارة العراقية في بناء افق مفعم بالتعايش وحب الاخر”.

وله كلمات لها عمق ودلالة حيث قال: ” لنصنع من التاريخ بذرة حـبونبــذ الكراهية، لقد استخدمت حوارات وتقنيات مسرحية وانارات محاولا وصول المتعة والغاية الى المتلقي، وهي بالحقيقة يمكن ان تكون بانوراما وعمل كبير يحتاج الى تظافر الجهود لانه يحمل رؤى اخراجية عديدة”. المسرحية فيها (13) شخصية مع مجموعة من الممثلين الراقصين وصوت خلف الكواليس .

من خلال قرائتي للنص وجدته مناسب لكل زمن وفي كل مكان، كما ذكر المؤلف. ويتكون من (15) مشهد … عمل فيه فلسفة وفيه قرارات عديدة. ابتدئها بمشهد استهلالي، حيث ادخل المتلقي في اجواء التاريخ وما تعرض له من هجمات بربرية وبلوحة، استخدام فيها المؤثرات ليعّد المتلقي لأحداث درامية، وبحرفية “سلمان ودربتـه ” واضافةً الى كونه مخرج، مما زاد العمل لمسات وحيث الخط الدرامي متوجها نحو الهدف المخطط له.

وفي المشهد الثاني، يغزو المسرح كلكامش والكهنـة ومرافقيه، وفي محاولة التعريف بالشخصيات ادار حواره بسبك حيث وصف القادم بأوصاف من السهل على المتلقي ان يتعرف عليها كيــد المتلقي ليس سطحياً، فما يخص هكذا اعمال يعرف لماذا حضر…

كمصداق هذا الحوار بين كاهنين ينظرون إلى الموكب:

” كاهــن1: (همســاً مسموع) من هذا القادم للمدينة ؟

أرى هيبة ووقار الطلعة … رجل … بموكب

لا شك من يســـأله … يوهــب او

من المهـــيب السموم …. يرهــب

او … أو ….

كاهن2: انــــه كلكامـــش

اللباس مزركــــش…

العنفــوان … مبهــرج

اترى … مشيته … انظر .. انظر

لا .. لا .. استطيع وصفـــه

لو اقام … دينــاً .. لصدقنـــاه

انه كلكامــش … (بصدى) ”

عمق العبارات من كثرة الانبهـــار وصل بهم وهم كهنة بان يقولوا لو اقام دينا لصدقناه

من خلال الوصف بدأ بالتعريف بالشخصيات وهو اول الهرم في البناء الدرامي

استنطق واستدعى ما في ذهن الكهنة ليتعرفوا على كلكامش ثم بـدأوا بيان عظمة هذا الملك … وهي مقدمة لتعريف الجمهور بمكانته ودوره بالتاريخ ولماذا خلد في سفره ..

لقد ابدع “المؤلف” حين وضع لوحة فيها رمزية عالية حيث ظهر ممثلين وممثلات يرتدون الزي السومري عدا احدهم وبعضها (الممثلات) يرتدون الزي الحديث ويرفعون بحركات راقصة التاج .. ايحاءاً ان الجميع تحت سلطة كلكامش … الملك الذي حفر اسمه في ذاكرة التاريخ .. ولكي يجذب المتلقي، جعله يصرخ ” أنا كلكامش”.

أي، الكل بيدي وقد رسم ” عبد الكريم” صورة مغايرة عن كلكامش حين امر الكهنة بان يقتلوا كل من يدعي انه آله … وهنا اعطى الكاتب دلالة هو مسألة الخرافات او أراد ان يعلمهم انهم تحت سلطاته أي انه الاله الاوحد. فدعى الى السلام من خلال قتل من يدعي انه تجاوز سلطته … وهي ثنائية فيها تناقض لكل بعد فكري…وخلال الحوارات، اشار “الكاتب” الى عظمة كلكامش حيث قال …

” انا باني هذه المدينة

انا سجل الشعوب الحاضرة والقادمة ،

لا يستطيع احد ان يهمشني ولن تتغير ملامحي

ستجدوني هناك حيث شعاع الشمس

ويذكرني حتى اعدائي

أنا كلكامش ( يصرخ)

أنا تنهل مني الحضارات لتخلق أصل الجذور

انا الاحجار الكريمة

انا الرخام … انا ( بصدى)”

دقة التعايير واستخدام اللغة العالية كإحدى أدواته في كتابة رائعته فهي تشير الى قراءة في سجلات التاريخ القديمة

(الذي سيأتي).. انه لا يعلم

الغيب بل يستنطق الأحداث

ويقرأ خلف السطور ويكمل :

” انا الحروف

انا بابل

انا اشور

انا كل الاماكن

انا انا ماذا، لكن، هذا قليل

انا الهرم” ..

ليس غروراً او خيلاء او لكنه يسطر مفردات التاريخ ليكون رمزاً يحوي جميع ما قال،ثم استكمل :

” انا الجنائن المعلقة

انا الشناشيل العتيقة

انا الريف .. انا الحضر

انا الفرح .. انا الضجر

انا سفركم الذي ازف

انا التاريخ الذي يأتي”

وهنا اختصر سفر التاريخ فيه الى ان يقــول:

” انا “الإله الأوحد” وهنا هو ماسك كل شيء… شخصية بناءها مختلف

ارهب المدن والصحارى والجبال والوديان يقــول :

” هيا الرؤوس واحرقوا الأجسام

وذروا رمادهم في الهواء وحطموا هذه الأحجار

التي يدعونه إله

انا الاله الاوحد (استدراك)

ولكن لا .. ليس بالهواء… بالقفار .. لترتعب مني

الثعالب والذئاب”

وهنا رمز للشجاعة والبطش ومسك السلطة بالحديد والإقناع كنتيجة له، في حين فيها قدم انه سيبني المنابر وهو القادر وبيده كل شيء حتى الحب .. المصائر..لقد جعل من نفسه اسطورة قد لا يتحملها عقل الانسان … الحديث…الى ان ساد بدون شك انه اله حق بيده الموت والحياة استخدم المؤلف الثنائيات والتضادات في حواراته ليزيد ويثير المتلقي ويحدث جدل داخله .. حيث يرى التناقضات في شخصية كلكامش ويرى ذلك على سبيل المثال:

” كلكامش رغم (يأمر) واجلب لي الاسارى وتذكر

انني ملك الملوك!… الاله!

انا المآتم … انا الصلح الذي سيتم بيدي كل شيء”

وختم “سلمان” المشهد بمعزوفة سومرية مع لوحة راقصة للدلالة كل الزمن وترسيخ للاحداث لدى المتلقي ثم تتوالى المشاهد والتي اغلب حواراتها لكلكامش وليعطي اشارة كما انه ملك اله بيده كل شيء… له اغلب الحوارات … انه مادة العمل ومحورها ومن خلالها يقول:

” كلكامش : انا كلكامش

انا الاساس

باني البشرية

انا حفيد من سلالة جدي نوح

انا ينبوع الحضارة

انا من سأكون على الالسنة في قابل الحقب ”

هنا تجول بالتاريخ الذي ازف وذهب الى حيث ما يأتي بالقادم …لدرجة يقول انه سيخرج في صدى الكلمات لا رهب الاعداء وهو يبني حماية الاحفاد … ويستقرئ مستقبلهم ادخل ” الكاتب” القيثارة البابلية” وراقصين بزي بابلي وعزف لحن …

بمناسبة انتصاره على البرابرة المخربين طعَّم اجزاء العمل بلوحات راقصة وبازياء تحكي حكاية الزمن وحقبه وهو يمرر شريط التاريخ وبسلاسة من خلالهما حيث يدخل عدد من الممثلين بازياء تدل او توحي الى الحضارات العراقية على التوالي السومرية والبابلية الاشورية… الخ مع حملهم اجزاء ورسومات تدل عليها والتي ظهرت بعد كلكامش ..

ثم اشاد “الكاتب” بانجازات الحضارات القديمة كالزرع والسقي واللغة حيث يقول:

كلكامش : “لقد كتبنا بلغة لا يفك طلاسمها

نعم ، لا يمكن ان يفهمها غيرنا

لم يستطيعوا فك رموزنا… من يضرنا

الا احفادنا ومن مشى بعروقهم دمنا”

انه يرمز الى الخلود والذي ادركه بعد ان مات انكيدوا .. انها الاعمال المجيدة

هي من تخلده ..ثم ادخل قصيدة ذكرت او جزء والتي ذكرها ” طه باقر” يقول:

” قال اوتو … بنشتم لجلجامش

ان الموت قاس لا يرحم

متى بنينا بيتا يقوم الى الابد؟

متى ختمنا عقداً يدوم ال الابد؟

وهل يقتسم الاخوة ميراثهم ليبقى الى الابد؟

وهل تبقى البغضاء في الارض الى الابد؟

وهل يرتفع النهر ويأتي بالفيضان على الدوام

والفراشة لاتكاد تخرج من شرنقتها فتبصر

وجه الشمس حتى يحل اجلها

ولم يكن دوام وخلود منذ القدم

وما اعظم الشبه بين النائم والميت

ألا تبدو عليها هيئة الموت

من الذي يستطيع ان يميز بين العبد والسيد اذا جاء اجلهما”

وقد رافقت القصيدة موسيقى وحركات للممثلين تتناغم مع الكلمات التي، كأنها خارطة طريق للخلود ثم انتقل بنا الى شهريار والجواري والراقصات والراقصين وشهرزاد التي ملئت كتب وروايات وقصة الدهر وكذلك كأنما تحققت كلمات كلكامش في من يكون بعده يقول شهريار:

” انا شهريار

انا الحكم .. انا السلاح

انا الملك .. اعشق الليالي الملاح

انا اعشق القمر حين يكلم النجمات

وانا الغيث الذي ينشر خيره على البراح

انا الحكايات … ”

ثم تستمر الاحداث وبالتسلسل الحقب ولمحة من نور تلك الحقب…ثم ينتقل “سلمان” ليتحدث عن العراق بشموخه وعروبته … ودوره بالتاريخ وباسلوب درامي واستخدام الحوار المؤثر.

واشار ” الكاتب” وهو يتوعد الغزاة :

“ونحن البناة

نحن الحلم

نحن السف

نحن القلم

من آخانا سلم

ولكن من يفكر بأوطاننا حلم

ومن عادانا ندم”

انها رسالة لمكانة العراق العصي على الغزاة ومن يفكر بغزوه … ولكن كانه يقول:

نحن الباقون … مهما طالب الزمن، الغزاة يرحلون ومن المعلوم ان اصل المسرح شعر

ولا ننسى كتاب ” فن الشعر” لافلاطون فكانت ارجاء المسرحية مطعمة بأشعار تعبر عن الاحداث والتي غالباً ما ترافقها اللوحات الراقصة والموسيقية التي تعبر عن تلك الحقب، ثم تسير عربة التاريخ وينتقل الكاتب ويقترب من العصر الحديث واضاف حوارية باللغة العامية والتي كانت تعبر عن البطولات في منتصف وبداية القرن العشرين حيث ينتقل بالمتلقي الى ظهور الشيخ العربي وهو يهزج ويقول في كلمات رائعة ومؤثرة :

“خلهم يحركون العفش

وخلهم يهدمون المدافع

آنه ابن العراق الما تعب ولا يأكلني

ذيب الغــــدر ،

ولا تتعب اجدامي من ضرب المجارف بكاعي

آنه ما تهزني الريح

انا التاريخ يشهدلي

آنا الهزيت كاروك الحضارات

آنه الرديت العدو وبجفن اسود.. انا ابن العراق

بساعد صلب .. ابد ما يلين”

لوحة شعرية درامية تعبر عن الفخر بتاريخ العراق وابناءه الشجعان ثم ادخل المكوار وهو رمز للثورات ودرج الكاتب وبموائمة مع الخط الذي مشى في سباكة النص وادرج قصيدة لشاعر العرب الاكبر “الجواهري” وهو يرسل رسائل الشوق الى العراق ومنها يقول الجواهري:

“اني لا شتاق الى العراق واهله ويروقني في ظل عليه طليل

واحب شاطئه وروعة سفحه تحنو على الامواج منه”

لقد بلغ قمة التعبير والشفافية حيث ادرج الحوار التالي:

” الممثل الثاني : اقول ولامدحاً

الثالث : اتحفنا

الثاني: حتى حين ترفضنا الاوطان … ونّحنُ اليها

تبقى تسري في عروقنا

ترى هل نحن نختلف”

ثم يُطعم الكاتب (عبد الكريم سلمان) مسرحيته بكلمات للشاعرة لميعة عباس عمارة من”قصيدة “بغداد”

وجاء الى المشهد ( 15) وهو عبارة عن لوحة يختم بها رائعته وفيها يظهر الممثلين وبأزياء تعبر عن الحقب التاريخية وهو يؤدون رقصة فيها من التاريخ والحداثة ويظهر كلكامش وهو يقول للجمهور:

“انا كلكامش منذ الاف السنين واليوم انا رمز التاريخ

وعبقة يخبرني، في كل مكان وزمان ،

وفي كل كراس وديوان ، في حكايا الاطفال

وسيرة الاطفال .. انا هنا انا العراق”

ثم يُعزف السلام الجمهوري وفي تشكيلة يقوم الممثلون برفع كلكامش وهو ماسك علم العراق. انها رحلة … طويلة .. عرضها المؤلف كنور مر وعلى عجالى، لخص الاضاءات وارسل رسائل يفهمها المتلقي وواشج الكاتب بين القديم والحداثة وباستخدام تقنيات صوتية وفي تصميم اللوحات والرقصات والازياء والاضاءة والمؤثرات.

ولم يأخذ المتلقي في افكار جانبية انما فكرة واحدة، خط درامي واحد.

انه قطار التاريخ ونوره البازغ، والتسلسل الطبيعي في الخط الدرامي وحقق قراءة لجانب من التاريخ مع متعة للمتلقي…واعود واكرر، عمل قيم، عظيم يحتاج الى من يتبناه ويضعه على خشبة المسرح…. لقد كان المؤلف المخرج… مخرج مؤلف.

Related Articles

Back to top button