انت هنا : الرئيسية » نقد ودراسات » جماليات المكان الحر (الممسرح) في العرض المسرحي المعاصر/ د. سامي الحصناوي

جماليات المكان الحر (الممسرح) في العرض المسرحي المعاصر/ د. سامي الحصناوي

جماليات المكان الحر (الممسرح) في العرض المسرحي المعاصر/ د. سامي الحصناوي

*مقدمه لابد منها:

غالبا ما تتصارع الايدولوجيات لتثبت إن احدها الأحق بالبقاء من الأخرى …وكذا النظريات التي تحاول أن تزيح مثيلتها أو غريمتها لتتسيد الساحة وتعلن أنها هي صاحبة الريادة والأولى في البقاء والوجود .. وكذا النظريات ألمسرحيه منذ نشأتها كانت تتبلور على وفق معطيا ت المحيط والبيئة والظروف التي نشأت

بها، حيث مثلت جمله حقائق أفرزتها طبيعة المجتمع وأفكاره بعد تبنيها على مستوى الاقتصاد أو السياسة أو التكنولوجيا … فمن الكلاسيكية ألقديمه لليونان والقوانين الصارمة في الوحدات الثلاث و التطهير إلى الكلاسيكية الجديدة في منتصف القرن السادس عشر وفهمه على الأسس القديمة في النظام والوضوح والمثالية مع الابتعاد عن المواضيع الأسطورية أو الصراع الخارجي بين الإنسان والقوى الخارجية وضعف الالتزام بالوحدات وابتعادها عن التطهير ومحاوله مزج الكوميديا مع التراجيديا ، ثم جاءت الرومانتيكية كرد فعل على تزمت الكلاسيكيين ورجعيتهم،فكانوا ميالين إلى مناقشه المواضيع الحديثة وترك الوحدات نهائيا وضرورة عرض الحوادث في أماكنها الطبيعية وجعلها تتحدث عن ذات الإنسان لا الجماعة ..ثم جاءت الواقعية لترسخ مبدأ الجماعة والهم العام لسواد الطبقة المسحوقة …ثم أتت الطبيعية ربيبه الواقعية لتكرس مبدأ حقيقة الشئي ونسخ الحياة على خشبه المسرح بلا أدنى  رتوش ، وهكذا استمر هذا الحال إلى عصرنا الحديث والمعاصر حيث ظهر ( فرويد ) فمتزج علم النفس بنظرياته المعقدة مع خطورة تحليل الشخصية وسلوكها، حيث جاء ( ستانسلافسكي ) بطريقته الإندماجية وإقامته الجدار الرابع، وكذا جاء (برخت ) حيث أزال هذا الجدار الوهمي ليعلن تغريبه المسرح، وهكذا باتت تترسخ فكرة الإحلال والحداثة ليكون المسرح عرضه للنفلات المبدع على الصعيد الفكري والشكلي وليعلن روح الحرية والثورة على أشكاله التقليدية وخروج الممثل من رق جدرانه المتحكمة إلى ساحة الإنعتاق في المسارح البسيطة العدد و التجهيزات ومن ثم إلى الشارع والجبل والسهل والكهف والمقهى والكنيسة والهواء الطلق  لينفتح عصر جديد من تحرير المكان المسرحي في تقليديته على اعتبار أن الخشبة  هي إعادة بناء وليست طبيعتها البنائية التي تجعلها خشبه مسرح بل حقيقة كونها تمثل مكانا دراميا. وليكون هدف تلك الأماكن الجديدة والممسرحة حديثا هو إزالة حدود الفضاءات والمساحات الوهمية المفترضة ولتكون وحدة امتزاج الخشبة مع الصالة هما هدف هذا المكان الممسرح وإبراز جمالياته على وفق عشوائيته وتكوينه الوظيفي أو الفطري الأول ، ولكن ثمة إشكالات في تجربة  مسرحة المكان ..أهمها…هل يفترض أن هناك صلاحية أو تطابق بين النص المكتوب وتفاصيل وطبيعة ذلك المكان الممسرح؟. ثم مدى قدرة ذلك المكان الحر(الممسرح ) على استيعاب حركة الممثل مع الجمهور والعناصر المسرحية الأخرى؟. ثم ما هي نسبة الألفة بين ذلك المكان الممسرح والممثل والمتلقي في أجواء قد تبدو غير مريحة نوعا ما ؟ وما قدرة ذلك المكان الممسرح على التأثير الدرامي على الممثل والمتلقي في آن واحد ؟ ومدى السيطرة الميدانية للممثل على المؤثرات الجانبية من ضوضاء وصخب على تركيزه وانتباه ؟

* و تعاريف لابد منها:

أ – الجمال :

يعرف الجمال لغوياً بأنه ” صفه تلحظ في الأشياء وتبعث في النفس سروراً ورضا، وعلم الجمال باب من أبواب الفلسفة يحثفي الجمال ومقاييسه ونظرياته، ويقال جمالك: اصبر وتجمل وجمالك ألا تفعل هذا: لا تفعله والتزم الأمر الـذأجمل” (1). كما يعرف الجمال اصطلاحاً بأنه ” نزعه مثاليه تبحث في الخلفيات التشكيلية للإنتاج الأدبي والفني ، وتختزل جميع عناصر العمل في جماليه” (2) وكذالك ” تفيد الجمالية بمعناها الواسع محبة الجمال، كما يوجد في الفنون بالدرجة الأولى وكل ما يستهوينا في العالم المحيط بنا” (3) كما يعرف ” بأنه اللذة المتحققة موضوعياً” (4).

ب – المكان:

 يعرف المكان لغوياً بأنه ” مكان ، يستقر فيه – ومن الشيء: قدر عليه أو ظفر به” (5). وجاء في كتاب التعريفات بأن ” المكان المعين له اسم نسميه به بسب أمر داخل في مسماه، كالدار فإن تسميته لها بسبب الحائط والسقف وكلها داخله في مسماه ” (6). وفي موضع آخر فأنه” المشهور بين الناس جعل الأرض مكاناً للحيوان والهواء المحيط  به حتى لو وضعت الدرقه على رأس في بمقدار درهم لم يجعلوا مكانها إلا القدر الذي يمنعها من النزول كذا” (7). أما المكان اصطلاحاً فإنه “المكان الأليف وذلك هو البيت الذي ولدنا فيه أي بيت الطفولة، إنه المكان الذي مارسنا فيه أحلام اليقظة وتشكل فيه خيالنا، فالمكانية في الأول هي الصورة الفنية التي تذكرنا أو تبعث فينا ذكريات بيت الطفولة ومكانة الأدب العظيم تدور حول هذا المحور” (8).

ج – المكان الحر ( الممسرح ):

يعرف الحر بمعناه اللغوي بأنه “خلاف العبد ، ومنه التنزيل ( أني نذرت لك ما في بطني محررا “(9). أما في معناه الاصطلاحي المسرحي فهو ” تحرير مفهوم الخشبة من قيودها البنائية” (10). وكذلك فإن المكان الممسرح  ( الحر ) ليس فيه من ” الضروري أن يكون فضاء الخشبة فضاءً، لأن الصوت يستطيع أن يكون الخشبة والموسيقى تستطيع أن تكون الحدث الدرامي والمشهد أن يكون النص” (11). وكذلك يمكن” أن يكون مسرحاً بشرط أن يوفر مكاناً كافياً لتحريك الممثلين ووجود الجمهور” (12). وأخيراً فإن المكان الحر يعني ” توليد إشارات مسرحيه بلا حدود ومعاني لا متناهية ناتجة عن إمكانية إعادة تشكيل لانهائية لمساحة المسرح”(13).

د- المكان المسرحي:

هو المكان المسرحي الذي ” يتحدد بعلاقته المادية والمعمارية بالمدينة من الأماكن المسرحية ( المسرح الإغريقي، مدرج المسرح الروماني ، أوبرا باريس )”(14). وفي موضع آخر هو المكان ” المحافظ دائماً وبشكل صارم على حدوده الفاصلة والنظم الإنسانية حددت هذه الحدود بإنشاء مبان مخصصه للمسرح بل وتحمل اسم المسرح، ولكن المباني المؤقتة التي يتم إقامتها في الساحات أوفي الملاعب ليست أقل انعزالاً وتحديداً بشكل تقديري إن لم بشكل مادي عن بقية العالم” (15). وكذلك يعني” أن يكون المكان المنصي بالنسبة للفنان الممارس كما هو بالنسبة للجمهور من المعطيات المهمة التي ينبغي له أن يعرف كيف يتصرف حيالها” (16)

** المحطة الأولى:

ـ العرض المسرحي بين العلبة و مسرحة المكان:

 يدرك الجمهور الإغريقي عندما يتوجه إلى مسرحه ويشاهد إحدى عروضه فإنه سيرى أن ذلك المسرح بلا سقف وأن السماء فوقه يعجز أن يتجاهلها وأن الريح والدخان والمطر وضوء الشمس داخله إليه في أي لحظه لا محال، ومثل هذا التواجد كان يسبقه إرث بدائي في المشاهدة، ففي بداية الأمر لم يكن المسرح الإغريقي يعرف هذا البناء المهول من المسارح الكبيرة بل كان يقدم عروضه الأولى في زمن ( ثسبيس ) عام (535ق.م ) على عربات حيث يذكر” هوراس شيئاً عن (عربة) ومنها يمكن الاستنتاج أن ثسبيس لابد وأنه كان يقف على عربه في وسط الكورس وأنه كان يمثل لجمهور يحيط به من كل ناحية”(17)، هذه البداية الصعبة للمسرح الإغريقي قد بدأت في فضاء بعيد عن المساحات التقليدية للمسرح، ومثل هذه العروض كانت تقدم في الأسواق والقرى، ولكن بتطور الدراما الإغريقية بعد ذلك وظهور المسابقات الرسمية ظهر المسرح المفتوح الواسع حيث ” اتخذ المسرح الإغريقي شكله المعروف بمدرجاته التي تستقر على الأرض الصلبة في أسفل الجبل، ولعل مسرح (ديونيزيوس) بأثينا الذي قدمت عليه لأول مره مسرحيات ( اسخيلوس ،وسوفكلس،ويوربيدس،وارستوفانيس ) أشهر المسارح الكلاسيكية” (18) ثم أقيمت بعد ذلك المدرجات الكبيرة على شكل نصف حدوه ليأخذ الشكل النهائي في تقديم العروض اللاحقة حيث أصبح الجمهور الإغريقي يرى العروض من مكان مرتفع خلاف المرحلة السابقة حيث كان يجلس بمستوى واحد في مسرح دائري كبير، فقد” تطور فعل المشاهدة بطريقه متأمله من فعل المشاهدة التلقائي بطريقه تنطوي على المشاركة ومن تحديد فضاء مخصص للمشاهدة كما يتجلى في نشاط المسارح المتقدمة التي تأخذ شكل حدوة الحصان” (19). أما في العصر الروماني فقد اخذ الكثير من التصميم العمراني الإغريقي بالإضافة إلى إنشاء مسارح ذات خشبه عملاقه تميزت بخشبه مسرح طويلةوضيقه تمثل شارع تحيط به عدة منازل، حيث أن ” بعض هذه المسارح المؤقتة كانت من النوع الذي يستخدم في الاحتفالات الخاصة بالانتصارات العسكرية أكثر من استخدامه لاحتياجات العروض المسرحية” (20). ولكن بعد ذلك ظهرت الحاجة إلى بناء مسارح من الحجر، حيث باتت النزعة المتعالية الرومانية تتفاخر بهذا السمو ففي عام ” 154 ق م، تم بناء مسرح روماني من الحجر ولكن مجلس الشيوخ الروماني الذي كان مشهورا بتزمته قد اصدر حكما بهدم هذا المبنى ، ثم بعد ذلك بمائه عام (55-52) بني بومبي أول مسرح ثابت” (21). أما في العصور الوسطى وبعد سقوط روما عام 476 ظهرت الدراما من جديد في القرن العاشر ظهرت عدة فرق من الممثلين المتجولين حيث كان هناك ثلاث أنواع من المسارح التي كانت تعرض في الهواء الطلق وكانت متحركة لأنها تمثل على عربات أو على مصطبات مؤقتة فالأول هو ” مسرح المصطبة المؤقت للفرق التمثيلية الجوالة والثاني المسارح المتصلة المستخدمة في تقديم مسرحيات الأسرار والمعجزات والثالث مسارح العربات المستخدمة في تقديم مسرحيات الأسرار الإنجليزية والألمانية” (22). ولكن عندما عادت الكنيسة للاهتمام بالدراما الدينية وتبنت هذه العروض وأدخلتها بين أسوار الكاتدرائية لتدخل المسرحية الآن من فضائها الرحب والمتحرك المتجول إلى دهاليز الكنيسة وزخرفتها الجميلة حيث ” شغلت دراما الطقوس الدينية التي ازدهرت داخل الكاتدرائية مكانه ما بين الشعائر الدينية والإطار الفني للمعمار والنحت والزجاج الملون” (23) وقد استفاد العاملون من زوايا الكاتدرائية مثل سرداب الكنيسة والمقابر الملاصقة، والغريب أن معظم الفرق كانت تطوف الشوارع قبل دخولها للعرض داخل الكنيسة وكأن المدينة باتت هي المكان المسرحي الخاص بهم ، وفي عصر النهضة باتت النزعة الارستقراطية هي المهيمنة على مستوى البلاد، لذا فإن معظم هذه المسارح المزخرفة أصبحت داخل قصور الأمراء والارستقراطيين، ولكن هذه الاحتكارية للعروض داخل القصور حثت مجموعه الشباب البحث عن عروض خارجها والتوجه نحو أسلوب راديكالي شعبي يحقق الذات لهذه المجموعة من الممثلين فقد ” شجع مركب من الأماكن المسرحية التقليدية المحدودة ورغبه مخرجين تجريبيين في تجريب أماكن غير تقليدية شجع ذلك على استخدام الميادين وساحات القرى” (24). وبذلك تبنت تلك المجموعات الخروج الحر إلى الأماكن العامة لأول مره في عصر النهضة من خلال إدراك واعي بالأسلوب التجريبي وعدم حصر العروض داخل الأبنية المشيدة لهذا الغرض بالذات، ورغم ذلك فقد تبنت في عصر النهضة مسارح ضخمة تعبر عن الزخرفة المعمارية في هذا العصر التنويري، فقد كان هناك المسرح الاولمبي الذي بني على الطراز الكلاسيكي ثمرة الجهود المستمرة لجماعة عصر النهضة، والذي يهمنا هنا هي الأماكن التي مسرحت وأخذت تقدم العروض خارج نطاقها التقليدي أو الوظيفي بحثا عن مصاهره طبيعيه بين النص وأحداثه وبين بيئة التقديم حين تكون هناك ملائمة حقيقية بين أحداث النص والمكان الذي أصبح عنصرا دراميا وجزء من التركيبة المعمارية للعرض المسرحي سواء كان ذلك العرض داخل غرفه الرياضة أو النوم أو السوق أو الكنيسة أو المعمل أو السجن أو غابة أو جبل أو كان ذلك المكان الممسرح فيه سقف أو بلا، فالغرض هنا هو الخروج من مسرح العلبة الايطالية والتحول الراديكالي في مكان العرض المسرحي، لقد تمرد التجريبيون أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على النمط المتكرر للعروض التقليدية وأماكن عرضها حيث أن ” التيارات المسرحية في القرن العشرين أظهرت رد فعل مضاد لهذا الاتجاه وشهد هذا القرن الابتعاد عن الفضاء المسرحي المعماري الجامد وانتشار مفهوم مواءمة الفضاءات التي تصنع المسرح والقدرة على أن نتخذ أية مساحه فارغة ونعتبرها خشبه مسرح عارية” (25). وقد يكون الرومانسيون وفي مقدمتهم ( فيكتور هوجو ) من شجع على الخروج إلى أماكن أكثر قدرة على امتلاء الروح وإمكانيات المشاهدة، حيث أصر(هوجو) كجزء من جداله ضد الوحدة التقليدية للمكان على أهمية تحديد المكان في الدراما فإن ” الموقع المحدد هو واحد من أوائل عناصر الواقعية، فلا تستطيع الشخصية المتحدثة أو المؤدية وحدها أن تترك انطباعاً صادقاً في روح المشاهد عن الحقائق ويصبح المكان الذي تحدث فيه مثل هذه الكارثة شاهداً قوياً لا ينفصم عنها” (26).  ثم توالت هذه التحديات لتعلن عن ولادة المخرج ( ماكس راينهارت ) ففي بداية القرن العشرين قدم مسرحية (كل إنسان) على مسرح في الميدان المقابل للكاتدرائية الكبرى في سالزبرج مستفاداً من الشوارع المحيطة وببرج الكنيسة، كما قدم مسرحيه ( حلم منتصف ليله  صيف ) في الثلاثينات من القرن العشرين في غابه حقيقية، وفي الستينات كان أكثر العروض نجاحاً ذلك الذي قدم في ” الاكروبوليس في أثينا وفي برج دافيد في القدس وفي باريس وفي الأهرام في مصر وفي برسيوليس في إيران”(27). وكذلك العرض الذي قدم في الستينات والسبعينات وهو بعنوان (ست فصول شعبيه) في مصنع مهجور في بلجيكا، والذي عبر هذا العرض عن ديناميكيه إبداع هذا النوع من الدراما، وكذلك قدم في الثمانينات مسرحيه (كما تشاء) ومسرحيه (شكسبير المخلص) في الغابة حيث علق عليها ” لم تترك الصورة أي شيئا للخيال فقط ، لقد كانت أدق من تقليد للواقع بدقه تصل إلى دقه التصوير الفوتغرافي بل كانت الواقع نفسه”(28). من هذا نرى المحاولات الحثيثة للتمرد على الخشبة التقليدية وإقامة العروض في أماكن قد تتطابق بنيتها مع أحداث العرض ، وهذا يكون أكبر في المسرحيات التاريخية حيث يطالب دعاة المسرح الواقعي أكثر ملائمة وانسجام بين أحداث العرض والبيئة الجغرافية الاجتماعية لذلك العرض وكذلك وحدة الاندماج الموضوعي بين المؤدي والمتلقي، والمدافعون عن هذا النوع في الخروج المكاني يقولون أن المهم هو أداء الممثل لا الزخرفة المكانية وحجمه ودقه بناءه، إن الخروج على الخشبة التقليدية في الوقت الراهن بات أمرا معروفا لا سيما عند الفرق الجوالة التي لا تملك الإمكانات للعرض الثابت حيث” تعمل فرق كثيرة كجماعات متجولة في مدى صغير أو متوسط دون أن يكون لها مسرح خاص بها” (29). ومنذ بداية القرن العشرين لاسيما النصف الأخير منه جرت محاولات حثيثة لركوب موجة الانزواء عن التقليدية في العروض المسرحية وباتت وكأنها قد صنعت مستقبلاً لاستقبال أحداث العرض المسرحي نحو الاهتمام بالشكل لا المواءمة بين جغرافيه المكان وأحداث العرض، وانطلقت تجريبية المسرح وعشوائية مكان العرض من ” المسرح الدادي ، وهي حركه فنيه انتشرت في فرنسا وسويسرا حوالي ( 1916- 1920) وتؤكد على حرية الشكل بعيده عن القيود التقليدية، وقد استمرت مع مسرح (ارتادو) المتسم بالقوة والمسرح الملحمي لبرشت” (30). وقد أطلق على هذا المسرح أشكال مختلفة كالمسرح البيئي والفن الأدائي ثم المسرح ذي الموضع المحدد، ولكن هذه الحرية في الشكل الفرضي لحرية المكان المسرحي وعدم أهمية التطابق بين النص وأحداثه وبين البيئة المكانية للعرض جاورها مهتمون أيضا برفض الخشبة ولكنهم جعلوا من مسرحة المكان عنصر الهام أو مؤاءمة شديدة بين جغرافية المكان الممسرح وبين أحداث العرض من خلال “تشكيل الأفكار التقليدية لمواقع الفضاء المسرحي بدقه شديدة” (31). وهكذا ينطلق المكان الحر أو الممسرح بلا حدود ويعمل على بلورة إلغاء المساحات الفضائية وتصنيفها أو الحدود الفاصلة لتكون مساحه واحده لا تفرق بين الصالة والخشبة أو مؤدي ومتلقي ولتمتزج كل عناصر المسرح في بوثقة واحدة معلنه كسر حدود الفضاءات وإعلانها منطقة فضائية واحده ليدخل المكان الممسرح الحر حاله من صيرورة الاندماج الذاتي مع عناصره ليكون سينغرافية طبيعيه قائمه بذاتها.

** المحطة الثانية:

- العرض المسرحي بين جمالية المكان الممسرح والمكان المسرحي:

إن جمالية المكان المسرحي أو المكان الممسرح تعتمد في البدء على عنصر الخيال الذي يخلقه أو يصنعه الممثل عندما يوهم المتلقي على إدراك أنه عندما يشير إلى فراغ فلابد أن يقنعه بوجود شيئا ما في حين أن خشبه المسرح هي عارية، وهذا يتطلب امتزاج وعي وإحساس المتلقي مع الممثل وخياله المتربص تلقائيا في أن ما يشاهده هو حقيقة ماثلة أمامه ” فالمؤدي يعتمد على استعداد المتفرجين والمستمعين للتعاون معه في تحويل خشبة المسرح العارية إلى عشب أخضر عن طريق الخيال” (32). هذه القناعة المتخيلة تتحول تلقائياً إلى مدرك حسي بواقعيه المكان  وكذلك حدوده الجغرافية والزمانية ففي ” العرض المسرحي يفضي الوعي بوظيفة نقيضه المكمل فإدراكنا لخصوصية المكان المسرحي يشحذ وعينا بالمكان الواقعي المناظر له” (33). حيث تتفاعل صفة الترابط بمسلمات الثنائية ( الوهم والحقيقة) فيحصل التحول في ذهنية المتلقي من مجرد تصور باللعبة الحاصلة أمامه إلى وعي بأن ما يشاهده هو حقيقة مرادفه للحياة التي يعيشها ولحظه المشاهدة الحاصلة زمن العرض، لذا فالمكان المسرحي ( الذي وظيفته العرض المسرحي) أو المكان الحر(الممسرح الذي ليس وظيفته الأصلية العرض المسرحي) يعتمد التجسيد الخيالي من خلال توظيفه بالإشارة فهو مكان فارغ أوعشوائي، أو أي مساحة خالية في نظر (بيتر بروك) ففي كتابه (المساحة الخالية) حيث يذكر كيف ” يستطيع فعل الإشارة والتعريف أن يحول أي مكان إلى عرض مسرحي” (34). ويذكر كذلك أن أي إشارة علاماتية مثلاً، قطع الإكسسوار أو أي قطعه من المهمات المسرحية أو حتى الممثل ذاته يشكل امتلاء افتراضي يعني تحول أي مكان عاري إلى مكان آخر ممسرح يكون مهيئا للعرض المسرحي فإن” غرس عمود خشبي في الأرض يستطيع أن يحول مساحه ما إلى مكان للعرض المسرحي، فالدائرة التي يحدها العمود حوله ويشير إليها تصنع حدا فاصلا بين مساحه المؤدي ومساحه المتفرجين ويعتمد العرض المسرحي في مجموعه على هذا التقسيم المبدأ للمساحة إلى ثنائيه مكانيه”(35). رغم أن هذه الثنائية في محورها تترسخ في المكان المسرحي و ليس الممسرح الذي يعتمد في جغرافيته المنتظمة أو العشوائية أو الطبيعية على امتزاج تلك الثنائية ( ممثل ومتلقي) إلى واحده ليس إلا، إن جمالية المكان أي مكان أصبح مكاناً للعرض يعني هنا الفته ومطاوعته وما سوف يضيف من قيم جماليه على العرض ، حيث يذكر الكاتب (جاستون باشلا) أن جمالية المكان هو تصور إلى البيت القديم، بيت الطفولة، هو مكان الألفة ومركز تكيف الخيال ، وعندما نبتعد عنه نظل دائما نستعيد ذكراه حيث يقول “حين نحلم بالبيت الذي ولدنا فيه، وبينما نحن في أعماق الاسترخاء العضوي، ننخرط في ذلك الدف الأصلي، في تلك المادة لفردوسنا المادي، هذا هو المناخ الذي يعيش الإنسان المحمي في داخله” (36). أي أن هذه الاستعادة للبيت القديم والطفولة تعني الفطرة وارتباطها بالمكان، لا يخرج عن كونه مكان بكر جرى مسرحته وليس له علاقة بوظيفة العرض المسرحي أصلا فالمكان الممسرح يعني مجازا مكان لم يولوث كما هي الحياة، إن جمالية المكان تنبع من سكونيته قبل وأثناء مسرحته ، من الصمت المنبعث من أعماقه عندما تتحول إلى علامات فإن “المكان أحالني دوماً إلى الصمت” (37). ولكن ما الذي فجر هذه الرغبة في امتلاك المكان البكر أو العشوائي أو الطبيعي ومسرحته للعرض؟ هل هي الدعوة لحضور الطبيعة؟ أم الرغبة في الثورة والتمرد على السائد والتقليدي؟ أم الاثنين معاً، وفي رأي الباحث إن كلا الاتجاهين قابلين للتصديق و المناقشة فإن ” الصيغة الجمالية للمناقشة في التواصل التأملي مع الطبيعة بالنسبة لهذا الإنسان المعاصر ليس ثمة ما هو أكثر اعتيادية من ترتيب الأحكام العقلية وتنسيقها بطريقه القياس المنطقي” (38). ولكن المكان قد يعطي تناقضاً جمالياً في نسبته لنا أو نسبتنا له أو في ألفته أو قسوته، وبالتالي على الصعيد الدرامي قد يضطر المؤلف المسرحي إلى الملائمة أو التناقض بين المكان والشخصية، حيث ” يستطيع الكاتب أن يصور للقارئ خواص الشخصية إما عن طريق التشابه أو التناقض، وعند استعمال الطريقة الأولى يكون المكان الذي يختاره الكاتب للأحداث متمشيا مع خواص الشخصية، إما عند استعمال الطريقة الثانية فيجب أن يكون المكان متناقضا بشكل حاد مع خواص الشخصية”(39). وهناك العلاقة بين المكان الممسرح في أي مكان خارج المسرح التقليدي أو ما يسمى مسرح العلبة الايطالي وبين أحداث العرض (ملائمةً أو تناقضاً، فإذا كان المكان غير متسق مع أحداث العرض انتهى دور المسرح كوظيفة علاماتية ذات رسالة، حيث أن ” التعارض بين العرض والموقع عاده ما يؤدي إلى تحييد تأثير العرض ويفسر لنا هذا عدم قابلية الكنائس للتحول إلى مسارح، ذلك أن الرسالة التي يبثها الموقع تظل دائما كنيسة” (40). أما إذا كان العرض وأحداثه وحبكته وثيمته وشخوصه موتوالفه مع المكان الممسرح تزداد قوة العرض وتأثيره، فعلى سبيل المثال إذا كان من الأصلح تقديم عمل تدور أحداثه كلها في الكنيسة فإنه سوف ” يطرح مشكله جديدة تتمثل في الرسالة العلامية التي يبثها هذا الموقع العارض والتي تحمل دلاله الوظيفة الأولى والدائمة للمكان وهي الصلاة، فإذا كان العرض المقدم في الكنيسة متفقا في موضوعه ومتسقاً في أسلوبه مع نظام العقائد الذي يكرسه المكان ازدادت قوة تأثير العرض، كما حدث عندما قدمت مسرحيه (ت،س،اليوت ) جريمة في الكتدرائية في كتدرائية كانتربري” (41). ولكي نضع أسس حقيقية لاختيار المكان وتقسيمه أو وضعه في خانة انتماء النص ومن ثم العرض إليه أو عكس ذلك لابد من تحديد تلك المواقع على أساس مدى درجة التطابق بين ما يعرض على ذلك المكان ومدى اكتسابه الجمالية الحسية والمادية لطبيعة مستوى الإقناع الذي سوف يحظى به أم عدم القبول، أولا سوف نستبعد المواقع الدائمة التي تمثل الحيز الطبيعي للمكان المسرحي، حيث أن هذه المواقع الدائمة قد خصصت أصلا للعرض المسرحي ووضعت الكراسي في الصالة وأصبحت في مقام الرؤية الواضحة لمكان العرض، وثبتت على الخشبة الستائر والسايكات والهيرسات وأجهزة الإنارة والصوت وكل ما يتعلق بتقنيات العرض المسرحي، ولكن الذي يهمنا هي العروض المسرحية ومواقعها أو أماكنها الحرة أي خارج بيئتها الحقيقية، حيث يوجد مكانان حران هما ” المواقع العارضة، وهي مواقع تقدم فيها العروض المسرحية بصورة متكررة لكنها غير منتظمة، وعاده ما تكون أبنيه عامة مثل الكنائس أو قصور الأمراء والملوك وغيرها، أما المواقع المحايدة فهي تتمتع بميزة هامة هي غموض هويتها التي تفسح المجال للخيال والتصور وتعدد الدلالات فكأنها تحمل طاقه كامنة تنتظر التحقيق الجمالي” (42). ورغم أن الباحث يميل إلى عنصر المواءمة بين المكان الحر أو الممسرح وطبيعة العرض وأحداثه إلى تكاملية فنيه في جملة تناسق مشترك بين المؤدي والمتلقي قائمه على القناعة بواقعية العرض، ولكن المكان الحر الآخر الذي هو الموقع المحايد فهو يمتلك القدرة التي تنتظر الفعل المسرحي دون الأخذ التطابقي بينه وبين أحداث العرض فكلما ” ازداد المكان حياداً في ملامحه ازداده غموضاً وإيحاء لهذه الطاقة التي تعني لها المرونة الدلالية وقدره المكان على التحول المجازي بسهوله ويسر إلى مكان مختلف أو أمكنه متعددة، ومن هذه الخاصية أو الطاقة المجازية التي تميز المواقع المحايدة يتولد الصراع الأبدي بين رغبة المؤدين المشروعة في الحصول على مكان عام دائم يخصص لعروضهم بصوره رسميه علنية وبين النموذج الجمالي المثالي لمكان العرض المسرحي كفضاء محايد لا تحده ملامح مميزة ولا تثقله سمات ثابتة” (43).هذا الانفلات الجغرافي والعلاماتي في الأماكن الحرة جعلها أكثر تحدياً وأكبر قدرة على إعطاء التنوع الجمالي بسبب غربة المكان وخصوصيته على طبيعة العرض وشكله، ولكن هناك أمراً لابد أن نأخذه بنظر الاعتبار ألا هو وضع المتلقي في الأماكن الحرة وكيف تعطيه إحساس مغاير لما يحسه لو كان جالسا في موقع أو مكان دائم للعرض المسرحي وشعوره بأنه هو موضع العرض والفرجة، مما يعني زجه داخل بنية العرض في ذلك الموقع والاعتقاد بأنه هو الممثل حيث تسلط عليه الأضواء شأنه شأن الممثل الحقيقي لأنه داخل رقعة الحركة والتمثيل، وبذلك بتحجم غربة المكان وغموضه وتزداد جماليته الفطرية وسوف يزول الإحساس بصعوبة الجلوس أو الرؤية العشوائية هذا المكان فيزداد الإصرار على الخضوع لتجربه مغايره بها نوع من الصعوبة والمتعة وإحساس الجمهور بأنه جزء من هذه العملية ومشاركاً فيها ذلك الإحساس يجعلنا نحس بأننا ” جزء من مناسبة اجتماعيه ما أو من واقعة ما تحدث الآن أمامنا” (44). وقد يكون المخرج ( ايوجينيوباربا ) من الذين انتفضوا على الخشبة التقليدية وأخذ يقوم بتمارينه المسرحية في الهواء الطلق، وأكد على عروض الشارع وجعل المتلقي جزء من العرض كما حدث سابقا فمن ” أهم ما جعل باربا يطور مسرح الشارع هو تفكيره في المشاهدين ، فعلى عكس المسرح التقليدي الذي يحتوي على جمهور مسحور من المشاهدين الذين يجلسون حسب التصميم السائد في حيز العرض ، فإن الممثلين يجب عليهم في مسرح الشارع أن يجذبوا المشاهدين وأن يكونوا حيز العرض”(45). وعليه فإن المكان الحر هو مكان أصبح ( بعد مسرحته) مكان مادي مشغول من خلال وجود الممثلين وعلاماتهم وعلاقاتهم بالجمهور، وهو كذلك اكتسب صفه الفضاء المسرحي الواحد القائم على وحدة الصالة والخشبة، لاكما يحدث في المسرح التقليدي القائم على الفصل بين مكان العرض ومكان المشاهدة ، وبما أن المكان الحر أو الممسرح مكان طارئ فإنه سوف تنتفي فيه صفة المسرحة حال انصراف الجمهور عنه بعد العرض ، فالشارع “على سبيل المثال إذا تحول إلى فضاء منصي فترة فإنه يعود إلى وظيفته الحياتية لمجرد انصراف الممثلين” (46). فالمكان الحر يكسب جماليته من كونه فضاء فطري أو عشوائي أو طبيعي تتحرك فيه العلامات وتتطور على وفق عشوائيتها الجغرافية، أي أنه كتله واحده أو فضاء واحد عكس المسرح التقليدي الذي يشمل فضائيين (للمؤدي + المتلقي)، ان الفضاء النفسي هو الذي يحدد الفضائين وهو نفسه الذي يحدد الفضاء الواحد في المكان الممسرح وذلك لغياب القواعد المسبقة في عملية الإنشاء والتكوين وحضور الفطرة المكانية في وجود حيز يأخذ شكلاً ما  في المكان المنصي (مكان التمثيل) ممتزجاً مع مكان الجمهور، ومن ثم يستطيع الفضاء النفسي أن يحدد أو يوحد أو يلغي الفضاءات، وعلى هذا الأساس هناك فرق كبير بين المكان المسرحي والمكان الممسرح أو الحر،  فالمكان المسرحي ” يتحدد بعلاقته المادية والمعمارية بالمدينة، من الأماكن المسرحية ( المسرح الإغريقي،مدرج المسرح الروماني، أوبرا باريس)”(47) . أي أن المكان المسرحي مكان ثابت ووظيفته الأولى والأخيرة هي العروض المسرحية وتنتمي إليه فسحة مستقلة للتمثيل (خشبة المسرح) ووجود المقاعد (الصالة) وغير ذلك الانتماء النفسي والحسي للمثل والمتلقي لذلك المكان ففي ” معظم الحالات يكون المكان المنصي بالنسبة للفنان الممارس كما هو بالنسبة للجمهور من المعطيات المهمة (قاعدة سوسولوجية) التي ينبغي له أن يعرف كيف يتصرف حيالها، إن المكان المسرحي هو جزء من هذه السوابق التي على أساسها يشكل النص الجنيني أو النص المبدئي الذي يصفه الكاتب وكذلك عمل الفنان الممارس أو المخرج” (48). أما المكان الحر أو الممسرح فهو يشترط كي يحقق هذه المسرحة هو حركة الممثل فيه ووجود الجمهور داخل حيزه أو قريبا منه معتمدا على نمط عشوايتة أو شكل تكوينه الطبيعي أو المعماري ، وهو مكان مُسرح في غير وظيفته الأصلية، فقد يكون كنيسة أو محطة قطار أو حمام أو مكتبة أو غابة أو سهل ، وسوف يرجع إلى وظيفته الأولى حال انتهاء العرض ومغادرة الممثلين والجمهور ذلك المكان، وعليه فإن فضاء المكان الممسرح هو فضاء محدد وهذا ما يؤدي إلى أن تتحد باقي الفضاءات أو تمتزج مع بعضها ، وحتى سينوغرافية هذا المكان سوف تشمل المكان المنصي والجمهور لأنه جزء من حركية الفعل الدرامي والمكاني أ والجغرافي للعرض ، في حين أن تصميم سينوغرافية المكان المسرحي تركز على المكان المنصي دون إهمال مكان المتفرجين أو ارتباطها مع عمل عناصر العرض المساندة، وفي رأي الباحث أن مفهوم الفضاء الوهمي القائم على رؤية أبعد من حدود الفضاء المنصي يعمل في المكان المسرحي المنفلت الحدود الإفتراضية والمصرح به للخيال أن يعمل فيه ما يشاء ولكنه لا يستطيع أن يعمل مباغتة خيالية في المكان الحر أو البيئي أو الممسرح لأن حدوده الجغرافية محدودة وواضحة المعالم ولا تسمح التحديدات الأرضية أو جانبية أن تعمل فعل الفضاء الوهمي وتشظيه على اعتبار أن الفضاء المنصي هو الذي يوحي للفضاء الوهمي على الاشتغال ومشاكسة خيال الممثل والمتلقي على حد سواء نحو أبعاد أكثر من حدود الرؤية الآنية ولحظتها المميزة للانطلاق تحت وطئة الفضاء النفسي الدفين، حيث أنه ومن المعروف ” أن الصعوبة التي تصاحب قراءة الفضاء المنصي في مجال الفضاء النفساني تأتي من الطبيعة الفردية للوهم أو الخيال الذي يشكل الفضاء النفساني عند كل فرد”(49). ومادام الفضاء المسرحي في المكان المسرحي التقليدي فضاء ذو ثلاث أبعاد ومن بينها عمق المكان المنصي ، فأن هذا العمق غير محدد وغير ثابت في المكان الحر أو الممسرح وبتالي فهو خاضع لأبعاد متفاوتة تبعاً لشكله الهندسي أو عشوائيته الطبيعية، لذا فإن فحوى الفضاء المسرحي سوف يخضع جدلياً للتكوين الجغرافي لأبعاد ذلك المكان الممسرح، ومادامت الحدود الجغرافية وأبعادها غير موجودة في حدودها المختارة لما هي عليه بالفعل وليس كما هو محدد بالدقة في المسرح التقليدي فإن الحدود كلها باتت متداخلة بأبعاد فطرية تخضع لإرادة حركة الممثل وترتيب مهماته المسرحية لذا فإن ” المفتوح والمعلق والمرتفع والمنخفض والداخل والخارج ، كل ذلك يعمل معاً وفي جو من التناقض” (50). لذا فإن المكان الممسرح قد يعطي المتلقي الوعي بالمشاهدة أو الإحساس أنه يشاهد عرضاً طيلة الوقت أو لعباً دون الإحساس بالفضاء التخيلي أو الوهمي بسبب أنه جالس في مكان غير المسرح الحقيقي وأنه غير خاضع للوهم في حدود الفضاء داخل الفضاء التي تصنعه الإضاءة، والذي ينشأ من خلال إظلام حدود مكان الجمهور وإضاءة المكان المنصي للمؤدي , بينما هذا الإحساس غير موجود في المكان الحر لسببين، الأول هو- ربما يكون العرض في الأماكن الممسرحة ( الحرة) نهاراً في الهواء الطلق وبذلك تنتفي الفضاءات الوهمية والنفسية والتخيلية وحتى لو كانت هناك إضاءة فإن الفضاءين ( فضاء الجمهور وفضاء المنصة) أصبحا وحده مندمجة لعدم ترسيم أرضي للفصل بينهما، حيث ” يعني استخدام الإضاءة. إننا يمكن أن نخلق فضاءاً داخل فضاء، إن دخول الإضاءة أدى إلى وضع تقليد إظلام صالة المتفرجين وحددت الوعي المكاني للمتفرج بمساحه خشبة المسرح، وهو وعي مختلف اختلافاً حاداً عن وعيه في المسارح النهارية المقامة في الهواء الطلق” (51). وقد يقودنا سؤال عن علاقة المكان الممسرح وطاقة الممثل على اعتبار أن العشوائية الجغرافية تبقى على حالها في شكل ومحتوى المكان المختار للعرض وبالتالي فطاقة الممثل تتناسب طردياً ونلك العشوائية وبذلك فإن طاقة الممثل في المكان الممسرح إذا كان محدود الأبعاد ربما وعلى الأرجح لاتصل إلى مستوى تلك المبذولة في المكان المسرحي ذو الأبعاد المرسومة بمساحات ذات أعماق وأبعاد ربما تصل إلى حدود واسعة لاسيما في المسارح الكبيرة لذا ” فإن مجابهة قوة الجاذبية أو المقاومة السلبية تعني استثمار كميه أكبر من الطاقة، ومن ناحية أخرى إذا كان جزءاً فقط من الطاقة المستثمرة بهدف أداء فعل ما تتحرر على هيئة حركه فينتج عنها تبديد مادي بالنسبة لاقتصاد الحركة ذاتها” (52). ولكن فائض الطاقة قد يكون أكبر إذا كان المكان الممسرح ذو جغرافيه صعبة التضاريس كوجود العرض في جبل أو مرتفع أو غابه. مما يتطلب من الممثل التسلق أو الحفر أو الجري بعكس الأماكن الممسرحة ذاتها في الغرف داخل المستشفى أو السجن أو الممرات أو محطة القطار، إن تلك الطاقة المتوفرة عند الممثل في أداءه داخل المكان الممسرح وعشوائيته الجغرافية قد يعطيه الانفلات في الارتجال لغياب عنصر الضبط النفسي بسبب غياب التقنيات المعروفة مثل فتحه المسرح والعمق والستارة والكواليس أو الجلوس العشوائي للمتفرجين والمتداخل مع الممثل قد يدفع الممثل إلى نوع من التمرد أو المشاكسة على الارتجال والذي يعني ” فن الخلق في نفس لحظة التنفيذ”(53). وهذا قد يحصل في ظل ظرف هو نفسه ارتجالي أو غير مألوف في المعايير القيسية المتداولة للعرض المسرحي التقليدي، وهذا أمر غير مرغوب فيه حتى لو كان العرض ليست فيه الموازين الحقيقية المفترضة في العرض التقليدي، إن تجربة المكان الحر أو الممسرح نابع من هواجس صانعيه القائمة على إمكانية توليد علامات متدفقة يعجز المكان المسرحي عن الإفصاح عنها، فالمكان الممسرح غايته ” توليد إشارات مسرحيه بلا حدود ومعاني متناهية ناتجة عن إمكانية إعادة تشكيل لا نهائية لمساحة المسرح”(54). إن النمطية غير الثابتة لجغرافية أو عمران أو طبيعة المكان الممسرح يخلق تلقائياً جواً من التحفيز العلاماتي بصيغته الأيقونية أو الإشارية أو الرمزية والقدرة على التحول من علامة إلى أخرى والتشظي الحاصل في نفس العلامة، وبذلك يصبح هذا المكان الجغرافي منتجاً فعالاً للعلامات وكذلك لضخ الشفرات المكانية التي لا تتكرر في مكان آخر أو لا تظهر بشكلها الطبيعي في المكان المسرحي إلا بتصنيعها أو تشكيلها عن عمد، إن الخصوصية المفتوحة وغير المنتظمة أحياناً للمكان الممسرح تعطيه فرصة أو قاعدة للامتلاء، أي إن طبيعته حسب شكلها سوف تفرض عشوائية ليس في التنظيم فحسب وإنما الوجوب المحتم على امتلاء مساحته وتقاطع خطوطه  و اشغالها بالحركة أو المهمات وذلك لتلاشي الخطوط والفضاءات والتداخل الذي يحصل بينهما فإن ” امتلاء المساحة والطرق المتعددة التي تنتقل عن طريقها المساحة وتنقل لفضاً وتضج بالحية، هي أساساً تصميم المسرح البيئي، إن هذه المساحة الحية تتضمن كل المساحة في المسرح وليس ما ندعوه خشبه المسرح فقط” (55). ومن هنا وهذه الحيوية للمكان الحر الممسرح، فأنه يدعو لوحدة بيئيه والهجوم على التنظيمات المساحية للمسرح ونرفزة التقسيم الافتراضي للمكان، حيث يرفع هذا المسرح شعار وجوب وجود مؤدين ومشاهدين قائم على استخدام كل المساحة المتاحة جغرافياً في موقع المكان لا تقسيمه إلى وحدات حيث ” لا توجد خشبة مسرح بلا حياة ولا توجد نهاية أو حدود لخشبه المسرح”(56). وهنا تكمن جمالية المكان الحر الممسرح والتي تنبعث من خلال عشوائيته أو فوضويته كما هي وبدون تحوير أو تزويق وبكل تضاريسه وخطوطه أو تعرجاته أو تعداد زواياه أو التواء جدرانه أو تخسفات أرضه أو بسقفه أو بدونه، حيث تعطي تلك التكوينات الجغرافية تنوعاً قد يقتصر على عرض واحد أو اثنين ثم البحث عن تنوع في مكان غير مألوف آخر، ومن هنا أطلق على هذا المكان الممسرح تسميات أخرى مثل المسرح المفتوح أو المسرح الحي أو المسرح البيئي أو المسرح الحر وهي تسميات انطلقت من ” رؤية انتونين ارتاود عن مسرح القسوة والذي يلغي دور خشبة المسرح وقاعته ويستبدلها بموقع واحد فقط ، وبذلك يصبح المشاهدون في وسط الأحداث” (57). إن قيمة وجمالية المكان الحر الممسرح ينبع من ما يحيط به من مادة خام لم يتدخل الإنسان في تكوينها أو تصميمها لغرض العرض المسرحي كوظيفة أولى لها بل هي موقع بكر لا علاقة للإنسان بها مثل ( غابة – جبل – سهل –كهف ) أو صممها لأغراض أو وظيفة غير المسرح  أو العرض المسرحي مثل ( كنيسة- معبد- سجن- مستشفى- شارع) هذا التنوع الجمالي حث على إغناء ذهنية المخرج والممثل وكل التقنين في المسرح على تحدي جغرافيه طارئة عليهم حيث ينتقل هذا التحدي إلى مواءمة وارتباط حسي وعاطفي مبعثه تكوينات جديدة وغير مكرره أو مألوفة في زخرفة هذه المادة الطرية الخام، فالمسرح الحر” كل ما يحيط به مادة خام وأن يختار القيم الجمالية والقيم المسرحية التي يجعلها تدور مثل الدوامة أمام عينيه لكي يقوم بتفسيرها بلغة المسرح” (58). وينطلق( بيتر بروك) في إعطاء مساحة العرض المسرحي شكلاً نسبياً يخضع له حجم ما يملاْ من أدوات، لذا فهو لا يهتم  بالمساحة من الناحية النظرية بل المساحة كونها أصبحت أداة، ويركز أيضاً على  جمالية العلاقة في المسرح الحر الممسرح في مفهوم العلاقة بين الممثل والطبيعة، رغم أنه يعتبر الأداء في خارج حيزه التقليدي يواجه بميزات وأخرى عقبات ، فهو يقول: ” حين تترك المساحات التقليدية وننطلق نحو  أو الريف أو الصحراء أو نحو حظيرة أو أي مكان في الهواء الطلق فإن هذه يمكن أن تكون ميزة وعقبة في ذات الوقت، الميزة تتمثل في علاقة ستقوم على الفور بين الممثلين والعالم، وهذا يعطي أنفاساً حية جديدة ودعوه الجمهور إلى تحطيم عاداته الشرطية” (59). ولكن مع ذلك فإن بيتر بروك يعطي بعض العقبات خلال العرض خارج حيزه التقليدي منها (التركيز) وهو أيضا خاضع لذات المكان وقربه من مصادر الإزعاج ( سيارات – شوارع – معامل )، وكذلك ربما تكون القدرة على الرؤية رديئة فيكون من الصعب التركيز إلا إذا توحدت الرؤية في ظل ظروف ذاتيه موضوعيه بين المساحة والأداء، فسيكون من المنطقي رؤية تركيز عالي القدرة على الانتباه، ومن هذا فإن طبيعة الأداء في هذه الأماكن يكون ذا خلق وارتباط مبدع بالمكان ذاته، ومن هنا فإن ما يطلق على لفظة التقسيم في المسرح الحر هو غير مطروح نظريا وعمليا لوجود هذا التداخل في كل عناصر العرض التي فرضتها طبيعة المكان وجماليته فهو” المكان الموحد وطريقه للعرض، حيث يتداخل ويتحد كل من خشبة المسرح وصالة العرض واستخدام الردهة من أجل أهداف درامية قد يكون خطوه نحو خلق الحيز الحولي التام في المسرح البيئي وبالتالي يصبح أقل تحديدا لأن هناك نوعا من المشاركة المكانية” (60). والمقصود بالحيز الحولي، الشمولية في اندماج المساحات التي يخلقها العرض بطبيعته الجغرافية الفطرية أو المشيدة لأغراض غير العرض المسرحي المنوعة. حيث ينشأ نظام مبني على حولية الحركة واتحاد الحيز المكاني العام ساحة للأداء والمشاهدة، فإن ” الاهتمام بالحيز (الفراغ ) والمكان كان أساساً للعديد من أفضل القراءات للمسرحية خاصة كتابات ( إيرفينج واردل ) الذي قال صراحةً : إن المسرحية يجب فهمها بمفاهيم مكانية وإلا لن نفهمها” (61). فالمكان الحر الممسرح يشكل العرض ويشكل طبيعة الأداء على الصوت والحركة والزوايا والفراغات التي تجبر الممثل على التحرك خلالها بفعل تكوينها الأصلي المتطابق مع وظيفتها الأصلية الأولى، وبالتالي تفرض شكل جمالي فطري بعيد عن الصنعة وخاضعة لمنطق الجمال الطبيعي، والذي يتشكل بالضرورة من الوحدة التكاملية للعرض بعناصره الطبيعية والصناعية التي أضيفت لاحقا عليه، وعليه فإن المكان الحر الممسرح هو ذلك المكان الذي يشير إلى أن الوظيفة الصورية للخشبة لا تعتمد البناء المعماري بل قيمة ما يقدم من شكل ومضمون ذلك العرض وقيمة أداء الممثل لتحقيق ذلك المعنى سواء كان ذلك داخل بناء معماري أي كان، أو في الهواء الطلق أو أي مكان آخر وظيفته السابقة غير العرض المسرحي.

** مؤشر المحطتين:

1/ جمالية المكان هو تصور لمفهوم العودة إلى البيت القديم، بيت الطفولة، هو مكان الألفة ومركز تكيف الخيال.

2/ جمالية المكان تنبع من عشوائيته و سكونيته الملهمة قبل وأثناء مسرحته، من الصمت المنبث من أعماقه قبل أن يتحول إلى علامات ودلالات متشظية.

3/ تقدم العروض خارج نطاقها الثابت (التقليدي) بحثاً عن مصاهره بين النص وبيئة التقديم الملاءمة .

4/ مسرحة المكان يعني الخروج إلى أماكن أكثر قدره على امتلاء الروح وإمكانات المشاهدة كجزء من رفض الوحدة التقليدية للعرض المسرحي.

5/ المكان الحر الممسرح يعمل على بلورة إلغاء المساحات وحدودها الفاصلة لتكون بالتالي مساحة واحده للمتلقيوالمؤدي .

6/ المكان الحر الممسرح هو كسر خطوط الفضاءات وإعلانها منطقة واحدة لتكون في صيرورة الاندماج الذاتي مع عناصر العرض الطبيعية المكتسبة لتصبح بعيدة عن الصنعة الزخرفية المتكررة .

7/ المكان الحر يعتمد على توظيفة بالإشارة باعتباره مكاناً فارغاً أو مساحة خالية في نظر(بيتربروك)، حيثتستطيع تلك الإشارة أن تحول أي مكان إلى آخر للعرض .

8/ يكتسب المكان الحر جماليته من كونه فضاء صاخب ومنفلت، تتحرك فيه العلامات بسهوله وتتطور الأشياءفيه من غرابة جغرافيته .

9/ هناك فرق بين المكان المسرحي والمكان الممسرح، الأول مكان ثابت مكرر للعرض له شروط، وحدودهالفاصلة بين المساحات والفضاءات، أما الثاني فهو مكان للعرض المؤقت تنتفي فيه الخطوط والفضاءاتويرجع إلى وظيفته السابقة حال انتهاء العرض.

**  التطبيق التحليلي للمحطتين:

         ـ مسرحية : عزلة في الكرستال

         ـ أشعار    : خزعل الماجدي

         ـ إخراج   : صلاح القصب

         ـ مكان العرض :  ممرات في كلية الفنون الجميلة

         ـ تاريخ العرض : 1990.

يبدو أن توجه المخرج ( صلاح القصب ) في إخراجه للقصيدة الشعرية (عزله في الكرستال) قد اقترب كثيرا من المنطق العبثي في توجهاته الفلسفية وفي علاماته ودلالاته التأويلية والتي غالبا ما توحي أو ترمز إلى مفهوم أساسي في نظر العبثيين ألا هو غربة وضياع وتهميش الإنسان في عالم ملئ بالخداع والزيف الذي يغلفه بريق الكرستال وجمال زخرفته وألوانه الخادعة وفي زمن الانحطاط الأخلاقي والعبث والموت والحروب، صار فيه الإنسان غارقا في العتمة يحاول النجاة دون طائل، مستعينا بالهروب إلى عمق البحر حيث الطهارة والألفة والولادة الجديدة ، وإزاء هذه السوداوية جاء العرض متطابقاً مع روح وفلسفة المكان الحر الممسرح واختياره المعبر عن ضيق فسحة الأمل واليأس من محاولات الإخلاص بلا طائل ، فالمكان كان عبارة عن فسحة بين بنايتين عاليتين متقابلتين هما قسم التصميم والآخر قسم الفنون السمعية ويجاورهما بناءاً ثالث يحتوي على سلم ضخم هو مسرح الكلية وبناية التسجيل، إن هذه الفسحة أو المساحة أو الفراغ في هذا المكان الممسرح جاءت للتدليل على الهاوية السحيقة التي يعيشها الإنسان من خلال ضيق المكان الحركي للأداء ومن ارتفاع البنايات والرؤية التقزمية للفراغ الأرضي الذي هو مكان الحدث والتمثيل والتلقي، مدركاً أن هذه العمودية في العرض جعلت من الممثلين والجمهور كما أنهم داخل قبور محشورين فيها وسط ثلاث أبنية عالية ومساحة ضيقة بالكاد يتحركون فيها ، لا يتنفسون إلا من خلال الشبابيك المفتوحة لتلك الأبنية المطلة على باحة العرض، لتعزز مساحة الهوة والفوضى وتناقضات الحياة وسخرية الناس الساكنين خلف تلك الشبابيك ومشاهدة مأساة ما يحصل تحتهم في تلك الحفرة السحيقة الضيقة ، لقد تعمد مخرج العرض أن يملاٌ أرضية الفراغ أو المساحة المحصورة بين البنايتين بالرمل الأحمر ليعطي دلالات الجفاف ولون الصحراء وخلوها من الحياة ، كما هي تلك الهاوية المحصورة بين عمودية البنايات معززا غربة المكان الممسرح وغموضه وانسحاقه بإضافة المهمات المسرحية في إبراز جوانب التناقض في هذه الحياة من خلال تنافر أشكال هذه القطع الإكسسوارية وغرابتها بل وفي تناقض مهماتها ووظائفها وغرتها عن المكان و الحدث ، مثل (التابوت- الجذع – الإله الكاتبة – التراب- المطرقة – النار)، ليعزز فكرة التناقضات في الحياة ووحشة الإنسان المستلب وصراعه مع قوى تستخدم  تلك الأنظمة أو المهمات بغير ما تعطيه  من فائدة له، لقد استخدم المخرج (صلاح القصب) مواقد النار ولهيبها المتأرجح ليعطي دلالة على عدم الثبات في إشارة إلى ضياع القيم وانسلاخها عن أخلاقيات المجتمع، هذه الديناميكية وظفها المخرج في حصر أو تأطير فضاء العرض في دائرة امتزج فيها فضاء المنصي (فضاء التمثيل) مع فضاء الجمهور في كتلة واحدة، جاعلاً منها ساحة مباحة لمهرج متهور يرمي بالعبات السود على تلك المساحة الضيقة (ساحة المؤدين والتلقي ) ليؤكد قوة الشر المسيطرة على الأرض وعدم قدرة الإنسان المشلول في ذلك الجحر على الحراك أو الوصول إلى مصدر الشر أو النيل منه أو القضاء على مراميه الشريرة، بل أعطى دلاله على حجم الهوة في ذلك المكان الممسرح من خلال التناقض في حجم الكتل في الشكل البنائي من خلال ارتفاع البنايات وصغر مساحة حركة الممثل والتلقي التي تشبه القبر المحصور بين الكتل الأسمنتية أو أفران الحرق، وليس من متنفس إلا من شبابيك ضيقه عبارة عن فتحات ينظر منها بشر ساكنون جامدون لا حول لهم ولاقوه غير قادرين على التعبير أو إبداء الرأي أو من قدرة تغيير ما يجري تحت، أو وقف ما يحصل في ذلك القاع، أو تلك الأبواب الداخلة للبنايات حيث تفتح من خلال أشباح غير مرئيين فتنطلق منها دراجة بخارية قاطعةً فضاء المسرح الشاحب مدويةً بضجيج عالي صوب الفراغ المجهول في إشارة إلى صخب الحياة أو ربما تمثل هذه السرعة وجودنا في هذه الحياة والسرعة في الغروب عنها، تنطلق هذه الدراجة في العتمة الأمن ضوء المواقد المترجح جاعلا من الفضاء داخل الفضاء تعبيرا عن ومضات الأمل التي ربما لا تخلو منها الحياة ولتجعل من الخيال والتأويل مسيطراً على مجريات الفعل الدرامي، إن المكان الحر الممسرح في هذا العرض يعطي جمله من التأويلات في صخب ما يحصل في تلك السوداوية المتمثلة في شكل الفراغ المحصور وضيقه بين البنايات المعلقة في السماء أو حبال شنق يلامس الموت مكرساً غربة المكان في شكله الحاد وتكويناته المسننة بين الارتفاع والانخفاض وقعروية الأرض واغتراب ذلك المكان وشكله المرئي والمتخيل، وفي بؤرة التزاوج بين الفضاءات كان الجمهور حراً في مشاهدته للعرض من أي زاوية يختار سواء كان جالساً أم واقفاً أو في الفراغ بين البنايتين أو من خلال السلم الذي يلتصق أو الخارج من بناية مسرح الكلية، وبذلك جعل المخرج من فوضوية حركة أو تحريك المهمات المسرحية أو توزيعها أو حرية التلقي ديناميكيه مضافة للمكان الحر الممسرح سواء للمؤدين أو المتلقي وحركته أثناء المشاهدة أو اختياره اللقطة في أي اتجاه يشاء أو أي اتجاه يتحرك ومن خلالها يكون مشاركاً المؤدي همه وحسه وغربة الحياة واشتراكه ذات المأساة ، منتبهاً إلى أن العرض في هذا المكان الممسرح قد بدأ بواسطة أبواق رافعاً رأسه مجبراً على النظر أعلى أسطح البنايات يشاهد المهرج الذي يتحكم في استدارة رأسه منتبهاً إلى العباءات التي ترمى من أسطح البنايات لينظر على ما سوف تنتهي في مستقرها على الأرض، مستسلماً إلى قوانين الطغاة، بينما يظل محدقاً إلى أعلى وأسفل لا يعرف ماذا عليه أن يفعل غير قادر على تغيير مسار ما يجري، إن جمالية المكان الممسرح  وأثرها في هذا العرض أحدثته الصدمة في التناقضات المكانية وغرابتها أو في تنوعه العلاماتي بين شكل وعدم انتظام البنيات وبين الأرض المحصورة بينها أو بين العلاقة بين الفراغ والمهمات المسرحية وحالة الامتلاء وعشوائية التوزيع وديناميكية الحركة للممثلين أو تلك المهمات على مجمل توالي الارتفاع واستمراريته أو بين الفراغ والمتلقي وحركته المنفلتة في أرجاء مساحة العرض أو بين الممثل ذاته في صنع المتعة بينه وبين فراغ قد امتلاء بالحركة وسيادة صخب الإيقاع وفعل الحركة والفعل لعرض شكله المكان وإضافة إليه المخرج إيقاع متوازن بين أحداث النص وسكونيتها وبين العرض المكاني وصخبه .

** المحطة قبل الأخيرة:

ـ خلاصة نهائية:

1/ تتشكل جمالية المكان الحر الممسرح من خلال تناقض المساحات في جغرافيته البكر أو المكون الإنشائي لغير وظيفة

   العرض المسرحي، كما تبين في عرض (عزله في الكرستال ) التنوع في وجود ( بنايات + أرض محصورة) .

2/ تنشأ جمالية المكان الحر الممسرح من شكل حرية حركة الممثل والمتلقي خلال منطقه واحده فرضتها جدلية وجود قانون إلغاء الفضاءات وصيرورتها إلى فضاء واحد ( حركة الممثلين والمتلقين في عرض (عزله في الكرستال ) في مختلف

   جوانب المكان الحر.

3/ تتكون المنظومة الجمالية للمكان الحر الممسرح من حرية المشاهدة واختيار المتلقي الجلوس أو الوقوف أو اختيار أي

     زاوية لمشاهدة العرض.

4/ تنبع جمالية المكان الحر الممسرح من خلال ديناميكية توزيع المهمات المسرحية على طبيعة ما تمثله جغرافية المكان

    البكر أو باحتواء المكان أو ملئه بالحركة والفعل الدرامي ( توزيع مواقد النار، حركة الدراجة، ظهور واختفاء المهرج من

    على أسطح البنايات) .

5/ تنشأ جمالية المكان الحر الممسرح من قدرته على صنع واستحداث العلامات بفعل العشوائية في نمط شكله وزواياه

    المتنوعة المساندة على تكوين ديناميكيه في تأسيس حراك للعلامة .

6/ تتولد بفعل لا مألوفية و شكل المكان الحر الممسرح لحظة الدهشة والمتعة غير التقليدية في الأداء والمشاهدة .

7/ العمق المساحي لجغرافية المكان الحر الممسرح خاضع لأبعاد متفاوتة لجدلية التكوين الطبيعي له، لذا فإن الحدود كلها

    متداخلة بأبعاد فطريه تخضع لها إرادة حركة الممثل وترتيب المشاهدة وتوزيع المهمات المسرحية .

8/ قيمة وجمالية المكان الحر الممسرح تنبع مما يحيط به من مادة خام لم يتدخل الإنسان بها، ولم تنشأ أصلاً لغرض العرض

   المسرحي بل شكلها لوظائف أخرى .

9/ عند توحيد الرؤية في ظل ظروف ذاتيه وموضوعيه بين المساحة والأداء سيكون من المنطقي رؤية تركيز عالي القدرة

    على الانتباه .

وأخرى أيضاً بعد الوعي:

1/ لايمكن وجود رؤية جمالية للمكان الحر إلا بتوحيد الفضاءات المتلاصقة أو المتجاورة في حيز مساحة العرض.

2/ لا يستطيع الفضاء الوهمي القائم على رؤية خارج الفضاء المنصي في المكان المسرحي التقليدي أن يعمل مباغته خيلية

   أو متخيلة في المكان الحر لأن الحدود الجغرافية فيه مقيدة ولا تسمح التحديدات الأرضية أو الجانبية أن تعمل حقل الفضاء

   الوهمي أو تنشيطه.

3/ ينعدم إحساس المتلقي بالفضاء النفسي الوهمي في المكان الحر حيث ينشأ الوعي المكاني بالمشاهدة ، لاسيما في العروض

    النهارية الخارجية أو أن الإضاءة باتت لا تفرق بين حدود المكان المنصي ومكان الجمهور، حيث لا مجال لصنع مستوى

    فضاء داخل فضاء.

4/ طاقة الممثل الأدائية مفتوحة في المكان المسرحي، ولكنها تتفاوت في نسبتها في المكان الحر باختلاف التأثيرات

    الجغرافية لذات المكان.

5/ قد تعطي العشوائية الجغرافية للمكان الحر الممثل انفعالات تحفزه الارتجال لغياب عنصر الضبط النفسي وفي غياب

     تقنيات المسرح المعروفة والجلوس العشوائي المتداخل بين المتلقي والمؤدي .

6/ لا تنبع خصوصية جماليه للمكان الحر الممسرح إلا من خلال شموليه الحيز الحولي في صيغة اندماج المساحات التي

    يشكلها العرض بطبيعة المكان وجغرافيته المونوعة، حيث ينشأ نظام مبني على حوليه الحركة المبني هو الآخر على

    اتخاد الحيز المكاني العام كمساحة للأداء والمشاهدة.

**  المحطة الاخيرة:

الحالات:

1/ مصطفى إبراهيم وآخرون :المعجم الوسيط، ( طهران : دار الدعوه ) ، ج1 ،ج2، ص136

2/ علوش سعيد : المصطلحات الأدبيه المعاصرة، ( الدارالبيضاء: المكتبة الجامعية، 1984) ، ص36

3/ جونسن،ر، ف :الجمالية ، تر : عبد الواحد لؤلؤة، ( بغداد : منشورات وزارة الثقافة والإعلام ،1978)

     ص8.

4/ نجم حيدر : خيال وابتكار ، ( جامعة الموصل ، دار الكتب للطباعة والنشر ، 2001) ، ص118.

5/ مصطفى إبراهيم وآخرون :المعجم الوسيط، (طهران : دار الدعوة ) ، ج1 ،ج2، ص881 .

6/ الشريف الجرجاني، علي بن محمد : كتاب التعريفات ، ( بيروت : مكتبه لبنان ، 1978) ، ص245.

7/ التهانوي،محمد أعلى بن علي : كشاف اصطلاحات الفنون ، ( بيروت : دار الصياد ، ب ، ت ) ، ص1277

8/ باشلار، جاستون :جماليات المكان ، تر : غالب هلسا ، ( بغداد : دار الجاحظ للنشر ، 1980) ، ص7

9/ الشجري علي بن محمد بن علي : ما اتفق لفظه واختلف معناه ، ( بيروت : دار الكتب العلميه ، 1996)،

     ص85 .

10/ هونزيل، يندريك :سيمياء براغ للمسرح ، تر: ادمير كوريه ( دمشق : منشورات وزارة الثقافه ، ص98

11/ المصدر نفسه، ص99.

12/ المصدر نفسه

13/ المصدر نفسه

14/ سفليد، ان أوبرا : مدرسة المتفرج ، تر :حماده ابراهيم ، ( القاهره: مهرجان القاهره الدولي للمسح

     التجريبي،1996)، ص56

15/ سفليد ،ان وابرا ،مصدر سابق ، ص59

16/ المصدر نسه ، ص60

17/ هوايتنج،فرانك :المدخل الى الفنون المسرحيه ، تر: كامل يوسف ،( القاهره :دار المعرفه ،1970). 

       ص285

18/ المصدر نفسه ،ص286.

19/ استون، الين:المسرح والعلامات ، تر:سباعي السيد :( القاهره :مهرجان القاهره الدولي للمسرح     

      التجريبي ،1996) ص160

20/ هوايتنج،فرانك ، مصدر سابق ، ص290

21/ المصدر نفسه ، ص:291

22/ هوايتنج ، فرانك ، مصدر سابق ، ص292

23/ كارلسون ، مارفن : أماكن العرض المسرحي ، تر : ايمان حجازي ،(القاهرة: مهرجان القاهرة للمسرح

      التجريبي ،2002) ، ص28

24/ المصدر نفسه، ص 45

25/ استون، الين ، مصدر سابق ، ص161

26/ كارلسون ، مارفن ، مصدر سابق ، ص46

27/ المصدر نفسه ، ص48

28/ المصدر نفسه ، ص47

29/ استون، الين، مصدر سابق ، ص160

30/ كارلسون ، مارفن ، مصدر سابق ، ص28

31/ المصدر نفسه ، ص28

32/ هلتون،جوليان: نظرية العرض المسرحي، تر : نهاد صليحه ، ( القاهره :هلا للنشر والتوزيع،2000)،

      ص36

33/ المصدر نفسه ، ص36

34/ المصدر نفسه ، ص36

35/ المصدر نفسه ، ص38

36/ باشلار، جاستون ، مصدر سابق ، ص45

37/ المصدر نفسه ، ص29

38/ غاتشف،غيوري:الوعي والفن ،تر:نوفل تيوف،(الكويت:المجلس الوطني للثقافه والفنون ،عالم

      المعرف(146)،1991) ص13

39/ محمد رضا،حسين رامز: الدراما بين النظريه والتطبيق ،(بيروت: المؤسسه العربيه للدراسات

      والنشر،1972)،ص402

40/ هلتون،جوليان،مصدر سابق ، ص42

41/ هلتون،جوليان، مصدر سابق ،ص42

42/ المصدر نفسه ، ص39

43/ المصدر نفسه ، ص40

44/ ويلسون ، جلين : سيكولوجية فنون الاداء ، تر: شاكر عبد الحميد ،( الكويت : المجلس الوطني للثقافه

     والفنون ، 2000) ، ص93

45/ واطسون،ايان : ايوجينيوباربا ومسرح أودن تر: منى سلام ،( القاهره: مهرجان القاهره الدولي للمسرح

     التجريبي،2000)،ص237

46/ سفليد، ان أوبرا، مصدر سابق ، ص55

47/ سفليد، ان أوبرا، مصدر سابق، ص56

48/ المصدر نفسه ، ص60

49/ سفليد، ان أوبرا، مصدر سابق، ص74

50/ المصدر نفسه ،ص118

51/ استون، الين، مصدر سابق ، ص161

52/ تافياني،فرديناندو: طاقة الممثل كمقدمه نقديه ، تر، اليان ديشا ، في : كتاب : طاقة الممثل ،( القاهره :

      مهرجان القاهره الدولي للمسرح التجريبي ، 1999) ، ص130،ص131

53/ المصدر نفسه ، ص174

54/ هوري ، أونا شود :المكان المسرحي ( جغرافية الدراما الحديثه ) ، تر : امين حسين الرباط ، ( القاهره :

      مهرجان القهره الدولي للمسرح التجريبي ، 2000) ، ص29

55/ هوري ، أونا شود ، مصدر سابق ، ص30

56/ المصدر نفسه ، ص30

57/ المصدر نفسه ، ص31

58/ المصدر نفسه ، ص32

59/ بروك ، بيتر : النقطه المتحوله ، تر، فاروق عبد القادر،(الكويت : المجلس الوطني للثقافه والفنون

     والاداب ، سلسة عالم المعرفه (154) ،1991 ) ، ص159

60/ المصدر نفسه ، ص63

61/ المصدر نفسه ، ص137

 

 

اكتب تعليق

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الفرجة - موقع الفنون العربية

الصعود لأعلى